باب من بدأ بالحلاب أو الطيب عند الغسل أي هذا باب في بيان حكم الذي بدأ بالحلاب إلى آخره استشكل القوم في مطابقة هذه الترجمة لحديث الباب فافترقوا ثلاث فرق : الفرقة الأولى قد نسبوا البخاري إلى الوهم والغلط ، منهم الإسماعيلي فإنه قال في ( مستخرجه ) : يرحم الله أبا عبد الله – يعني البخاري - من ذا الذي يسلم من الغلط ، سبق إلى قلبه أن الحلاب طيب ، وأي معنى للطيب عند الاغتسال قبل الغسل ، وإنما الحلاب إناء يحلب فيه ، ويسمى محلبا أيضا ، وهذا الحديث له طريق يتأمل المتأمل بيان ذلك حيث جاء فيه كان يغتسل من حلاب ، رواه هكذا أيضا ابن خزيمة وابن حبان ، وروى أبو عوانة في ( صحيحه ) عن يزيد بن سنان ، عن أبي عاصم بلفظ : كان يغتسل من حلاب فيأخذ غرفة بكفيه فيجعلها على شقه الأيمن ، ثم الأيسر ، كذا الحديث بقوله : يغتسل ، وقوله : غرفة أيضا مما يدل على أن الحلاب إناء الماء ، وفي رواية لابن حبان والبيهقي : ثم صب على شق رأسه الأيمن . والطيب لا يعبر عنه بالصب ، وروى الإسماعيلي من طريق بندار عن أبي عاصم بلفظ : كان إذا أراد أن يغتسل من الجنابة دعا بشيء دون الحلاب ، فأخذ بكفه فبدأ بالشق الأيمن ، ثم الأيسر ، ثم أخذ بكفيه ماء فأفرغ على رأسه ، فلولا قوله : ماء ، لأمكن حمله على الطيب قبل الغسل ، ورواية أبي عوانة أصرح من هذه ، ومن هؤلاء الفرقة ابن الجوزي حيث قال : غلط جماعة في تفسير الحلاب ، منهم البخاري ، فإنه ظن أن الحلاب شيء من الطيب . الفرقة الثانية منهم الأزهري ، قالوا : هذا تصحيف ، وإنما هو جلاب بضم الجيم وتشديد اللام ، وهو ماء الورد فارسي معرب . الفرقة الثالثة منهم المحب الطبري ، قالوا : لم يرد البخاري بقوله : أو الطيب ما له عرف طيب ، وإنما أراد تطييب البدن وإزالة ما فيه من وسخ ودرن ونجاسة إن كانت ، وإنما أراد بالحلاب الإناء الذي يغتسل منه ، يبدأ به فيوضع فيه ماء الغسل ، قال المحب : وكلمة : أو في قوله : أو الطيب بمعنى الواو ، كذا ثبت في بعض الروايات ، أقول وبالله التوفيق : لا يظن أحد أن البخاري أراد بالحلاب ضربا من الطيب ؛ لأن قوله : أو الطيب يرفع ذلك ولم يرد إلا إناء يوضع فيه ماء . قال الخطابي : الحلاب إناء يسع قدر حلبة ناقة ، والدليل على أن الحلاب ظرف قول الشاعر : صاح هل رأيت وسمعت براع رد في الضرع ما بقي في الحلاب وقال القاضي عياض : الحلاب والمحلب بكسر الميم وعاء يملؤه قدر حلب الناقة ، ومن الدليل على أن المراد من الحلاب غير الطيب عطف الطيب عليه بكلمة أو ، وجعله قسيما له ، وبهذا يندفع ما قاله الإسماعيلي : إن البخاري سبق إلى قلبه أن الحلاب طيب ، وكيف يسبق إلى قلبه ذلك ، وقد عطف الطيب عليه والمعطوف غير المعطوف عليه ، وكذلك دعوى الأزهري التصحيف غير صحيحة ؛ لأن المعروف من الرواية بالمهملة والتخفيف ، وكذلك أنكر عليه أبو عبيدة الهروي ، وقال القرطبي : الحلاب بكسر المهملة لا يصح غيرها ، وقد وهم من ظنه من الطيب ، وكذا من قاله بضم الجيم على أن قوله بتشديد اللام غير صحيح ؛ لأن في اللغة الفارسية ماء الورد هو جلاب بضم الجيم وتخفيف اللام أصله كلاب ، فكل بضم الكاف الصماء وسكون اللام اسم للورد عندهم ، وآب بمد الهمزة وسكون الباء الموحدة اسم الماء ، والقاعدة عندهم أن المضاف إليه يتقدم على المضاف ، وكذلك الصفة تقدم على الموصوف ، وإنما الجلاب بتشديد اللام فاسم للمشروب ( فإن قلت ) : إذا ثبت أن الحلاب اسم للإناء يكون المذكور في الترجمة شيئين : أحدهما الإناء ، والآخر الطيب ، وليس في الباب ذكر الطيب فلا يطابق الحديث الذي فيه إلا بعض الترجمة . ( قلت ) : قد عقد الباب لأحد الأمرين حيث جاء بـ أو الفاصلة دون الواو الواصلة ، فوفي بذكر أحدهما على أنه كثيرا ما يذكر في الترجمة شيئا ، ولا يذكر في الباب حديثا متعلقا به لأمر يقتضي ذلك ( فإن قلت ) : ما المناسبة بين ظرف الماء والطيب ؟ قلت : من حيث إن كلا منهما يقع في مبتدأ الغسل ويحتمل أيضا أنه أراد بالحلاب الإناء الذي فيه الطيب ، يعني به تارة يطلب ظرف الطيب ، وتارة يطلب نفس الطيب ، كذا قاله الكرماني ، ولكن يرده ما رواه الإسماعيلي من طريق مكي بن إبراهيم عن حنظلة في هذا الحديث كان يغتسل بقدح بدل قوله : بحلاب ، وزاد فيه : كان يغسل يديه ، ثم يغسل وجهه ، ثم يقول بيده ثلاث غرف . 11 - حدثنا محمد بن المثنى ، قال : حدثنا أبو عاصم ، عن حنظلة ، عن القاسم ، عن عائشة ، قالت : كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا اغتسل من الجنابة دعا بشيء نحو الحلاب ، فأخذ بكفه فبدأ بشق رأسه الأيمن ، ثم الأيسر ، فقال بهما على وسط رأسه . ( رجاله ) خمسة : محمد بن المثنى وقد مر ، وأبو عاصم الضحاك بن مخلد بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة البصري المتفق عليه علما وعملا ولقب بالنبيل ؛ لأن شعبة حلف أنه لا يحدث شهرا ، فبلغ ذلك أبا عاصم فقصده فدخل مجلسه ، فقال : حدث وغلام العطار حر عن كفارة يمينك فأعجبه ذلك ، وقال أبو عاصم النبيل ، فلقب به ، وقيل لغير ذلك ، وحنظلة بن أبي سفيان القرشي تقدم في باب دعاؤكم إيمانكم ، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي المدني أفضل أهل زمانه ، كان ثقة عالما فقيها من الفقهاء السبعة بالمدينة ، إماما ورعا من خيار التابعين ، مات سنة بضع ومائة . ( بيان لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الإفراد في موضع ، وبصيغة الجمع في موضع . وفيه : العنعنة في ثلاثة مواضع . وفيه : أن أبا عاصم من كبار شيوخ البخاري ، وقد أكثر عنه في هذا الكتاب لكنه نزل في هذا الإسناد فأدخل بينه وبينه محمد بن المثنى . وفيه أن رواته ما بين بصري ومكي ومدني . ( ذكر من أخرجه غيره ) أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي جميعا في الطهارة عن محمد بن المثنى ، عن أبي عاصم ، عن حنظلة بن أبي سفيان ، عن القاسم ، عن عائشة رضي الله تعالى عنها . ( ذكر لغاته ومعناه ) قوله : كان صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل ، أي : إذا أراد أن يغتسل . قوله : دعا أي : طلب . قوله : نحو الحلاب ، أي : إناء مثل الإناء الذي يسمى الحلاب ، وقد وصفه أبو عاصم بأنه أقل من شبر في شبر ، أخرجه أبو عوانة في ( صحيحه ) عنه ، وفي رواية لابن حبان : وأشار أبو عاصم بكفيه حكاية حلق شبريه يصف به دوره الأعلى ، وفي رواية للبيهقي : كقدر كوز يسع ثمانية أرطال ، وفي حديث مكي عن القاسم أنه سئل كم يكفي من غسل الجنابة ؟ فأشار إلى القدح والحلاب . ففيه بيان مقدار ما يحتمل من الماء لا الطيب والتطيب ومن له ذوق من المعاني وتصرف في التراكيب يعلم أن الحلاب المذكور في الترجمة إنما هو الإناء ، ولم يقصد البخاري إلا هذا غير أن القوم أكثروا الكلام فيه من غير زيادة فائدة . ولفظ الحديث أكبر شاهد على ما ذكرنا ؛ لأنه قال : دعا بشيء نحو الحلاب ، فلفظ نحو هاهنا بمعنى المثل ، ومثل الشيء غيره ، فلو كان دعا بالحلاب كان ربما يشكل على أن في بعض الألفاظ دعا بإناء مثل الحلاب . قوله : فأخذ بكفه بالإفراد . وفي رواية الكشميهني : بكفيه بالتثنية ، وكذا وقع في رواية مسلم بعد . قوله : الأيسر ، وكذا وقع في رواية أبي داود . قوله : فقال بهما . أي : بكفيه ، وهذا يدل على أن الرواية الصحيحة : فأخذ بكفيه بالتثنية حيث أعاد الضمير بالتثنية ، وأما على رواية مسلم فظاهر ؛ لأنه زاد في روايته بعد قوله : الأيسر : فأخذ بكفيه ، ومعنى قال بهما : قلب بكفيه على وسط رأسه ، والعرب تجعل القول عبارة عن جميع الأفعال ، وتطلقه أيضا على غير الكلام ، فتقول : قال بيده ، أي : أخذ ، وقال برجله ، أي : مشى . قال الشاعر : وقالت له العينان سمعا وطاعة أي : أومأت ، وجاء في حديث آخر : فقال بثوبه ، أي : دفعه ، وكل ذلك على المجاز والاتساع ، ويقال : إن قال : يجيء لمعان كثيرة بمعنى أقبل ومال واستراح وذهب وغلب وأحب وحكم وغير ذلك ، وسمعت أهل مصر يستعملون هذا في كثير من ألفاظهم ويقولون : أخذ العصا ، وقال به كذا ، أي : ضرب به ، وأخذ ثوبه ، وقال به عليه ، أي : لبسه وغير ذلك يقف على هذا من تتبع كلامهم . قوله : وسط رأسه ، بفتح السين ، وقال الجوهري : بالسكون ظرف ، وبالحركة اسم ، وكل موضع صلح فيه بين فهو بالسكون وإن لم يصلح فيه فهو بالتحريك ، وقال المطرزي : سمعت ثعلبا يقول : استنبطنا من هذا الباب أن كل ما كان أجزاء ينفصل . قلت : فيه وسط بالتسكين ، وما كان لا ينفصل ولا يتفرق ، قلت : بالتحريك تقول من الأول : اجعل هذه الخرزة وسط السبحة ، وانظم هذه الياقوتة وسط القلادة ، وتقول أيضا منه : لا تقعد وسط الحلقة ووسط القوم هذا كله يتجزأ ويتفرق وينفصل ، فيقول فيه بالتسكين ، وتقول في القسم الثاني : احتجم وسط رأسه ، وقعد وسط الدار ، فقس على هذا ، وفي ( الواعي ) لأبي محمد قال الفراء : سمعت يونس يقول : وسط ووسط بمعنى ، وفي ( المخصص ) عن الفارسي سوى بعض الكوفيين بين وسط ووسط ، فقال : هما ظرفان واسمان . ومما يستنبط منه أن المغتسل يستحب له أن يجهز الإناء الذي فيه الماء ليغتسل منه ويستحب له أن يبدأ بشقه الأيمن ، ثم بالشق الأيسر ، ثم على وسط رأسه ، ويستنبط من قولها : كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مداومته على ذلك ؛ لأن هذه اللفظة تدل على الاستمرار والدوام ، والله أعلم .
المصدر: عمدة القاري شرح صحيح البخاري
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-43/h/392278
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة