باب من بدأ بالحلاب أو الطيب عند الغسل
حدثنا محمد بن المثنى ، قال : حدثنا أبو عاصم ، عن حنظلة ، عن القاسم ، عن عائشة ، قالت : كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا اغتسل من الجنابة دعا بشيء نحو الحلاب ، فأخذ بكفه فبدأ بشق رأسه الأيمن ، ثم الأيسر ، فقال بهما على وسط رأسه . ( رجاله ) خمسة : محمد بن المثنى وقد مر ، وأبو عاصم الضحاك بن مخلد بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة البصري المتفق عليه علما وعملا ولقب بالنبيل ؛ لأن شعبة حلف أنه لا يحدث شهرا ، فبلغ ذلك أبا عاصم فقصده فدخل مجلسه ، فقال : حدث وغلام العطار حر عن كفارة يمينك فأعجبه ذلك ، وقال أبو عاصم النبيل ، فلقب به ، وقيل لغير ذلك ، وحنظلة بن أبي سفيان القرشي تقدم في باب دعاؤكم إيمانكم ، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي المدني أفضل أهل زمانه ، كان ثقة عالما فقيها من الفقهاء السبعة بالمدينة ، إماما ورعا من خيار التابعين ، مات سنة بضع ومائة . ( بيان لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الإفراد في موضع ، وبصيغة الجمع في موضع .
وفيه : العنعنة في ثلاثة مواضع . وفيه : أن أبا عاصم من كبار شيوخ البخاري ، وقد أكثر عنه في هذا الكتاب لكنه نزل في هذا الإسناد فأدخل بينه وبينه محمد بن المثنى . وفيه أن رواته ما بين بصري ومكي ومدني .
( ذكر من أخرجه غيره ) أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي جميعا في الطهارة عن محمد بن المثنى ، عن أبي عاصم ، عن حنظلة بن أبي سفيان ، عن القاسم ، عن عائشة رضي الله تعالى عنها . ( ذكر لغاته ومعناه ) قوله : كان صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل ، أي : إذا أراد أن يغتسل . قوله : دعا أي : طلب .
قوله : نحو الحلاب ، أي : إناء مثل الإناء الذي يسمى الحلاب ، وقد وصفه أبو عاصم بأنه أقل من شبر في شبر ، أخرجه أبو عوانة في ( صحيحه ) عنه ، وفي رواية لابن حبان : وأشار أبو عاصم بكفيه حكاية حلق شبريه يصف به دوره الأعلى ، وفي رواية للبيهقي : كقدر كوز يسع ثمانية أرطال ، وفي حديث مكي عن القاسم أنه سئل كم يكفي من غسل الجنابة ؟ فأشار إلى القدح والحلاب . ففيه بيان مقدار ما يحتمل من الماء لا الطيب والتطيب ومن له ذوق من المعاني وتصرف في التراكيب يعلم أن الحلاب المذكور في الترجمة إنما هو الإناء ، ولم يقصد البخاري إلا هذا غير أن القوم أكثروا الكلام فيه من غير زيادة فائدة . ولفظ الحديث أكبر شاهد على ما ذكرنا ؛ لأنه قال : دعا بشيء نحو الحلاب ، فلفظ نحو هاهنا بمعنى المثل ، ومثل الشيء غيره ، فلو كان دعا بالحلاب كان ربما يشكل على أن في بعض الألفاظ دعا بإناء مثل الحلاب .
قوله : فأخذ بكفه بالإفراد . وفي رواية الكشميهني : بكفيه بالتثنية ، وكذا وقع في رواية مسلم بعد . قوله : الأيسر ، وكذا وقع في رواية أبي داود .
قوله : فقال بهما . أي : بكفيه ، وهذا يدل على أن الرواية الصحيحة : فأخذ بكفيه بالتثنية حيث أعاد الضمير بالتثنية ، وأما على رواية مسلم فظاهر ؛ لأنه زاد في روايته بعد قوله : الأيسر : فأخذ بكفيه ، ومعنى قال بهما : قلب بكفيه على وسط رأسه ، والعرب تجعل القول عبارة عن جميع الأفعال ، وتطلقه أيضا على غير الكلام ، فتقول : قال بيده ، أي : أخذ ، وقال برجله ، أي : مشى . قال الشاعر : وقالت له العينان سمعا وطاعة أي : أومأت ، وجاء في حديث آخر : فقال بثوبه ، أي : دفعه ، وكل ذلك على المجاز والاتساع ، ويقال : إن قال : يجيء لمعان كثيرة بمعنى أقبل ومال واستراح وذهب وغلب وأحب وحكم وغير ذلك ، وسمعت أهل مصر يستعملون هذا في كثير من ألفاظهم ويقولون : أخذ العصا ، وقال به كذا ، أي : ضرب به ، وأخذ ثوبه ، وقال به عليه ، أي : لبسه وغير ذلك يقف على هذا من تتبع كلامهم .
قوله : وسط رأسه ، بفتح السين ، وقال الجوهري : بالسكون ظرف ، وبالحركة اسم ، وكل موضع صلح فيه بين فهو بالسكون وإن لم يصلح فيه فهو بالتحريك ، وقال المطرزي : سمعت ثعلبا يقول : استنبطنا من هذا الباب أن كل ما كان أجزاء ينفصل . قلت : فيه وسط بالتسكين ، وما كان لا ينفصل ولا يتفرق ، قلت : بالتحريك تقول من الأول : اجعل هذه الخرزة وسط السبحة ، وانظم هذه الياقوتة وسط القلادة ، وتقول أيضا منه : لا تقعد وسط الحلقة ووسط القوم هذا كله يتجزأ ويتفرق وينفصل ، فيقول فيه بالتسكين ، وتقول في القسم الثاني : احتجم وسط رأسه ، وقعد وسط الدار ، فقس على هذا ، وفي ( الواعي ) لأبي محمد قال الفراء : سمعت يونس يقول : وسط ووسط بمعنى ، وفي ( المخصص ) عن الفارسي سوى بعض الكوفيين بين وسط ووسط ، فقال : هما ظرفان واسمان . ومما يستنبط منه أن المغتسل يستحب له أن يجهز الإناء الذي فيه الماء ليغتسل منه ويستحب له أن يبدأ بشقه الأيمن ، ثم بالشق الأيسر ، ثم على وسط رأسه ، ويستنبط من قولها : كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مداومته على ذلك ؛ لأن هذه اللفظة تدل على الاستمرار والدوام ، والله أعلم .