حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

كتاب الغسل

حدثنا عبد الله بن يوسف ، قال : أخبرنا مالك ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه ، ثم توضأ كما يتوضأ للصلاة ، ثم يدخل أصابعه في الماء ، فيخلل بها أصول شعره ، ثم يصب على رأسه ثلاث غرف بيديه ، ثم يفيض الماء على جلده كله . مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة ( ذكر رجاله ولطائف إسناده ) فرجاله خمسة كلهم قد ذكروا في كتاب الوحي ، وعبد الله هو التنيسي ، وأبو هشام هو عروة بن الزبير بن العوام رضي الله تعالى عنهم ، وفيه التحديث بصيغة الجمع في موضع ، والإخبار كذلك في موضع واحد ، وفيه العنعنة في ثلاث مواضع ، وفيه التنيسي والكوفي . والحديث أخرجه النسائي أيضا مثله في الطهارة ، وأخرجه مسلم من حديث أبي معاوية ، عن هشام ، فذكره ، وفي آخره : ثم غسل رجليه ، قال : ورواه جماعة عن هشام ، وليس في حديثهم غسل الرجلين ، وعند مسلم فيفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه ، وعند ابن خزيمة : يصب من الإناء على يده اليمنى فيفرغ عليها فيغسلها ثم يصب على شماله فيغسل فرجه ويتوضأ وضوءه للصلاة ، ونحن نحثو على رأسنا ثلاث حثيات أو قالت : ثلاث غرفات ، وفي الموطأ : وسئلت عن غسل المرأة فقالت : لتحفن على رأسها ثلاث حفنات ، ولتضغث رأسها بيدها ، يعني تضمه ، وتجمعه ، وتغمزه بيدها لتدخله الماء ، وعند البزار : كان يخلل رأسه مرتين في غسل الجنابة ، وعند أبي داود من حديث رجل ممن سأله عنها : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغسل رأسه بالخطمي ، وهو جنب يجتزئ بذلك ولا يصب عليه الماء ، وفي لفظ : حتى إذا رأى أنه قد أصاب البشرة أو أنقى البشرة أفرغ على رأسه ثلاثا ، وإذا فضلت فضلة صبها عليه ، وعند الطوسي مصححا : ثم يشرب شعره الماء ، ثم يحثي على رأسه ثلاث حثيات ، وفي لفظ : ثم غسل مرافقه وأفاض عليه الماء ، فإذا أنقاهما أهوى إلى حائط ثم يستقبل الوضوء ، ثم يفيض الماء على رأسه ، وفي لفظ : إن شئتم لأرينكم أثر يده في الحائط حيث كان يغتسل من الجنابة ، وعند ابن ماجه : كان يفيض على كفيه ثلاث مرات ، ثم يدخلها الإناء ، ثم يغسل رأسه ثلاث مرات ، وأما نحن فنغسل رؤوسنا خمس مرار من أجل الضفر .

( ذكر لغاته وإعرابه ومعانيه ) ، قوله : كان إذا اغتسل أي كان إذا أراد أن يغتسل ، وكلمة من في قوله : من الجنابة سببية ، يعني لأجل الجنابة ، فإن قلت : لم ذكر في ثلاث مواضع بلفظ الماضي ، وهي قوله : بدأ و فغسل و ثم توضأ وذكر البواقي بلفظ المضارع وهي قوله : يدخل و فيخلل و يصب ويفيض ، قلت : النكتة فيه أن إذا إذا كانت شرطية فالماضي بمعنى المستقبل ، والكل مستقبل معنى ، وأما الاختلاف في اللفظ فللإشعار بالفرق بما هو خارج من الغسل ، وما ليس كذلك ، وإن كانت ظرفية ، فما جاء ماضيا فهو على أصله ، وعدل عن الأصل إلى المضارع لاستحضار صورته للسامعين ، قوله : بدأ فغسل يديه هذا الغسل يحتمل وجهين : الأول : أن يكون لأجل التنظيف مما به يكره ، الثاني : أن يكون هو الغسل المشروع عند القيام من النوم ، ويشهد له ما في رواية ابن عيينة في هذا الحديث عن هشام : قبل أن يدخلهما في الإناء ، قوله : كما يتوضأ للصلاة احترز به عن الوضوء اللغوي الذي هو غسل اليدين فقط ، فإن قلت : روى الحسن عن أبي حنيفة أنه لا يمسح رأسه في هذا الوضوء ، وهو خلاف ما في الحديث ، قلت : الصحيح في المذهب أنه يمسحها ، نص عليه في المبسوط ، لأنه أتم للغسل ، قوله : فيخلل بها أي بأصابعه التي أدخلها في الماء ، قوله : أصول الشعر وفي رواية الكشميهني : أصول شعره ، أي شعر رأسه ، وتدل عليه رواية حماد بن سلمة ، عن هشام يخلل بها شق رأسه الأيمن فيتبع بها أصول الشعر ، ثم يفعل بشق رأسه الأيسر ، كذلك رواه البيهقي ، قوله : ثلاث غرف بضم الغين المعجمة جمع غرفة بالضم أيضا ، وهي قدر ما يغرف من الماء بالكف ، وفي بعض النسخ غرفات والأول رواية الكشميهني ، وهذا هو الأصح ؛ لأن مميز الثلاثة ينبغي أن يكون من جموع القلة ، ولكن وجه ذكر الغرف أن جمع الكثرة يقوم مقام جمع القلة ، وبالعكس ، وعند الكوفيين فعل بضم الفاء ، وكسرها من باب جموع القلة ، لقوله تعالى : فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ وقوله تعالى : ثَمَانِيَ حِجَجٍ قوله : ثم يفيض أي يسيل من الإفاضة ، وهي الإسالة ، قوله : على جلده كله هذا التأكيد بلفظ الكل يدل على أنه عمم جميع جسده بالغسل . ( بيان استنباط الأحكام ) منها أن قوله : كان صلى الله عليه وسلم يدل على الملازمة والتكرار ، فدل ذلك على استحباب غسل يديه قبل الشروع في الوضوء ، والغسل ، إلا إذا كان عليها شيء مما يجب إزالته ، فحينئذ يكون واجبا ، ومنها أن تقديم الوضوء قبل الغسل سنة ، وقد ذكرنا الخلاف فيه عن قريب ، ومنها أن ظاهر قوله صلى الله عليه وسلم : كما يتوضأ للصلاة يدل على أنه لا يؤخر غسل رجليه ، وهو الأصح من قول الشافعي ، والقول الثاني : أنه يؤخر عملا بظاهر حديث ميمونة رضي الله تعالى عنها كما يأتي إن شاء الله تعالى ، وله قول ثالث : إن كان الموضع نظيفا فلا يؤخر ، وإن كان وسخا أو الماء قليلا أخر جمعا بين الأحاديث ، وعند أصحابنا : إن كان في مستنقع الماء يؤخر ، وإلا فلا ، وهو مذهب مالك أيضا ، ومنها التخليل في شعر الرأس واللحية لظاهر قوله : فيخلل أصول الشعر ، وهو واجب عند أصحابنا هنا ، وسنة في الوضوء ، وعند الشافعية واجب في قول ، وسنة في قول ، وقيل : واجب في الرأس وفي اللحية قولان للمالكية ، فروى ابن القاسم عدم الوجوب ، وروى أشهب الوجوب ، ونقل ابن بطال في باب تخليل الشعر الإجماع على تخليل شعر الرأس ، وقاسوا اللحية عليها ، ومنها أنه يصب على رأسه ثلاث غرف بيديه كما هو في الحديث ، وعن الشافعية استحباب ذلك في الرأس وباقي الجسد مثله ، وقال الماوردي ، والقرطبي من المالكية : لا يستحب التثليث في الغسل ، وقال القرطبي : لا يفهم من هذه الثلاث أنه غسل رأسه ثلاث مرات ؛ لأن التكرار في الغسل غير مشروع لما في ذلك من المشقة ، وإنما كان ذلك العدد لأنه بدأ بجانب رأسه الأيمن ، ثم الأيسر ، ثم على وسط رأسه كما جاء في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها ، قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل من الجنابة دعا بشيء نحو الحلاب ، فأخذ بكفه ، فبدأ بشق رأسه الأيمن ، ثم الأيسر ، ثم أخذ بكفيه ، فقال بهما على رأسه رواه البخاري ، وأبو داود على ما يجيء ، ومنها أن قولها ثم يفيض الماء على جلده كله لا يفهم منه الدلك ، وهو مستحب عندنا ، وعند الشافعي ، وعند أحمد ، وبعض المالكية ، وخالف مالك والمزني فذهبا إلى وجوبه بالقياس على الوضوء ، وقال ابن بطال : وهذا لازم ، قلت : ليس بلازم ، إذ لا نسلم وجوب الدلك في الوضوء ، ومنها جواز إدخال الأصابع في الماء .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث