حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب البول في الماء الدائم

( باب البول في الماء الدائم )

101 - حدثنا أبو اليمان ، قال : أخبرنا شعيب ، قال : أخبرنا أبو الزناد أن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج حدثه أنه سمع أبا هريرة رضي الله تعالى عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : نحن الآخرون السابقون ، وبإسناده قال : لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه . هذان حديثان مستقلان ، ومطابقة الحديث الثاني للترجمة ظاهرة ، وأما الحكمة في تقديم الحديث الأول ، فقد اختلفوا فيها ، فقال ابن بطال : يحتمل أن يكون أبو هريرة سمع ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم ، وما بعده في نسق واحد ، فحدث بهما جميعا ، ويحتمل أن يكون همام فعل ذلك لأنه سمعهما من أبي هريرة ، وإلا فليس في الحديث مناسبة للترجمة ، قيل : في الاحتمال الأول نظر لتعذره ، ولأنه ما بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم حفظ عنه أحد في مجلس واحد مقدار هذه النسخة صحيحا إلا أن يكون من الوصايا الغير الصحيحة ، ولا يقرب من الصحيح ، وقال ابن المنير ما حاصله : إن هماما راويه روى جملة أحاديث عن أبي هريرة استفتحها له أبو هريرة بحديث : نحن الآخرون ، فصار همام كلما حدث عن أبي هريرة ذكر الجملة من أولها ، وتبعه البخاري في ذلك ، وكذلك في مواضع أخرى من كتابه في كتاب الجهاد ، والمغازي ، والأيمان والنذور ، وقصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، والاعتصام ذكر في أوائلها كلها : " نحن الآخرون السابقون " ، وقال ابن المنير : هو حديث واحد ، فإذا كان واحدا تكون المطابقة في آخر الحديث ، وفيه نظر ، لأنه لو كان واحدا لما فصله البخاري بقوله : " وبإسناده " ، وأيضا فقوله : " نحن الآخرون السابقون " طرف من حديث مشهور في ذكر يوم الجمعة ، ولو راعى البخاري ما ادعاه لساق المتن بتمامه ، ويقال : الحكمة في هذا أن حديث : نحن الآخرون السابقون أول حديث في صحيفة همام عن أبي هريرة ، وكان همام إذا روى الصحيفة استفتح بذكره ، ثم سرد الأحاديث ، فوافقه البخاري هاهنا ، ويقال : الحكمة فيه أن من عادة المحدثين ذكر الحديث جملة لتضمنه موضع الدلالة المطلوبة ، ولا يكون ما فيه مقصودا بالاستدلال ، وإنما جاء تبعا لموضع الدليل ، وفيه نظر لا يخفى ، وقال الكرماني : ج٣ / ص١٦٧قال بعض علماء العصر : إن قيل ما مناسبة صدر الحديث لآخره ؟ قلنا : وجهه أن هذه الأمة آخر من يدفن من الأمم ، وأول من يخرج منها ؛ لأن الأرض لهم وعاء ، والوعاء آخر ما يوضع فيه ، وأول ما يخرج منه ، فكذلك الماء الراكد آخر ما يقع فيه من البول أول ما يصادف أعضاء المتطهر منه ، فينبغي أن يجتنب ذلك ، ولا يفعله ، قلت : فيه جر الثقيل ولا يشفي العليل .

( بيان رجاله ) وهم خمسة : الأول أبو اليمان بفتح الياء آخر الحروف ، وتخفيف الميم هو الحكم بن نافع ، الثاني : شعيب بن أبي حمزة ، كلاهما تقدما في قصة هرقل ، الثالث : أبو الزناد بكسر الزاي ، وتخفيف النون عبد الله بن ذكوان ، الرابع : الأعرج وهو عبد الرحمن بن هرمز ، والأعرج صفته ، تقدما في باب حب الرسول من الإيمان ، الخامس : أبو هريرة . ( بيان لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع ، وبصيغة الإفراد في موضع ، وفيه الإخبار بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه السماع في موضعين ، وفيه أن رواته ما بين حمصي ، ومدني ، وفيه في بعض النسخ : أخبرنا أبو الزناد أن الأعرج ، وفي بعضها : حدثنا أبو الزناد أن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج ، وفيه كما ترى أن شعيبا روى عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، ووافقه سفيان بن عيينة فيما رواه الشافعي عنه ، عن أبي الزناد ، وكذا أخرجه الإسماعيلي ، ورواه أكثر أصحاب ابن عيينة عنه ، عن أبي الزناد ، عن موسى بن أبي عثمان ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، ومن هذا الوجه أخرجه النسائي ،

وكذا أخرجه من طريق الثوري عن أبي الزناد ، والطحاوي من طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد ، عن أبيه ، والطريقان صحيحان ، ولأبي الزناد فيه شيخان ، ولفظهما في سياق المتن مختلف فيه
. وأخرجه الطحاوي من عشر طرق ، الأول : حدثنا صالح بن عبد الرحمن بن عمرو بن الحارث الأنصاري ، وعلي بن شيبة بن الصلت البغدادي ، قالا : حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ ، قال : سمعت ابن عون يحدث ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة ، قال : نهى أو نهي أن يبول الرجل في الماء الدائم أو الراكد ، ثم يتوضأ منه أو يغتسل فيه ، الطريق الثاني : حدثنا علي بن سعيد بن نوح البغدادي ، قال : حدثنا عبد الله بن بكر السهمي ، قال : حدثنا هشام بن حسان ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : " لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه " ، وأخرجه مسلم بنحوه ، الطريق الثالث : حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرني أنس بن عياض الليثي ، عن الحارث بن أبي ذباب ، وهو رجل من الأزد ، عن عطاء بن مينا ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ، ثم يتوضأ منه أو يشرب " ، وأخرجه البيهقي بنحوه إسنادا ومتنا ، الطريق الرابع : حدثنا يونس ، قال : أخبرني عبد الله بن وهب ، قال : أخبرني عمرو بن الحارث أن بكير بن عبد الله ابن الأشج حدثه أن أبا السائب مولى هشام بن زهرة حدثه أنه سمع أبا هريرة يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب ، فقال : كيف نفعل يا أبا هريرة ؟ فقال : يتناوله تناولا " ، وأخرجه ابن حبان في ( صحيحه ) نحوه عن عبد الله بن مسلم ، عن حرملة بن يحيى ، عن عبد الله بن وهب إلى آخره ، الطريق الخامس : حدثنا ابن أبي داود ، قال : حدثنا سعيد بن الحكم بن أبي مريم ، قال : أخبرني عبد الرحمن بن أبي الزناد ، قال : حدثني أبي ، عن موسى بن أبي عثمان ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ، ثم يغتسل منه " ، ولم يعرف اسم أبي موسى المذكور ، وتركه الترمذي ، والنسائي ، الطريق السادس والسابع : حدثنا حسن بن نصر البغدادي ، قال : حدثنا محمد بن يوسف الفريابي ، قال : حدثنا سفيان ( ح ) ، وحدثنا فهر ، قال : حدثنا أبو نعيم ، قال سفيان ، عن أبي الزناد ، فذكر بإسناده مثله ، الطريق الثامن : حدثنا الربيع بن سليمان المرادي المؤذن ، قال : حدثنا أسد بن موسى ، قال : حدثنا عبد الله بن لهيعة ، قال : حدثنا عبد الرحمن الأعرج ، قال : سمعت أبا هريرة ، يقول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يتحرك ، ثم يغتسل منه " ، الطريق التاسع : حدثنا الربيع بن سليمان الجيزي ، قال : حدثنا أبو زرعة وهبة الله بن راشد ، قال : أخبرنا حيوة بن شريح ، قال : سمعت ابن عجلان يحدث عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا يبولن أحدكم في الماء الراكد ، ولا يغتسل فيه " ، الطريق العاشر : حدثنا إبراهيم بن منقذ العصفري ، قال : حدثني إدريس بن يحيى ، قال : حدثنا عبد الله بن عباس ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله غير أنه قال : " ولا يغتسل فيه جنب .

" ج٣ / ص١٦٨( بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري كما ترى عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، وأخرجه مسلم ، وأبو داود ، والنسائي عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة ، وأخرجه الترمذي ، عن همام بن منبه ، عن أبي هريرة ، وأخرجه ابن ماجه ، عن ابن عجلان ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، وأخرجه مسلم أيضا من حديث جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أنه نهى أن يبال في الماء الراكد " ، وأخرجه الطحاوي أيضا ، وابن ماجه ، والطبراني في ( الأوسط ) ، وأخرجه ابن ماجه أيضا من حديث نافع ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يبولن أحدكم في الماء الناقع " . ( بيان لغته ومعناه ) قوله : " نحن الآخرون " بكسر الخاء جمع الآخر بمعنى المتأخر يذكر في مقابلة الأول ، وبفتحها جمع الآخر أفعل التفضيل ، وهذا المعنى أعم من الأول ، والرواية بالكسر فقط ، ومعناه : نحن المتأخرون في الدنيا المتقدمون في يوم القيامة ، قوله : " وبإسناده " الضمير يرجع إلى الحديث ، أي : حدثنا أبو اليمان بالإسناد المذكور ، قوله : " لا يبولن " بفتح اللام ، وبنون التأكيد الثقيلة ، وفي رواية ابن ماجه : " لا يبول " بغير نون التأكيد ، قوله : " في الماء الدائم " من دام الشيء يدوم ويدام قال الشاعر :

يا مي لا غرو ولا ملاما في الحب إن الحب لن يداما
وديما ودواما وديمومة ، قاله ابن سيده : وأصله من الاستدارة ، وذلك أن أصحاب الهندسة يقولون : إن الماء إذا كان بمكان فإنه يكون مستديرا في الشكل ، ويقال : الدائم الثابت الواقف الذي لا يجري ، وقوله : " الذي لا يجري " إيضاح لمعناه ، وتأكيد له ، ويقال الدائم : الراكد ، جاء في بعض الروايات ، وفي ( تاريخ نيسابور ) الماء الراكد الدائم ، ويقال : احترز بقوله : " الذي لا يجري " عن راكد يجري بعضه كالبرك ، وقيل : احترز به عن الماء الدائر لأنه جار من حيث الصورة ساكن من حيث المعنى ، قوله : " ثم يغتسل " يجوز فيه الأوجه الثلاثة : الجزم عطفا على : " لا يبولن " لأنه مجزوم الموضع بلا التي للنهي ، ولكنه بني على الفتح لتوكيده بالنون والرفع على تقدير : ثم هو يغتسل فيه ، والنصب على إضمار أن ، وإعطاء ثم حكم واو الجمع ، ونظيره في الأوجه الثلاثة قوله تعالى : ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فإنه قرئ بالجزم ، وهو الذي قرأته السبعة ، وبالرفع والنصب على الشذوذ ، وقال النووي : لا يجوز النصب لأنه يقتضي أن المنهي عنه الجمع بينهما دون إفراد أحدهما ، وهذا لم يقله أحد ، بل البول فيه منهي عنه سواء أراد الاغتسال فيه أو منه ، أم لا ، ولا يقتضي الجمع إذ لا يريد بتشبيه ثم بالواو المشابهة من جميع الوجوه ، بل جواز النصب بعده فقط سلمنا لكن لا يضر إذ كون الجمع منهيا يعلم من هنا ، وكون الإفراد منهيا من دليل آخر كما في قوله تعالى : وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ على تقدير النصب ، قوله : " فيه " أي : في الماء الدائم الذي لا يجري ، وتفرد البخاري بلفظ : " فيه " هنا ، وفي رواية ابن عيينة ، عن أبي الزناد : " ثم يغتسل منه " ، كما في رواية غيره منه بكلمة " من " ، وكل واحد من اللفظين يفيد حكما بالنص ، وحكما بالاستنباط . ( بيان استنباط الأحكام ) الأول : احتج به أصحابنا أن الماء الذي لا يبلغ الغدير العظيم إذا وقعت فيه نجاسة لم يجز الوضوء به قليلا كان أو كثيرا ، وعلى أن القلتين تحمل النجاسة ؛ لأن الحديث مطلق فبإطلاقه يتناول القليل والكثير والقلتين والأكثر منهما ،
ولو قلنا : إن القلتين لا تحمل النجاسة لم يكن للنهي فائدة على أن هذا أصح من حديث القلتين
، وقال ابن قدامة : ودليلنا حديث القلتين ، وحديث بئر بضاعة ، وهذان نص في خلاف ما ذهب إليه الحنفية ، وقال أيضا : بئر بضاعة لا تبلغ إلى الحد الذي يمنع التنجس عندهم ،
قلت : لا نسلم أن هذين الحديثين نص في خلاف مذهبنا أما فلأنه وإن كان بعضهم صححه فإنه مضطرب سندا ومتنا ، والقلة في نفسها مجهولة ، والعمل بالصحيح المتفق عليه أقوى وأقرب
، وأما حديث بئر بضاعة فإنا نعمل به فإن ماءها كان جاريا ، وقوله : " وبئر بضاعة لا تبلغ " إلى آخره غير صحيح ؛ لأن البيهقي روى عن الشافعي أن بئر بضاعة كانت كثيرة الماء واسعة ، وكان يطرح فيها من الأنجاس ما لا يغير لها لونا ، ولا ريحا ، ولا طعما ، فإن قالوا : حديثكم عام في كل ماء ، وحديثنا خاص فيما يبلغ القلتين ، وتقديم الخاص على العام متعين ، كيف وحديثكم لا بد من تخصيصه ، فإنكم وافقتمونا على تخصيص الماء الكثير الذي يزيد على عشرة ج٣ / ص١٦٩أذرع ، وإذا لم يكن بد من التخصيص ، فالتخصيص بالحديث أولى من التخصيص بالرأي من غير أصل يرجع إليه ، ولا دليل يعتمد عليه ، قلنا : لا نسلم أن تقديم الخاص على العام متعين ، بل الظاهر من مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه ترجيح العام على الخاص في العمل به كما في حديثكم حريم بئر الناضح ، فإنه رجح قوله عليه السلام : " من حفر بئرا فله مما حولها أربعون ذراعا " على الخاص الوارد في بئر الناضح أنه ستون ذراعا ، ورجح قوله صلى الله عليه وسلم : " ما أخرجت الأرض ففيه العشر " ، على الخاص الوارد بقوله : " ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة " ، ونسخ الخاص بالعام ، وقولهم : التخصيص بالحديث أولى من التخصيص بالرأي ،
قلنا : هذا إنما يكون إذا كان الحديث المخصص غير مخالف للإجماع ، خبر آحاد ورد مخالفا لإجماع الصحابة ، فيرد بيانه أن ابن عباس ، وابن الزبير رضي الله عنهم أفتيا في زنجي وقع في بئر زمزم بنزح الماء كله ، ولم يظهر أثره في الماء ، وكان الماء أكثر من قلتين ، وذلك بمحضر من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، ولم ينكر عليهما أحد منهم ، فكان إجماعا ، وخبر الواحد إذا ورد مخالفا للإجماع يرد يدل عليه أن علي بن المديني قال : لا يثبت هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وكفى به قدوة في هذا الباب
،
وقال أبو داود : لا يكاد يصح لواحد من الفريقين حديث عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في
، وقال صاحب ( البدائع ) : ولهذا رجع أصحابنا في التقدير إلى الدلائل الحسية دون الدلائل السمعية .

الثاني : استدل به أبو يوسف على نجاسة الماء المستعمل ، فإنه قرن بين الغسل فيه ، والبول فيه ، أما البول فيه ، فينجسه ، فكذلك الغسل فيه ، وفي دلالة القران بين الشيئين على استوائهما في الحكم خلاف بين العلماء ، فالمذكور عن أبي يوسف والمزني ذلك ، وخالفهما غيرهما ، وقال بعضهم : واستدل به بعض الحنفية على تنجس الماء المستعمل ؛ لأن البول ينجس الماء ، فكذلك الاغتسال ، وقد نهي عنهما معا وهو للتحريم ، فدل على أن النجاسة فيهما ثابتة ، ورد بأنها دلالة قران ، وهي ضعيفة ، قلت : هذا عجب منه ، فإنه إذا كانت دلالة الاقتران صحيحة عنده فبقوله : " وهي ضعيفة " يرد على قائله على أن مذهب أكثر أصحاب إمامه مثل مذهب بعض الحنفية ، ثم قال هذا القائل : وعلى تقدير تسليمها قد يلزم التسوية ، فيكون النهي عن البول لئلا ينجسه ، وعن الاغتسال فيه لئلا يسلبه الطهورية ، قلت : هذا أعجب من الأول لأنه تحكم حيث لا يفهم هذه التسوية من نظم الكلام ، والذي احتج به في نجاسة الماء المستعمل يقول بالتسوية من نظم الكلام . الثالث : أن النووي زعم أن النهي المذكور فيه للتحريم في بعض المياه ، والكراهة في بعضها ، فإن كان الماء كثيرا جاريا لم يحرم البول فيه لمفهوم الحديث ، ولكن الأولى اجتنابه ، وإن كان قليلا جاريا ، فقد قال جماعة من أصحابنا : يكره ، والمختار أنه يحرم ، لأنه يقذره ، وينجسه على المشهور من مذهب الشافعي ، وإن كان كثيرا راكدا ، فقال أصحابنا : يكره ، ولا يحرم ، ولو قيل : يحرم لم يكن بعيدا ، وأما الراكد القليل ، فقد أطلق جماعة من أصحابنا أنه مكروه ، والصواب المختار أنه حرام ، والتغوط فيه كالبول فيه وأقبح ، وكذا إذا بال في إناء ، ثم صبه في الماء ، قلت : زعم النووي أنه من باب استعمال اللفظ الواحد في معنيين مختلفين ، وفيه من الخلاف ما هو معروف عند أهل الأصول . الرابع : أن هذا الحديث عام فلا بد من تخصيصه اتفاقا بالماء المتبحر الذي لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الطرف الآخر لما قلنا أو بحديث القلتين كما ذهب إليه الشافعي ، أو بالعمومات الدالة على طهورية الماء ما لم تتغير أحد أوصافه الثلاثة كما ذهب إليه مالك رحمه الله ،

وقال بعضهم : الفصل أقوى لصحة الحديث فيه ، وقد اعترف الطحاوي من الحنفية بذلك ، لكنه اعتذر عن القول به بأن القلة في العرف تطلق على الكبيرة والصغيرة كالجرة ، ولم يثبت في الحديث تقديرهما فيكون مجملا ، فلا يعمل به ، وقواه ابن دقيق العيد ، قلت : هذا القائل ادعى ثم أبطل دعواه بما ذكره ، فلا يحتاج إلى رد كلامه بشيء آخر
.

الخامس : فيه دليل على تحريم الغسل والوضوء بالماء النجس . السادس : فيه التأديب بالتنزه عن البول في الماء الراكد ، وقد أخذ داود الظاهري بظاهر هذا الحديث ، وقال : النهي مختص بالبول ، والغائط ليس كالبول ، ومختص ببول نفسه ، وجاز لغير البائل أن يتوضأ بما بال فيه غيره ، وجاز أيضا للبائل إذا بال في إناء ، ثم صبه في الماء ، أو بال بقرب الماء ، ثم جرى إليه ، وهذا من أقبح ما نقل عنه . السابع : أن المذكور فيه الغسل من الجنابة فيلحق به الاغتسال من الحائض ، والنفساء ، وكذلك يلحق به اغتسال الجمعة ، والاغتسال من غسل الميت عند من يوجبها ، فإن قلت : هل يلحق به الغسل المسنون أم لا ؟ قلت : من اقتصر على اللفظ فلا إلحاق عنده كأهل الظاهر ، وأما من يعمل بالقياس فمن زعم أن العلة ج٣ / ص١٧٠الاستعمال ، فالإلحاق صحيح ، ومن زعم أن العلة رفع الحدث فلا إلحاق عنده ، فاعتبر بالخلاف الذي بين أبي يوسف ، ومحمد في كون الماء مستعملا .

الثامن فيه دليل على نجاسة البول .

ورد في أحاديث20 حديثًا
هذا المحتوى شرحٌ لـ2 حديثان
موقع حَـدِيث