باب البزاق والمخاط ونحوه في الثوب
( باب البزاق والمخاط ونحوه في الثوب ) ( وقال عروة عن المسور ومروان : خرج النبي صلى الله عليه وسلم زمن حديبية ، فذكر الحديث ، وما تنخم النبي صلى الله عليه وسلم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم ، فدلك بها وجهه وجلده ) . مطابقة هذا التعليق للترجمة ظاهرة ، وهو قطعة من حديث طويل ساقه البخاري بطوله في صلح الحديبية ، والشروط في الجهاد عن عبد الله بن محمد بن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن عروة به ، وقد علق منه قطعة في باب استعمال فضل وضوء ج٣ / ص١٧٧الناس ، ( بيان رجاله ) وهم ثلاثة : الأول : عروة بن الزبير التابعي ، فقيه المدينة ، تقدم في كتاب الوحي ، الثاني : المسور بكسر الميم ، وسكون السين المهملة ، وفتح الواو ، وبالراء ابن مخرمة بفتح الميم ، وسكون الخاء المعجمة ، وفتح الراء الصحابي تقدم في باب استعمال وضوء الناس ، الثالث : مروان بن الحكم بفتح الحاء المهملة ، وفتح الكاف الأموي ولد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يسمع النبي صلى الله عليه وسلم ، لأنه خرج إلى الطائف طفلا لا يعقل حين نفى النبي عليه الصلاة والسلام أباه الحكم إليها ، وكان مع أبيه بها حتى استخلف عثمان رضي الله تعالى عنه ، فردهما إلى المدينة ، وكان إسلام الحكم يوم فتح مكة ، وطرده رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف لأنه كان يفشي سره ، مات في خلافة عثمان ، ولما توفي معاوية بن يزيد بن معاوية بايع بعض الناس بالشام مروان بالخلافة ، ومات بدمشق سنة خمس وستين ، فإن قلت : مروان لم يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا كان بالحديبية وكيف روايته ؟ قلت : رواية المسور هي الأصل ، لكن ضم إليه رواية مروان للتقوية والتأكيد .
( ذكر لغاته ) قوله : " زمن حديبية " بضم الحاء المهملة ، وفتح الدال ، وسكون الياء آخر الحروف الأولى ، وكسر الباء الموحدة ، وفتح الياء الثانية كذا قاله الشافعي ، وبتشديد الياء عند أكثر المحدثين ، وقال ابن المديني : أهل المدينة يثقلونها ، وأهل العراق يخففونها ، قلت : هي تصغير حدباء ؛ لأن حديبية قرية سميت بشجرة هناك ، وهي حدباء ، وكانت الصحابة رضي الله تعالى عنهم بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت هذه الشجرة ، وهي تسمى بيعة الرضوان ، وقيل : هي قرية سميت ببئر هناك ، وعلى كلا التقديرين الصواب التخفيف ، وهي على نحو مرحلة من مكة ، قوله : " وما تنخم النبي صلى الله عليه وسلم نخامة " ، قوله : " تنخم " فعل ماض من باب التفعل ، يقال : تنخم الرجل إذا دفع بشيء من صدره ، أو أنفه ، قاله في ( المحكم ) ، وثلاثيه نخم نخما ونخما ، وفي ( الصحاح ) ، وفي ( المجمل ) النخامة بالفم النخاعة ، وفي ( المغيث ) ، ( والمغرب ) : ما يخرج من الخيشوم ، وزعم النووي أنها تخرج من الفم بخلاف النخاعة فإنها تخرج من الحلق ، وقال بعض الفقهاء : النخامة هي الخارج من الصدر ، والبلغم هو النازل من الدماغ ، وبعضهم عكسوا ، قوله : " إلا وقعت " أي ما تنخم في حال من الأحوال إلا في حال وقوعها في الكف ، وهو إما عطف على خرج ، وإما على الحديث ، ثم إما أن يراد أنه ما تنخم زمن الحديبية إلا وقعت في كف رجل ، وإما أن يراد أنه ما تنخم قط إلا وقعت ، فلا يختص بزمن الحديبية ، قال الكرماني : والأول هو الظاهر ، قلت : الثاني هو الأظهر ، وقال الكرماني : فإن قلت : ما وجه ذكر حديث الحديبية هنا ؟ قلت : إما ؛ لأن أمر التنخم وقع في الحديث ، وإما ؛ لأن الراوي ساق الحديثين سوقا واحدا ، وذكرهما معا ، وكثيرا ما يفعله المحدثون كما تقدم في حديث " نحن الآخرون السابقون " ، قلت : لم يقطع الكرماني على الموضع الذي ساق البخاري فيه الحديث ، فلذلك ردد في جواب السؤال ، فلو كان اطلع عليه لم يتردد . ( بيان استنباط الأحكام ) منها : الاستدلال على طهارة البصاق والمخاط ، قال ابن بطال : وهو أمر مجمع عليه لا نعلم فيه خلافا إلا ما روى سلمان أنه جعله غير طاهر ، وأن الحسن بن حي كرهه في الثوب ، وعن الأوزاعي أنه كره أن يدخل سواكه في وضوئه ، وذكر ابن أبي شيبة أيضا في ( مصنفه ) عن إبراهيم النخعي أنه ليس بطهور ، وقال ابن حزم : صح عن سلمان الفارسي ، وإبراهيم النخعي أن اللعاب نجس إذا فارق الفم ، وقال بعض الشراح : وما ثبت عن الشارع من خلافهم فهو المتبع ، والحجة البالغة ، فلا معنى لقول من خالف ، وقد أمر الشارع المصلي أن يبزق عن شماله ، أو تحت قدميه ، وبزق الشارع في طرف ردائه ، ثم رد بعضه على بعض ، وقال : أوتفعل هكذا ؟ وهذا ظاهر في طهارته لأنه لا يجوز أن يقوم المصلي على نجاسة ، ولا أن يصلي ، وفي ثوبه نجاسة ، قلت : أما بصاق النبي صلى الله عليه وسلم ، فهو أطيب من كل طيب ، وأطهر من كل طاهر ، وأما بصاق غيره ، فينبغي أن يكون بالتفصيل ، وهو أن البزاق طاهر إذا كان من فم طاهر ، وأما إذا كان من فم يشرب الخمر فينبغي أن يكون نجسا في حالة شربه ؛ لأن سؤره في ذلك الوقت نجس فكذلك بصاقه ، وكذا إذا كان من فم من في فمه جراحة ، أو دمل يخرج منه دم أو قيح ، وقال أصحابنا : الدم المساوي للريق ينقض الوضوء استحسانا ، كالغالب بخلاف الناقص ، ولو كان لون الريق أحمر ينقض ، وإن كان أصفر لا ينقض ، ثم إذا حكم بطهارة البزاق على الوجه الذي ذكرناه يعلم منه أنه إذا وقع شيء منه في الماء لا ينجسه ، ويجوز الوضوء منه ، وكذا إذا وقع في الطعام لا يفسده غير أن بعض الطباع يستقذر ذلك ، فلا يخلو عن الكراهة ، ومن الاستنباط من ج٣ / ص١٧٨هذا الحديث التبرك ببزاق النبي صلى الله عليه وسلم توقيرا له وتعظيما . 103 - حدثنا محمد بن يوسف ، قال : حدثنا سفيان ، عن حميد ، عن أنس ، قال : بزق النبي صلى الله عليه وسلم في ثوبه ، قال أبو عبد الله : طوله ابن أبي مريم ، قال : أخبرنا يحيى بن أيوب ، قال : حدثني حميد ، قال : سمعت أنسا ، عن النبي صلى الله عليه وسلم .
مطابقته للترجمة ظاهرة ( بيان رجاله ) وهم سبعة : الأول : محمد بن يوسف الفريابي بكسر الفاء وسكون الراء ، وبالياء آخر الحروف قبل الألف ، وبالباء الموحدة في آخره تقدم مرارا ، الثاني : سفيان الثوري ، كما صرح به الدارقطني ، فإنه لما ذكر رواة هذا الحديث قال : رواه سفيان بن سعيد ، عن حميد ، ولم يذكر سفيان بن عيينة ، والفريابي كثير الملازمة لسفيان الثوري ، ولما ذكر الجياني وغيره ما رواه محمد بن يوسف البيكندي ، عن ابن عيينة لم يذكروا هذا الحديث منها ، وابن عيينة مقل في حميد ، حتى إن البخاري لم يخرج له إلا حديثا واحدا ، وهو حديث النواة في الصداق ، وكذا ذكره الشيخ قطب الدين الحلبي في ( شرحه ) ، الثالث : حميد بضم الحاء المشهور بالطويل ، فإن قلت : لم لا يقال : إن حميدا هذا هو حميد بن هلال لأنه في طبقة حميد الطويل ؟ قلت : ؛ لأن السفيانين لم يرويا عن حميد بن هلال شيئا ، الرابع : أبو عبد الله هو البخاري نفسه ، الخامس : سعيد بن الحكم بن محمد بن أبي مريم المصري أحد شيوخ البخاري ، وله ( موطأ ) ، رواه عن مالك ، وهو ثقة ، مات سنة أربع وعشرين ومائتين ، السادس : يحيى بن أيوب الغافقي المصري مولى عمر بن الحكم بن مروان أبو العباس ، مات سنة ثمان وستين ومائة ، وفيه لين ، وقال أبو حاتم : لا يحتج به ، وقال النسائي : ليس بالقوي ، السابع : أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه . ( بيان لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وبصيغة الإفراد في موضع ، وفيه الإخبار بصيغة الجمع في موضع واحد ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه التصريح بسماع حميد ، عن أنس خلافا لما روى يحيى القطان ، عن حماد بن سلمة أنه قال : حديث حميد عن أنس في البزاق إنما سمعه عن ثابت ، عن أبي نضرة ، فظهر من تصريح سماعه أنه لم يدلس فيه ، وقال يحيى القطان : ولم يقل شيئا ؛ لأن هذا قد رواه قتادة عن أنس ، وقال الدارقطني : والقول عندنا قول حماد بن سلمة ؛ لأن الذي رواه عن قتادة ، عن أنس غير هذا وهو أنه صلى الله عليه وسلم قال : " البزاق في المسجد خطيئة ، وكفارتها دفنها " ، وفيه أن رواته ما بين مكي ، وبصري ، ومصري . ( بيان معناه ) قوله : " بزق النبي صلى الله عليه وسلم في ثوبه " أي ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو الظاهر ، وقال الكرماني : ويحتمل عود الضمير إلى أنس رضي الله تعالى عنه ، وهو بعيد ، قلت : وجه بعده وإن كان فيه احتمال ما رواه أبو نعيم في ( مستخرجه ) ، وهو هذا الحديث من طريق الفريابي ، وزاد في آخره ، وهو في الصلاة ، قوله : " طوله " أي طول هذا الحديث شيخه سعيد بن الحكم بن أبي مريم ، يعني ذكره مطولا في باب حك البزاق باليد من المسجد ، وسيأتي إن شاء الله تعالى ، قوله : " سمعت أنسا عن النبي صلى الله عليه وسلم " يعني : مثل الحديث المذكور ، وهو مفعوله الثاني حذف للعلم به .