حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب لا يجوز الوضوء بالنبيذ ولا بالمسكر

( باب لا يجوز الوضوء بالنبيذ ولا بالمسكر )

( وكرهه الحسن وأبو العالية ) .

( وقال عطاء : التيمم أحب إلي من الوضوء بالنبيذ واللبن ) . عطاء هو ابن أبي رباح ، وهذا يدل على أن عطاء يجيز استعمال النبيذ في الوضوء ، ولكن التيمم أحب إليه منه ، فعلى هذا هو أيضا لا يساعد الترجمة ، وروى أبو داود من طريق ابن جريج عن عطاء أنه كره الوضوء بالنبيذ واللبن ، وقال : إن التيمم أعجب إلي منه ، قلت : أما التوضؤ باللبن فلا يخلو إما أن يكون بنفس اللبن ، أو بماء خالطه لبن ، فالأول لا يجوز بالإجماع ، وأما الثاني : فيجوز عندنا خلافا للشافعي ، وأما الوضوء بالنبيذ فهو جائز عند أبي حنيفة ، ولكن بشرط أن يكون حلوا رقيقا يسيل على الأعضاء ، كالماء ، وما اشتد منها صار حراما لا يجوز التوضؤ به ، وإن غيرته النار ، فما دام حلوا فهو على الخلاف ، ولا يجوز التوضؤ بما سواه من الأنبذة جريا على قضية القياس ، وقال ابن بطال : اختلفوا في الوضوء بالنبيذ ، فقال مالك ، والشافعي ، وأحمد : لا يجوز الوضوء بنيه ومطبوخه مع عدم الماء ووجوده تمرا كان أو غيره ، فإن كان مع ذلك مشتدا فهو نجس لا يجوز شربه ولا الوضوء به ، وقال أبو حنيفة : لا يجوز الوضوء به مع وجود الماء ، فإذا عدم فيجوز بمطبوخ التمر خاصة ، وقال الحسن : جاز الوضوء بالنبيذ ، وقال الأوزاعي : جاز بسائر الأنبذة انتهى .

وفي ( المغني ) لابن قدامة ، وروي عن علي رضي الله تعالى عنه ، إنه كان لا يرى بأسا بالوضوء بنبيذ التمر ، وبه قال الحسن ، والأوزاعي ، وقال عكرمة : النبيذ وضوء من لم يجد الماء ، وقال إسحاق : النبيذ الحلو أحب إلي من التيمم ، وجمعهما أحب إلي ، وعن أبي حنيفة كقول عكرمة ، وقيل عنه : يجوز الوضوء بنبيذ التمر إذا طبخ ، واشتد عند عدم الماء في السفر لحديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه ، وفي ( أحكام القرآن ) لأبي بكر الرازي ، عن أبي حنيفة في ذلك ثلاث روايات ، إحداها : يتوضأ به ، ويشترط فيه النية ، ولا يتيمم ، وهذه هي المشهورة ، وقال قاضيخان : هو قوله الأول وبه قال زفر ، والثانية : يتيمم ولا يتوضأ ، رواها عنه نوح بن أبي مريم ، وأسد بن عمرو ، والحسن بن زياد ، قال قاضيخان : وهو الصحيح عنه ، والذي رجع إليها ، وبها قال أبو يوسف ، وأكثر العلماء ، واختار الطحاوي هذا ، والثالثة روي عنه الجمع بينهما ، وهذا قول محمد ، وقال صاحب ( المحيط ) : صفة هذا النبيذ أن يلقى في الماء تميرات حتى يأخذ الماء حلاوتها ، ولا يشتد ، ولا يسكر ، فإن اشتد حرم شربه ، فكيف الوضوء ؟ وإن كان مطبوخا فالصحيح أنه لا يتوضأ به ، وقال في ( المفيد ) : إذا ألقي فيه تمرات فحلا ، ولم يزل عنه اسم الماء ، وهو رقيق ، فيجوز الوضوء به بلا خلاف بين أصحابنا ، ولا يجوز الاغتسال به ، هذا خلاف ما قاله في ( المبسوط ) أنه يجوز الاغتسال به ، وقال الكرخي : المطبوخ أدنى طبخة يجوز الوضوء به إلا عند محمد ، وقال الدباس : لا يجوز ، وفي ج٣ / ص١٨٠البدائع ، واختلف المشايخ في جواز الاغتسال بنبيذ التمر على أصل أبي حنيفة ، فقال بعضهم : لا يجوز ؛ لأن الجواز عرف بالنص ، وأنه ورد بالوضوء دون الاغتسال ، فيقتصر على مورد النص ، وقال بعضهم : يجوز لاستوائهما في المعنى ، ثم لا بد من تفسير نبيذ التمر الذي فيه الخلاف ، وهو أن يلقى في الماء شيء من التمر لتخرج حلاوتها إلى الماء ، وهكذا ذكر ابن مسعود رضي الله تعالى عنه في تفسير النبيذ الذي توضأ به النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : تمرات ألقيتها في الماء ؛ لأن من عادة العرب أنها تطرح التمر في الماء ليحلو ، فما دام رقيقا حلوا ، أو قارصا يتوضأ به عند أبي حنيفة ، وإن كان غليظا كالرب لا يجوز التوضؤ به ، وكذا إذا كان رقيقا لكنه غلا ، واشتد ، وقذف بالزبد لأنه صار مسكرا ، والمسكر حرام ، فلا يجوز التوضؤ به ؛ لأن النبيذ الذي توضأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم كان رقيقا حلوا ، فلا يلحق به الغليظ ، والنبيذ إذا كان نيا ، أو كان مطبوخا أدنى طبخة ، فما دام قارصا أو حلوا ، فهو على الخلاف ، وإن غلا ، واشتد ، وقذف بالزبد فلا ، وذكر القدوري في شرحه مختصر الكرخي الاختلاف فيه بين الكرخي ، وأبي طاهر الدباس على قول الكرخي : يجوز ، وعلى قول أبي طاهر : لا يجوز ، ثم الذين جوزوا التوضؤ به احتجوا

بحديث ابن مسعود حيث قال له النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن : " ماذا في إداوتك ؟ قال : نبيذ ، قال : تمرة طيبة وماء طهور " ، رواه أبو داود ، والترمذي ، وزاد : " فتوضأ به وصلى الفجر " ، وقال بعضهم : وهذا الحديث أطبق علماء السلف على تضعيفه ، قلت : إنما ضعفوه ؛ لأن في رواته أبا زيد ، وهو رجل مجهول لا يعرف له رواية غير هذا الحديث ، قاله الترمذي ، وقال ابن العربي في شرح الترمذي : أبو زيد مولى عمرو بن حريث روى عنه راشد بن كيسان ، وأبو روق ، وهذا يخرجه عن حد الجهالة ، وأما اسمه فلم يعرف فيجوز أن يكون الترمذي أراد أنه مجهول الاسم ، على أنه روى هذا الحديث أربعة عشر رجلا عن ابن مسعود كما رواه أبو زيد ، الأول : أبو رافع عند الطحاوي ، والحاكم ، الثاني : رباح أبو علي عند الطبراني في الأوسط ، الثالث : عبد الله بن عمر عند أبي موسى الأصبهاني في كتاب الصحابة ، الرابع : عمرو البكالي عند أبي أحمد في الكنى بسند صحيح ، الخامس : أبو عبيدة بن عبد الله ، السادس : أبو الأحوص وحديثهما عند محمد بن عيسى المدائني ، فإن قلت : قال البيهقي : محمد بن عيسى المدائني واهي الحديث ، والحديث باطل ، قلت : قال البرقاني فيه : ثقة لا بأس به ، وقال اللالكائي : صالح ليس يدفع عن السماع ، السابع : عبد الله بن مسلمة عند الحافظ أبي الحسن بن المظفر في كتاب غرائب شعبة ، الثامن : قابوس بن ظبيان عن أبيه عند ابن المظفر أيضا بسند لا بأس به ، التاسع : عبد الله بن عمرو بن غيلان الثقفي عند الإسماعيلي في جمعه حديث يحيى بن أبي كثير ، عن يحيى عنه ، العاشر : عبد الله بن عباس عند ابن ماجه ، والطحاوي ، الحادي عشر : أبو وائل شقيق بن سلمة عند الدارقطني ، الثاني عشر : ابن عبد الله ، رواه أبو عبيدة بن عبد الله ، عن طلحة بن عبد الله ، عن أبيه أن أباه حدثه ، الثالث عشر : أبو عثمان ابن سنه عند أبي حفص بن شاهين في كتاب الناسخ والمنسوخ من طريق جيدة ، وخرجها الحاكم في مستدركه ، الرابع عشر : أبو عثمان النهدي عند الدورقي في مسنده بطريق لا بأس بها ، فإن قلت : صح عن عبد الله أنه قال : لم أكن مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن ، قلت : يجوز أن يكون صحبه في بعض الليل ، واستوقفه في الباقي ، ثم عاد إليه ، فصح أنه لم يكن معه عند الجن لا نفس الخروج ، وقد قيل : إن ليلة الجن كانت مرتين ، ففي أول مرة خرج إليهم لم يكن مع النبي صلى الله عليه وسلم ابن مسعود ، ولا غيره كما هو ظاهر حديث مسلم ، ثم بعد ذلك خرج إليهم ، وهو معه ليلة أخرى كما روى أبو حاتم في تفسيره في أول سورة الجن من حديث ابن جريج قال : قال ابن عبد العزيز بن عمر : أما الجن الذين لقوه بنخلة فجن نينوى ، وأما الجن الذي لقوه بمكة فجن نصيبين
، وقال بعضهم : على تقدير صحته أي صحة حديث ابن مسعود أنه منسوخ ؛ لأن ذلك كان بمكة ، ونزول قوله تعالى : فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا إنما كان بالمدينة بلا خلاف ، قلت : هذا القائل نقل هذا عن ابن القصار من المالكية ، وابن حزم من كبار الظاهرية ، والعجب منه أنه مع علمه أن هذا مردود نقل هذا ، وسكت عليه ، وجه الرد ما ذكره الطبراني في الكبير ، والدارقطني أن جبريل عليه السلام نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بأعلى مكة ، فهمز له بعقبه ، فأنبع الماء ، وعلمه الوضوء ، وقال السهيلي : الوضوء مكي ، ولكنه مدني التلاوة ، وإنما قالت عائشة رضي الله تعالى عنها : آية التيمم ، ولم تقل : آية الوضوء ؛ لأن الوضوء كان مفروضا قبل ، غير أنه لم يكن قرآنا يتلى حتى نزلت آية التيمم ، وحكى عياض عن أبي الجهم أن الوضوء كان سنة حتى نزل فيه القرآن بالمدينة . ج٣ / ص١٨١104 - حدثنا علي بن عبد الله ، قال : حدثنا سفيان ، قال : حدثنا الزهري ، عن أبي سلمة ، عن عائشة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : كل شراب أسكر فهو حرام . مطابقة هذا الحديث للترجمة : بالجر الثقيل ، وكان موضعه كتاب الأشربة وجه ذلك أن الشراب إذا كان مسكرا يكون شربه حراما ، فكذلك لا يجوز التوضؤ به ، وقال الكرماني : لخروجه عن اسم الماء في اللغة ، والشريعة ، وكذلك النبيذ غير المسكر أيضا هو في معنى المسكر من جهة أنه لا يقع عليه اسم الماء ، ولو جاز أن يسمى النبيذ ماء ؛ لأن فيه ماء جاز أن يسمى الخل ماء ؛ لأن فيه ماء انتهى .

قلت : كون النبيذ الغير مسكر في معنى المسكر غير صحيح ؛ لأن النبيذ الذي لا يسكر إذا كان رقيقا ، وقد ألقيت فيه تميرات لتخرج حلاوتها إلى الماء ليس في معنى المسكر أصلا ، ولا يلزم أن يكون النبيذ الذي كان مع ابن مسعود في معنى النبيذ المسكر ، ولم يقل به أحد ، ولا يلزم من عدم جواز تسمية الخل ماء عدم جواز تسمية النبيذ الذي ذكره ابن مسعود ماء ، ألا ترى أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كيف قال : " تمرة طيبة وماء طهور " ، حين سأل ابن مسعود : ما في إدواتك ؟ قال : نبيذ ، وقد أطلق عليه الماء ، ووصفه بالطهورية ، فكيف ذهل الكرماني عن هذا حتى قال ما قاله ترويجا لما ذهب إليه ، والحق أحق أن يتبع . الإداوة بكسر الهمزة إناء صغير يتخذ من جلد للماء كالسطيحة ونحوها ، وجمعها أداوي ، ثم قال الكرماني وقال أبو عبيدة إمام اللغة : النبيذ لا يكون طاهرا ؛ لأن الله تعالى شرط الطهور بالماء والصعيد ، ولم يجعل لهما ثالثا ، والنبيذ ليس منهما ، قلت : الكلام مع أبي عبيدة لأنه إن أراد به مطلق النبيذ فغير مسلم ؛ لأن فيه مصادمة الحديث النبوي ، وإن أراد به النبيذ الخاص ، وهو الغليظ المسكر ، فنحن أيضا نقول بما قاله . ( بيان رجاله ) وهم خمسة : الأول علي بن عبد الله المدني ، وقد تقدم غير مرة ، الثاني : سفيان بن عيينة ، وقد تقدم غير مرة ، الثالث : محمد بن مسلم الزهري ، الرابع : أبو سلمة بفتح اللام عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف ، وقد تقدم في كتاب الوحي ، الخامس : عائشة الصديقة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها .

( بيان لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاث مواضع ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه أن رواته ما بين مديني ، ومدني ، ومكي ، وفيه رواية التابعي عن التابعي . ( بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري هاهنا عن علي ، عن سفيان ، وفي الأشربة عن عبد الله بن يوسف ، عن مالك ، وعن أبي اليمان ، عن شعيب ثلاثتهم ، عن الزهري به ، وأخرجه مسلم في الأشربة عن يحيى بن يحيى ، عن مالك به ، وعن يحيى بن يحيى ، وأبي بكر بن أبي شيبة ، وعمرو الناقد ، وزهير بن حرب ، وسعيد بن منصور خمستهم عن سفيان به ، وعن حرملة بن يحيى ، عن أبي وهب ، عن يونس ، وعن حسن الحلواني ، وعبد بن حميد كلاهما عن يعقوب ، وعن إسحاق بن إبراهيم ، وعبد بن حميد كلاهما عن عبد الرزاق ، عن معمر ، ثلاثتهم عن الزهري به ، وفي حديث معمر : " كل شراب مسكر حرام " ، وأخرجه أبو داود ، فيه عن القعنبي ، عن مالك به ، وعن يزيد بن عبد ربه ، وأخرجه الترمذي ، عن إسحاق بن موسى ، عن معن ، عن مالك به ، وعن يزيد بن عبد ربه ، وأخرجه الترمذي ، عن إسحاق بن موسى ، عن معن ، عن مالك به ، وأخرجه النسائي ، عن سويد بن نصر ، عن ابن المبارك ، وعن قتيبة بن سعيد كلاهما عن مالك به ، وعن ابن قتيبة ، عن سفيان به ، وعن علي بن ميمون ، عن بشر بن السري ، عن عبد الرزاق به ، وفيه وفي الوليمة عن سويد بن نصر ، عن عبد الله بن المبارك ، عن معمر به ، وأخرجه ابن ماجه في الأشربة ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن سفيان به . ( بيان معناه وحكمه ) قوله : " كل شراب " أي كل واحد من أفراد الشراب المسكر حرام ، وذلك ؛ لأن كلمة كل إذا أضيفت إلى النكرة تقتضي عموم الأفراد ، وإذا أضيفت إلى المعرفة تقتضي عموم الأجزاء ، وقال بعضهم : قوله : " كل شراب أسكر " أي كان من شأنه الإسكار سواء حصل بشربه الإسكار أم لا ، قلت : ليس معناه كذا ؛ لأن الشارع أخبر بحرمة الشراب عند اتصافه بالإسكار ، ولا يدل ذلك على أنه يحرم إذا كان يسكر في المستقبل ، ثم نقل عن الخطابي فقال : قال الخطابي : فيه دليل على أن قليل المسكر وكثيره حرام من أي نوع كان ، لأنها صيغة عموم أشير بها إلى جنس الشراب الذي يكون منه السكر ، فهو كما قال : كل طعام أشبع فهو حلال ، فإنه يكون دالا على حل كل طعام من شأنه الإشباع ، وإن لم يحصل الشبع به لبعض ، قلت : قوله : قليل المسكر وكثيره حرام من أي نوع كان لا يمشي في كل شراب ، إنما ذلك في الخمر ، لما روي عن ابن عباس ج٣ / ص١٨٢رضي الله تعالى عنهما موقوفا ، ومرفوعا : " إنما حرمت الخمرة بعينها ، والمسكر من كل شراب " ، فهذا يدل على أن الخمر حرام قليلها ، وكثيرها أسكرت أو لا ، وعلى أن غيرها من الأشربة إنما يحرم عند الإسكار ، وهذا ظاهر

فإن قلت : ورد عنه صلى الله عليه وسلم : " كل مسكر خمر ، وكل مسكر حرام " ، قلت : طعن فيه يحيى بن معين ، ولئن سلم فالأصح أنه موقوف على ابن عمر ، ولهذا رواه مسلم بالظن ، فقال : لا أعلمه إلا مرفوعا ، ولئن سلم فمعناه : كل ما أسكر كثيره فحكمه حكم الخمر
.

ورد في أحاديث20 حديثًا
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث