كتاب الغسل
حدثنا محمد بن يوسف ، قال : حدثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن كريب ، عن ابن عباس ، عن ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، قالت : توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وضوءه للصلاة غير رجليه ، وغسل فرجه ، وما أصابه من الأذى ، ثم أفاض عليه الماء ثم نحى رجليه فغسلهما هذه غسله من الجنابة . هذا الثاني من حديثي الترجمة . ذكر رجاله وهم سبعة : محمد بن يوسف البيكندي ، وسفيان الثوري ، وسليمان الأعمش بن مهران ، تقدموا مرارا ، وسالم بن أبي الجعد بفتح الجيم وسكون العين المهملة مر في باب التسمية .
والخامس كريب بضم الكاف تقدم في باب التخفيف في الوضوء ، والسادس عبد الله بن عباس ، والسابع ميمونه بنت الحارث زوج النبي صلى الله عليه وسلم وخالة ابن عباس . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في خمسة مواضع ، وفيه سفيان غير منسوب . قالت جماعة من الشراح وغيرهم : إنه سفيان الثوري .
وقال الكرماني : سفيان بن عيينة . وقال الحافظ المزي في كتابه ( الأطراف ) حديث في غسل النبي عليه الصلاة والسلام من الجنابة منهم من طوله ومنهم من اختصره ، ثم وضع صورة ( خ ) بالأحمر بمعنى أخرجه البخاري في الطهارة عن محمد بن يوسف . وعن عبدان عن عبد الله بن المبارك ، كلاهما عن سفيان الثوري ، وعن الحميدي ، عن سفيان بن عيينة .
فهذا دل على أن سفيان في رواية محمد بن يوسف الذي هاهنا هو الثوري . وأما ابن عيينة فروايته ، عن عبدان ، عن ابن المبارك ، ولم يميز الكرماني ذلك فخلط ، وأخرج البخاري هذا الحديث أيضا عن موسى ابن إسماعيل ومحمد بن محبوب ، كلاهما عن عبد الواحد ، وعن موسى ، عن أبي عوانة ، وعن عمر بن حفص بن غياث ، عن أبيه ، وعن يوسف بن عيسى ، عن الفضل بن موسى ، وعن عبدان ، عن أبي حمزة ، سبعتهم عن الأعمش عن سالم بن أبي الجعد ، عن كريب ، عن ابن عباس ، به . ومن لطائف هذا الإسناد أن فيه رواية التابعي عن التابعي عن التابعي على الولاء ، وفيه صحابيان .
( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) قد مر الآن أن البخاري أخرجه في مواضع عشرة أو نحوها ، وأخرجه مسلم في الطهارة أيضا عن محمد بن الصباح وإسحاق بن إبراهيم وأبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب وأبي سعيد الأشج ، خمستهم عن وكيع وعن يحيى بن يحيى وأبي كريب كلاهما عن أبي معاوية ، وعن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن عبد الله بن إدريس ، وعن علي بن حجر ، وعن عيسى بن يونس ، وعن إسحاق بن إبراهيم ، عن موسى القاري ، عن زائدة ، خمستهم عن الأعمش به ، وأخرجه أبو داود ، عن عبد الله بن داود ، عن الأعمش به . وأخرجه الترمذي عن هناد عن وكيع به ، وأخرجه النسائي فيه عن علي بن حجر به ، وعن يوسف بن عيسى به ، وعن محمد بن العلاء عن أبي معاوية به ، وعن محمد بن علي بن ميمون ، عن محمد بن يوسف به ، وعن إسحاق بن إبراهيم عن جرير ، وعن قتيبة عن عبيدة بن حميد ، كلاهما عن الأعمش به . وأخرجه ابن ماجه عن علي بن محمد ، وأبي بكر بن أبي شيبة ، كلاهما عن وكيع بقصة نفض الماء وترك التنشيف .
( ذكر بيان ما فيه ) لم يذكر في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قوله : غير رجليه فيه التصريح بتأخير الرجلين في وضوء الغسل ، وبه احتج أصحابنا على أن المغتسل إذا توضأ أو لا يؤخر رجليه ، لكن أكثر أصحابنا حملوه على أنهما إن كانتا في مجتمع الماء توضأ ويؤخرهما وإن لم تكونا فيه لا يؤخرهما ، وكل ما جاء من الروايات التي فيها تأخير الرجلين صريحا محمول على ما قلنا ، وهذا هو التوفيق بين الروايات التي في بعضها تأخير الرجلين صريحا لا مثل ما قاله بعضهم ، ويمكن الجمع بأن تحمل رواية عائشة على المجاز ، وأما على حالة أخرى قلت هذا خطأ ؛ لأن المجاز لا يصار إليه إلا عند الضرورة وما الداعي لها في رواية عائشة حتى يحمل كلامها على المجاز ، وما الصواب الذي يرجع إليه إلا ما قلنا . وقال الكرماني : غير رجليه ، فإن قلت : ما التوفيق بينه وبين رواية عائشة . قلت : زيادة الثقة مقبولة ، فيحمل المطلق على المقيد ، فرواية عائشة محمولة على أن المراد بوضوء الصلاة أكثره ، وهو ما سوى الرجلين .
قلت : قد ذكرنا الآن ما يرد ما ذكره ، ثم قال الكرماني : ويحتمل أن يقال إنهما كانا في وقتين مختلفين ، فلا منافاة بينهما قلت هذا في الحقيقة حاصل ما ذكرنا عن قريب عند قولنا لكن أكثر أصحابنا.. . إلخ . قوله : وغسل فرجه ، أي : ذكره ، فدل هذا على صحة إطلاق الفرج على الذكر .
قال الكرماني : فإن قلت : غسل الفرج مقدم على التوضؤ ، فلم أخره ؟ قلت : لا يجب التقديم إذ الواو ليس للترتيب ، أو أنه للحال ، انتهى . قلت : كيف يقول : لا يجب التقديم ، وهذا ليس بشيء ، وقوله : إذا الواو ليس للترتيب حجة عليه ؛ لأنهم يدعون أن الواو في الأصل للترتيب ، ولم يقل به أحد ممن يعتمد عليه ، وقوله : أو أنه للحال غير سديد ولا موجه ، لأنه كيف يتوضأ في حالة غسل فرجه ، وقال بعضهم : فيه تقديم وتأخير ؛ لأن غسل الفرج كان قبل الوضوء إذ الواو لا تقتضي الترتيب ، انتهى . قلت : هذا تعسف ، وهو أيضا حجة عليه مع أن ما ذكره خلاف الأصل ، والصواب أن الواو للجمع في أصل الوضع ، والمعنى أنه جمع بين الوضوء وغسل الفرج ، وهو وإن كان لا يقتضي تقديم أحدهما على الآخر على التعيين فقد بين ذلك فيما رواه البخاري من طريق ابن المبارك عن الثوري ، فذكر أولا غسل اليدين ، ثم غسل الفرج ، ثم مسح يده على الحائط ، ثم الوضوء غير رجليه ، وذكره بثم الدالة على الترتيب في جميع ذلك .
والأحاديث يفسر بعضها بعضا . قوله : وما أصابه من الأذى أي : المستقذر الطاهر . وقال بعضهم : قوله : وما أصابه من الأذى ليس بظاهر في النجاسة .
قلت : هذا مكابرة فيما قاله . قوله : هذا غسله هكذا في رواية الكشميهني ، وهي على الأصل ، وعند غيره : هذه غسله بالتأنيث فيكون إشارة إلى الأفعال المذكورة ، أي : الأفعال المذكور صفة غسله صلى الله عليه وسلم بضم الغين . ( ومما لم يذكر في حديث عائشة ) وذكر في حديث ميمونة رضي الله تعالى عنها من الزيادة تأخير الرجلين إلى الفراغ من الاغتسال ، وقد ذكرناه عن قريب ، وفيه التعرض لغسل الفرج ، وفيه غسل ما أصابه من الأذى ومما ذكره البخاري من حديث ميمونة على ما يأتي ، ثم ضرب بشماله الأرض فدلكها دلكا شديدا ثم توضأ وضوءه للصلاة ثم أفرغ على رأسه ثلاث حفنات ملء كفه .
وفي آخره : ثم أتى بالمنديل فرده . وفي رواية : وجعل يقول بالماء هكذا ينقضه . وفي لفظ : ثم غسل فرجه ، ثم مال بيده إلى الأرض فمسحها بالتراب ، ثم غسلها .
وفي لفظ : وضعت له غسلا فسترته بثوب . وفي لفظ : فأكفا بيمينه على شماله مرتين أو ثلاثا . وفي لفظ : : ثم أفرغ بيمينه على شماله فغسل مذاكيره .
وفيه : ثم غسل رأسه ثلاثا ، وفي لفظ : فلما فرغ من غسل غسل رجليه ، وفي لفظ : فغسل كفيه مرتين أو ثلاثا . وعند مسلم : فغسل فرجه وما أصابه ثم مسح يده بالحائط أو الأرض ، وفي ( صحيح ) الإسماعيلي : مسح يده بالجدار ، وحين قضى غسله غسل رجليه ، وفي لفظ : فلما فرغ من غسل فرجه ذلك يده بالحائط ثم غسلها ، فلما فرغ من غسلها غسل قدميه . قال الإسماعيلي : وقد بين زائدة أن قوله : من الجنابة ليس من قول ميمونة ولا ابن عباس ، إنما هو عن سالم .
وعند ابن خزيمة : ثم أفرغ على رأسه ثلاث حفنات ملء كفيه ، فأتى بمنديل فأبى أن يقبله . وعند أبي علي الطوسي في كتاب ( الأحكام ) مصححا : فأتيته بثوب فقال بيده هكذا . وعند الدارقطني : ثم غسل سائر جسده قبل كفيه .
وعند أبي محمد الدارمي : فأعطيته ملحفة فأبى . قال أبو محمد : هذا أحب إلي من حديث عائشة . وعند ابن ماجه : فأكفا الإناء بشماله على يمينه فغسل كفيه ثلاثا ثم أفاض على فرجه ، ثم دلك يده بالأرض ، ثم تمضمض واستنشق وغسل وجهه ثلاثا وذراعيه ثلاثا ، ثم أفاض على سائر جسده ، ثم تنحى فغسل رجليه .
وفي هذه الروايات استحباب الإفراغ باليمين على الشمال للمغترف من الماء . وفيها مشروعية المضمضة والاستنشاق في غسل الجنابة ، وقال بعضهم : وتمسك الحنفية للقول بوجوبهما ، وتعقب بأن الفعل المجرد لا يدل على الوجوب إلا إذا كان بيانا لمجمل تعلق به الوجوب ، وليس الأمر هنا كذلك . قلت : ليس الأمر هنا كذلك ؛ لأنهم أنما أوجبوهما في الغسل بالنص لقوله تعالى : وإن كنتم جنبا فاطهروا ، أي : طهروا أبدانكم ، وهذا يشمل الأنف والفم ، وقد حققناه فيما مضى ، وفيها استحباب مسح اليد بالتراب في الحائط أو في الأرض ، وقال بعضهم : وأبعد من استدل به على نجاسة المني أو على نجاسة رطوبة الفرج .
قلت : هذا القائل هو الذي أبعده ؛ لأن من استدل بنجاسة المني أو على نجاسة رطوبة الفرج ما اكتفى بهذا في احتجاجه ، وقد ذكرناه فيما مضى مستقصى ، وفيها استحباب التستر في الغسل ولو كان في البيت ، وفيها جواز الاستعانة بإحضار ماء الغسل أو الوضوء ، وفيها خدمة الزوجات للأزواج ، وفيها الصب باليمين على الشمال ، وفيها كراهة التنشيف بالمنديل ونحوه . وقال النووي : اختلف أصحابنا فيه على خمسة أوجه ، أشهرها أن المستحب تركه ، وقيل : مكروه ، وقيل : مباح ، وقيل : مستحب ، وقيل : مكروه في الصيف مباح في الشتاء ، ويقال : لا حجة في الحديث لكراهة التنشيف لاحتمال أن إباءه صلى الله عليه وسلم : من أخذ ما يتنشف به لأمر آخر يتعلق بالخرقة أو لكونه كان مستعجلا أو غير ذلك ، وقال المهلب : يحتمل تركه الثوبة لإبقاء تركه بلل الماء أو للتواضع أو لشيء رآه في الثوب من حرير أو وسخ ، وقد وقع عند أحمد والإسماعيلي من رواية أبي عوانة في هذا الحديث عن الأعمش ، قال : فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي ، فقال : لا بأس بالمنديل ، وإنما رده مخافة أن يصير عادة ، وقال التيمي في شرحه لهذا الحديث : فيه دليل على أنه كان يتنشف ، ولولا ذلك لم يأته بالمنديل ، وقال ابن دقيق العيد : نفضه الماء بيده يدل على أن لا كراهة في التنشيف ؛ لأن كلا منهما إزالة . قلت : ليس فيه دليل على ذلك ؛ لأن التنشيف من عادة المتكبرين ، ورده صلى الله عليه وسلم الثوب لأجل التواضع مخالفة لهم .
وقد ورد أحاديث في هذا الباب منها حديث أم هانئ عند الشيخين : قام رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى غسله ، فسترت عليه فاطمة ، ثم أخذ ثوبه فالتحف به . هذا ظاهر في التنشيف ، ومنها حديث قيس بن سعد رواه أبو داود : أتانا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فوضعنا له ماء فاغتسل ، ثم أتيناه بملحفة ورسية فاشتمل بها ، فكأني أنظر إلى أثر الورس عليه . وصححه ابن حزم ، ومنها حديث الوضين بن عطار ، رواه ابن ماجه عن محفوظ بن علقمة عن سلمان ، أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ توضأ فقلب جبة صوف كانت عليه فمسح بها وجهه .
وهذا ضعيف عند جماعة ، ومنها حديث عائشة : كانت للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرقة يتنشف بها بعد الوضوء ، رواه الترمذي وضعفه ، وصححه الحاكم . ومنها حديث معاذ رضي الله تعالى عنه : كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا توضأ مسح وجهه بطرف ثوبه . رواه الترمذي وضعفه .
ومنها حديث أبي بكر : كانت للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرقة يتنشف بها بعد الوضوء . رواه البيهقي ، وقال : إسناده غير قوي . ومنها حديث أنس مثله وأعله .
ومنها حديث أبي مريم إياس بن جعفر عن فلان رجل من الصحابة ، أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان له منديل أو خرقة يمسح بها وجهه إذا توضأ . رواه النسائي في ( الكنى ) بسند صحيح ، ومنها حديث منيب ابن مدرك المكي الأزدي قال : رأيت جارية تحمل وضوأ ومنديلا فأخذ صلى الله عليه وسلم الماء فتوضأ ومسح بالمنديل وجهه . أسنده الإمام مغلطاي في شرحه .
وقال ابن المنذر : أخذ المنديل بعد الوضوء عثمان والحسن بن علي وأنس وبشير بن أبي مسعود ، ورخص فيه الحسن وابن سيرين وعلقمة والأسود ومسروق والضحاك ، وكان مالك والثوري وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي لا يرون به بأسا ، وكره عبد الرحمن بن أبي ليلى والنخعي وابن المسيب ومجاهد وأبو العالية . وقال بعضهم : استدل به على طهارة الماء المتقاطر من أعضاء المتطهر خلافا لمن غلا من الحنفية ، فقال بنجاستة . قلت : هذا القائل هو الذي أتى بالغلو حيث لم يدرك حقيقة مذهب الحنفية ؛ لأن الذي عليه الفتوى في مذهبهم أن الماء المستعمل طاهر حتى يجوز شربه واستعماله في الطبيخ والعجين ، والذي ذهب إلى نجاسته لم يقل بأنه نجس في حالة التقاطر ، وإنما يكون ذلك إذا سال من أعضاء المتطهر واجتمع في مكان .