باب من أفاض على رأسه ثلاثا
حدثنا أبو نعيم ، قال : حدثنا معمر بن يحيى بن سام ، قال : حدثني أبو جعفر ، قال : قال لي جابر وأتاني ابن عمك يعرض بالحسن بن محمد بن الحنفية ، قال : كيف الغسل من الجنابة ؟ فقلت : كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يأخذ ثلاثة أكف ويفيضها على رأسه ، ثم يفيض على سائر جسده ، فقال لي الحسن : إني رجل كثير الشعر ، فقلت : كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكثر منك شعرا . ظهور مطابقة هذا أيضا للترجمة واضح . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة : الأول : أبو نعيم الفضل بن دكين .
الثاني : معمر بفتح الميم ، وسكون العين المهملة في أكثر الروايات ، وبه جزم الحافظ المزي ، وفي رواية القابسي بضم الميم الأولى وتشديد الميم الثانية على وزن محمد ، وبه جزم الحاكم ، وليس له في البخاري إلا هذا الحديث ، وقد ينسب إلى جده سام ، فيقال : معمر ابن سام ، وهو بالسين المهملة وتخفيف الميم . الثالث : أبو جعفر محمد بن علي الباقر . الرابع : جابر بن عبد الله الصحابي .
الخامس : الحسن بن محمد بن علي . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وبصيغة الإفراد في موضع واحد . وفيه : القول من اثنين في موضعين .
وفيه : أن رواته ما بين بصري وكوفي ومدني . ( ذكر معانيه وإعرابه ) . قوله : ابن عمك ، فيه مسامحة إذ الحسن هو ابن عم أبيه لا ابن عمه .
قوله : يعرض بالحسن ، جملة وقعت حالا من جابر والتعريض خلاف التصريح من حيث اللغة ومن حيث الاصطلاح هو عبارة عن كناية مسوقة لأجل موصوف غير مذكور ، وقال الزمخشري : التعريض أن تذكر شيئا تدل به على شيء لم تذكره وهاهنا سؤال الحسن بن محمد ، عن جابر بن عبد الله ، عن كيفية الغسل من الجنابة ، وفي الحديث المذكور قبل هذا الباب السؤال عن الغسل وقع عن جماعة بغير لفظة كيف ، ووقع جوابه هناك بقوله : يكفيك صاع ، وهاهنا جوابه بقوله : كان النبي صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يأخذ ثلاثة أكف.. . الخ ، والسؤال في موضعين عن الكيفية غير أنه لم يذكر لفظ كيف هناك اختصارا ، والجواب في الموضعين بالكمية ؛ لأن هناك قال : يكفيك صاع . وهاهنا قال : ثلاثة أكف ، وكل منهما كم ، وقول بعضهم السؤال في الأول عن الكمية أشعر بذلك .
قوله في الجواب : يكفيك صاع ليس كذلك ؛ لأنه اغتر بظاهر قوله هاهنا : كيف الغسل ؟ وقد ذكرنا أن لفظة كيف هناك مطوية ؛ لأن السؤال في موضعين عن حالة الغسل وصفته بلفظ كيف . لأنها تدل على الحالة ( فإن قلت : ) كيف تقول السؤال في موضعين عن حالة الغسل ، والجواب بالكمية ( قلت : ) الحالة هي الكيفية ، وللغسل حقيقة وحالة ، فحقيقته إسالة الماء على سائر البدن ، وحالته استعمال ماء نحو صاع أو ثلاث أكف منه ، ولم يكن السؤال عن حقيقة الغسل ، وإنما كان عن حاله فوقع الجواب بالكم في الموضعين ؛ لأن كيف وكم من العوارض المنحصرة في المقولات التسع فطابق الجواب السؤال ، والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما بعث لبيان الحقائق ، وإنما بعث لبيان الأحكام ، والأحكام من عوارض الحقائق . قوله : ثلاثة أكف هي رواية كريمة بالتاء ، وفي رواية غيرها : ثلاث أكف بغير التاء .
قال الكرماني : فإن قلت : الكف مؤنثة فلم دخل التاء في الثلاثة . ( قلت : ) المراد من الكف قدر الكف وما فيها فباعتباره دخلت أو باعتبار العضو . ( قلت : ) في الجواب الأول نظر والثاني لا بأس به ، والأحسن أن يقول : الكف يذكر ويؤنث ، فيجوز دخول التاء وتركه على الاعتبارين ، والمراد أنه يأخذ في كل مرة كفين ؛ لأن الكف اسم جنس ، فيجوز حمله على الاثنين والدليل عليه رواية إسحاق بن راهويه من طريق حسن بن صالح ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، قال في آخر الحديث ( وبسط يديه ) ويؤيده حديث جبير بن مطعم الذي في أول الباب .
قوله : فيفيضها على رأسه ، وفي بعض النسخ بدون على . قوله : ثم يفيض ، أي : الماء ( فإن قلت : ) لم لا يكون مفعوله المحذوف ثلاثة أكف بقرينة عطفه عليه ؟ ( قلت ) : لأن الثلاثة الأكف لا يكفي لسائر جسده عادة . قوله : كثير الشعر ، أي : لا يكفي هذا القدر من الماء ، فقال : كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكثر شعرا منك ، وقد كفاه ، ومما يستنبط منه جواز الاكتفاء بثلاث غرف على الرأس ، وإن كان كثير الشعر .
وفيه تقديم ذلك على إفاضة الماء على جسده . وفيه الحث على السؤال عن أمر الدين من العلماء . وفيه وجوب الجواب عند العلم به .
وفيه دلالة على ملازمة النبي عليه الصلاة والسلام على ثلاثة أكف في الغسل ؛ لأن لفظة : كان تدل على الاستمرار .