حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب فضل من بات على الوضوء

( باب فضل من بات على الوضوء )

109 - حدثنا محمد بن مقاتل ، قال : أخبرنا عبد الله ، قال : أخبرنا سفيان ، عن منصور ، عن سعد بن عبيدة ، عن البراء بن عازب ، قال : قال لي النبي صلى الله عليه وسلم : إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ، ثم اضطجع على شقك الأيمن ، ثم قل : اللهم أسلمت وجهي إليك وفوضت أمري إليك ، وألجأت ظهري إليك ، رغبة ورهبة إليك ، لا ملجأ ، ولا منجا منك إلا إليك ، اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت ، وبنبيك الذي أرسلت ، فإن مت من ليلتك فأنت على الفطرة ، واجعلهن آخر ما تكلم به ، قال : فرددتها على النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما بلغت اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت ، قلت : ورسولك ، قال : لا ، ونبيك الذي أرسلت .

مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة . ( بيان رجاله ) وهم ستة ، الأول : محمد بن مقاتل بضم الميم أبو الحسن المروزي ، تقدم في باب ما يذكر في المناولة ، الثاني : عبد الله بن المبارك ، الثالث : سفيان الثوري ، وقيل : يحتمل سفيان بن عيينة أيضا ؛ لأن عبد الله يروي عنهما ، وهما يرويان عن منصور ، لكن الظاهر أنه الثوري لأنهم قالوا : أثبت الناس في منصور هو سفيان الثوري ، الرابع : منصور بن المعتمر ، الخامس : سعيد بن عبيدة بضم العين مصغر ، عبدة بن حمزة بالزاي الكوفي ، كان يرى رأي الخوارج ، ثم تركه ، وهو ختن أبي عبد الرحمن السلمي ، مات في ولاية ابن هبيرة على الكوفة ، وليس في الكتب الستة سعد بن عبيدة سواه ، السادس : البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه ، مر في باب الصلاة من الإيمان . ج٣ / ص١٨٨( بيان لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد ، والتحديث بصيغة الإخبار بصورة الجمع في موضعين ، والعنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه أن رواته ما بين مروزي وكوفي ، وخالف إبراهيم بن طهمان أصحاب منصور ، فأدخل بين منصور ، وسعد الحكم بن عتيبة ، وانفرد الفريابي بإدخال الأعمش بين الثوري ومنصور .

( بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري هاهنا عن محمد بن مقاتل ، وأخرجه في الدعوات عن مسدد ، وأخرجه مسلم في الدعاء عن عثمان بن أبي شيبة ، وإسحاق بن إبراهيم ، وعن ابن المثنى ، وعن بندار ، وأخرجه أبو داود في الأدب عن مسدد ، وعن محمد بن عبد الملك ، وأخرجه الترمذي في الدعوات عن سفيان بن وكيع ، وأخرجه النسائي في اليوم والليلة عن بندار ، وعن محمد بن عبد الأعلى ، وعن محمد بن رافع ، وعن عمرو بن علي ، وعن قتيبة ، وعن محمد بن إسحاق الصغاني . ( بيان لغاته ) قوله : " إذا أتيت مضجعك " بفتح الجيم من ضجع يضجع من باب منع يمنع ، ويروى " مضجعك " أصله مضتجعك من باب الافتعال ، لكن قلبت التاء طاء ، والمعنى : إذا أردت أن تأتي مضجعك ، فتوضأ كما في قوله تعالى : فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ أي إذا أردت القراءة ، قوله : " وجهت وجهي إليك " أي استسلمت كذا فسروه ، وليس بوجه ، والأوجه أن يفسر : أسلمت ذاتي إليك منقادة لك طائعة لحكمك ؛ لأن المراد من الوجه الذات ، قوله : " وفوضت " من التفويض وهو التسليم ، قوله : " وألجأت ظهري إليك " أي أسندت ، يقال : لجأت إليه لجأ بالتحريك ، وملجأ ، والتجأت إليه بمعنى ، والموضع أيضا لجأ ، وملجأ ، وألجأته إلى الشيء اضطررته إليه ، والمعنى هنا : توكلت عليك ، واعتمدتك في أمري كما يعتمد الإنسان بظهره إلى ما يسنده ، قوله : " رغبة " أي طمعا في ثوابك ، قوله : " ورهبة " أي خوفا من عقابك ، قوله : " لا ملجأ " بالهمزة ، ويجوز التخفيف ، قوله : " ولا منجا " مقصور من نجى ينجو ، والمنجا مفعل منه ، ويجوز همزه للازدواج ، قوله : " على الفطرة " أي على دين الإسلام ، وقد تكون الفطرة بمعنى الخلقة ، كقوله تعالى : فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا وبمعنى السنة كقوله صلى الله عليه وسلم : " خمس من الفطرة " ، وقال الطيبي : أي مت على الدين القويم ملة إبراهيم عليه السلام ، فإن إبراهيم عليه السلام أسلم واستسلم ، وقال : أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ، ( وجاء ربه بقلب سليم ) . ( ذكر معانيه ) قوله : " فتوضأ " وقد روى الشيخان هذا الحديث من طرق عن البراء بن عازب ، وليس فيها ذكر الوضوء إلا في هذه الرواية ، وكذا قال الترمذي ، قوله : " أسلمت وجهي إليك " وجاء في رواية أخرى " أسلمت نفسي إليك " ، والوجه والنفس هاهنا بمعنى الذات ، وقال ابن الجوزي : يحتمل أن يراد به الوجه حقيقة ، ويحتمل أن يراد به القصد ، فكأنه يقول : قصدتك في طلب سلامتي ، وقال القرطبي : قيل إن معنى الوجه القصد ، والعمل الصالح ، وكذلك جاء في رواية : " أسلمت نفسي إليك ووجهت وجهي إليك " فجمع بينهما ، فدل على تغايرهما ، ومعنى : أسلمت سلمت ، واستسلمت ، أي سلمتها لك إذ لا قدرة لي ولا تدبير بجلب نفع ، ولا دفع ضر ، فأمرها مفوض إليك ، تفعل بها ما تريد ، واستسلمت لما تفعل ، فلا اعتراض عليك فيه ، قوله : " وفوضت أمري إليك " أي رددت أمري إليك ، وبرئت من الحول والقوة إلا بك ، فاكفني همه ، وتولني صلاحه ، وقال الطيبي رحمه الله : في هذا النظم غرائب وعجائب لا يعرفها إلا النقاد من أهل البيان ، قوله : " أسلمت نفسي " إشارة إلى أن جوارحه منقادة لله تعالى في أوامره ونواهيه ، وقوله : " وجهت وجهي " أي إن ذاته وحقيقته له مخلصة بريئة من النفاق ، وقوله : " وفوضت أمري إليك " إشارة إلى أن أموره الخارجة والداخلة مفوضة إليه ، لا مدبر لها غيره ، وقوله : " ألجأت ظهري إليك " بعد قوله : " وفوضت أمري " إشارة إلى أن تفويضه أموره التي يفتقر إليها وبها معاشه ، وعليها مدار أمره يلتجئ إليه مما يضره ويؤذيه من الأسباب الداخلة والخارجة ، قوله : " آخر ما تكلم " بحذف إحدى التائين ، وفي رواية الكشميهني : " من آخر ما يتكلم " ، قوله : " فرددتها " أي رددت هذه الكلمات لأحفظهن ، قوله : " قال لا " أي لا تقل : ورسولك ، بل قل : ونبيك الذي أرسلت ، وذكروا في هذا أوجها ، منها أنه أمره أن يجمع بين صفتيه ، وهما الرسول والنبي صريحا ، وإن كان وصف الرسالة يستلزم وصف النبوة ، ومنها أن ألفاظ الأذكار توقيفية في تعيين اللفظ ، وتقدير الثواب ، فربما كان في اللفظ زيادة تبيين ليس في ج٣ / ص١٨٩الآخر ، وإن كان يرادفه في الظاهر ، ومنها أنه لعله أوحي إليه بهذا اللفظ فرأى أن يقف عنده ، ومنها أن ذكره احترازا عمن أرسل من غير نبوة كجبريل ، وغيره من الملائكة عليهم السلام ، لأنهم رسل الأنبياء ، ومنها أنه يحتمل أن يكون رده دفعا للتكرار لأنه قال في الأول : " ونبيك الذي أرسلت " ، ومنها أن النبي فعيل بمعنى فاعل من النبأ ، وهو الخبر ، لأنه أنبأ عن الله تعالى ، أي : أخبر ، وقيل : إنه مشتق من النبوة ، وهو الشيء المرتفع ، ورد النبي صلى الله عليه وسلم على البراء حين قال : " ونبيك الذي أرسلت " بما رد عليه ليختلف اللفظان ، ويجمع البنائين معنى الارتفاع والإرسال ، ويكون تعديدا للنعمة في الحالتين وتعظيما للمنة على الوجهين ، وقال بعضهم : ولأن لفظ النبي أمدح من لفظ الرسول ، قلت : هذا غير موجه ؛ لأن لفظ النبي كيف يكون أمدح وهو لا يستلزم الرسالة ، بل لفظ الرسول أمدح لأنه يستلزم النبوة .

( بيان إعرابه ) قوله : " فتوضأ " الفاء فيه جواب ، قوله : " رغبة ورهبة " منصوبان على المفعول له على طريقة اللف والنشر أي : فوضت أموري إليك رغبة ، وألجأت ظهري عن المكاره والشدائد إليك رهبة منك ، لأنه لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك ، ويجوز أن يكون انتصابهما على الحال بمعنى راغبا وراهبا ، فإن قلت : كيف يتصور أن يكون راغبا وراهبا في حالة واحدة لأنهما شيئان متنافيان ؟ قلت : فيه حذف تقديره : راغبا إليك وراهبا منك ، فإن قلت : إذا كان التقدير : راهبا منك ، كيف استعمل بكلمة " إلى " والرهبة لا تستعمل إلا بكلمة " من " ؟ قلت : " إليك " متعلق برغبة ، وأعطى للرهبة حكمها ، والعرب تفعل ذلك كثيرا كقول بعضهم :

ورأيت بعلك في الوغى متقلدا سيفا ورمحا
والرمح لا يتقلد ، وكقول الآخر :
علفتها تبنا وماء باردا
والماء لا يعلف ، قوله : " لا ملجأ ولا منجا " إعرابهما مثل إعراب عصى ، وفي هذا التركيب خمسة أوجه لأنه مثل : لا حول ولا قوة إلا بالله ، والفرق بين نصبه وفتحه بالتنوين ، وعند التنوين تسقط الألف ، ثم إنهما إن كانا مصدرين يتنازعان في " منك " ، وإن كانا مكانين فلا إذ اسم المكان لا يعمل ، وتقديره : لا ملجأ منك إلى أحد إلا إليك ، ولا منجا إلا إليك ، قوله : " آمنت بكتابك " أي : صدقت أنه كتابك ، وقوله : " الذي أنزلت " صفته ، وضمير المفعول محذوف ، والمراد بالكتاب القرآن ، وإنما خصص الكتاب بالصفة لتناوله جميع الكتب المنزلة ، فإن قيل : أين العموم هاهنا حتى يجيء التخصيص ؟ قلت : المفرد المضاف يفيد العموم ؛ لأن المعرف بالإضافة كالمعرف باللام يحتمل الجنس والاستغراق والعهد ، فلفظ الكتاب المضاف هاهنا يحتمل لجميع الكتب ، ولجنس الكتب ، ولبعضها كالقرآن ، قالوا : وجميع المعارف كذلك ، وقد قال الزمخشري رحمه الله تعالى في قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ في أول البقرة : يجوز أن يكون للعهد ، وأن يراد بهم ناس بأعيانهم كأبي جهل ، وأبي لهب ، والوليد بن المغيرة ، وأضرابهم ، وأن يكون للجنس متناولا منهم كل من صمم على كفره ، انتهى . قلت : التحقيق أن الجمع المعرف تعريف الجنس ، معناه : جماعة الآحاد ، وهي أعم من أن يكون جميع الآحاد أو بعضها ، فهو إذا أطلق احتمل العموم ، والاستغراق ، واحتمل الخصوص ، والحمل على واحد منهما يتوقف على القرينة كما في المشترك ، هذا ما ذهب إليه الزمخشري ، وصاحب المفتاح ، ومن تبعهما ، وهو خلاف ما ذهب إليه أئمة الأصول . ( بيان استنباط الأحكام ) منها ما قاله الخطابي : فيه حجة لمن منع رواية الحديث بالمعنى ، وهو قول ابن سيرين وغيره ، وكان يذهب هذا المذهب أبو العباس النحوي ، ويقول : ما من لفظة من الألفاظ المتناظرة في كلامهم إلا وبينها وبين صاحبتها فرق ، وإن دق ولطف ، كقوله : بلى ، ونعم ، قلت : هذا الباب فيه خلاف بين المحدثين ، وقد عرف في موضعه ، ولكن لا حجة في هذا للمانعين لأنه يحتمل الأوجه التي ذكرناها بخلاف غيره ، ومنها ما قاله ابن بطال فيه : أن الوضوء عند النوم مندوب إليه مرغوب فيه ، وكذلك الدعاء لأنه قد تقبض روحه في نومه ، فيكون قد ختم عمله بالوضوء والدعاء الذي هو من أفضل الأعمال ، ثم إن هذا الوضوء مستحب ، وإن كان متوضئا كفاه ذلك الوضوء ؛ لأن المقصود النوم على طهارة مخافة أن يموت في ليلته ، ويكون أصدق لرؤياه ، وأبعد من تلعب الشيطان به في منامه .

ج٣ / ص١٩٠ومنها النوم على الشق الأيمن ؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يحب التيامن ، ولأنه أسرع إلى الانتباه ، وقال الكرماني : وأقول : وإلى انحدار الطعام كما هو مذكور في الكتب الطبية ، قلت : الذي ذكره الأطباء خلاف هذا ، فإنهم قالوا : النوم على الأيسر روح للبدن ، وأقرب إلى انهضام الطعام ، ولكن اتباع السنة أحق وأولى ، ومنها ذكر الله تعالى لتكون خاتمة عمله ذلك اللهم اختم لنا بالخير .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث