باب من اغتسل عريانا وحده في الخلوة ومن تستر فالتستر أفضل
( وعن أبي هريرة ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : بينا أيوب يغتسل عريانا فخر عليه جراد من ذهب ، فجعل أيوب يحتثي في ثوبه ، فناداه ربه : يا أيوب ، ألم أكن أغنيتك عما ترى . قال : بلى وعزتك ، ولكن لا غنى بي عن بركتك ) . هذا معطوف على الإسناد الأول ، وقد صرح أبو مسعود وخلف فقالا في أطرافهما : إن البخاري رواه هاهنا عن إسحاق بن نصر ، وفي أحاديث الأنبياء عن عبد الله بن محمد الجعفي ، كلاهما عن عبد الرزاق .
ورواه أبو نعيم الأصبهاني ، عن أبي أحمد بن شيرويه ، حدثنا إسحاق ، أخبرنا عبد الرزاق ، فذكره وذكر أن البخاري رواه عن إسحاق بن نصر ، عن عبد الرزاق ، وأورد الإسماعيلي حديث عبد الرزاق عن معمر ، ثم لما فرغ منه قال : عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بينا أيوب يغتسل . الحديث ، وقال بعضهم : وجزم الكرماني بأنه تعليق بصيغة التمريض فأخطأ ، فإن الخبرين ثابتان في نسخة همام بالإسناد المذكور ( قلت ) : الكرماني لم يجزم بذلك ، وإنما قال : تعليق بصيغة التمريض بناء على الظاهر ؛ لأنه لم يطلع على ما ذكرنا . قوله : " بينا بالألف أصله بين بلا الألف زيدت الألف فيه لإشباع الفتحة والعامل فيه .
قوله : خر وما قيل أن ما بعد الفاء لا يعمل فيما قبله ؛ لأن فيه معنى الجزائية إذ بين متضمن للشرط فجوابه لا نسلم عدم عمله سيما في الظرف إذ فيه توسع ، والعامل خر المقدر ، والمذكور مفسر له وما قيل أن المشهور دخول إذا وإذا في جوابه ، فجوابه كما أن إذا تقوم مقام الفاء في جواب الشرط نحو قوله : وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون ، تقوم الفاء مقام إذا في جواب بين فبينهما معاوضة . قوله : " أيوب " ، اسم أعجمي ، وهو ابن أموص بن زراح بن عيص بن إسحاق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام ، وهذا هو المشهور ، وقال بعضهم : أيوب بن أموص بن زيرح بن زعويل بن عيص بن إسحاق ، وقال آخرون : أيوب بن أموص بن زراخ بن روم بن عيص بن إسحاق ، وأمه بنت لوط عليه الصلاة والسلام . ج٣ / ص٢٣٢وكان أيوب في زمان يعقوب ، وقال ابن الكلبي : كانت منازله الثنية من أرض الشام ، والجابية من كورة دمشق ، وكان الجميع له ، ومقامه بقرية تعرف بدير أيوب ، وقبره بها ، وإلى هلم جرا ، وهي قرية من نوى عليه مشهد ، وهناك : قدم في حجر يقولون : إنها أثر قدمه ، وهناك عين يتبرك بها ، وكان أعبد أهل زمانه ، وعاش ثلاثا وتسعين سنة .
قوله : " يغتسل " ، جملة في محل الرفع ؛ لأنها خبر المبتدأ ، وهو قوله : أيوب ، والجملة في محل الجر بإضافة بين إليه . قوله : " عريانا نصب على الحال ومصروف ؛ لأنه فعلان بالضم بخلاف فعلان بالفتح كما عرف في موضعه . قوله : جراد بالرفع فاعل خر .
قال ابن سيده : الجراد معروف . قال أبو عبيد : قيل : هو سروة ، ثم دبا ، ثم غوغا ، ثم كتفان ، ثم خيفان ، ثم جراد . وقال أبو إسحاق إبراهيم بن إسماعيل الأجواني : أول ما يكون الجراد دبا ، ثم يكون غوغا إذا ماج بعضه في بعض ، ثم يكون كتفانا ، ثم يصير خيفانا إذا صارت فيه خطوط مختلفة ، الواحدة خيفانة ، ثم يكون جرادا ، وقيل : الجراد الذكر ، والجرادة الأنثى ، ومن كلامهم : رأيت جرادا على جرادة ، كقولهم : رأيت نعاما على نعامة ، وفي الصحاح : الجراد معروف ، والواحدة الجرادة يقع على الذكر والأنثى ، وليس الجراد بذكر للجرادة ، إنما هو اسم جنس كالبقر والبقرة ، والتمر والتمرة ، والحمام والحمامة ، وما أشبه ذلك فحق مؤنثه أن لا يكون مؤنثه من لفظه لئلا يلتبس الواحد المذكر بالجمع .
وقال ابن دريد في الجمهرة : سمي جراد ؛ لأنه يجرد الأرض ، فإنه يأكل ما عليها ، وكذا هو في الاشتقاق للرماني . قوله : " يحتثي : من باب الافتعال من الحثي بفتح الحاء المهملة وسكون الثاء المثلثة . قال ابن سيده : الحثي ما رفعت به يديك ، يقال : حثى يحثي ويحثو والياء أعلى ، وزعم ابن قرقول أنه يكون باليد الواحدة أيضا ، وفي الصحاح : حثى في وجهه التراب ، يحثو ويحثي حثوا وحثيا وتحثيا ، وحثوت له إذا أعطيته شيئا يسيرا ، ويقال : الحثية باليدين جميعا عند أهل اللغة .
وقال الكرماني : يحتثي ، أي : يرمي ، يعني : يأخذ ويرمي في ثوبه ، وقال بعضهم : وقع في رواية القابسي عن زيد : يحتثن بنون في آخره بدل الياء . ( قلت : ) أمعنت النظر في كتب اللغة فما وجدت له وجها في هذا . قوله : " فناداه ربه " ، يحتمل أن يكون كلمه كما كلم موسى ، وهو أولى بظاهر اللفظ ، ويحتمل أن يرسل إليه ملكا فسمى هذا بذلك .
قوله : " بلى " ، أي : بلى أغنيتني . وقال الكرماني : ولو قيل في مثل هذه المواضع بدل بلى نعم لا يجوز ، بل يكون كفرا ( قلت ) لأن بلى مختصة بإيجاب النفي ونعم مقررة لما سبقها ، والمراد في قوله تعالى : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى أنت ربنا . وقال المفسرون : لو قالوا : نعم لكفروا ، والفقهاء لم يفرقوا في الأقارير ؛ لأن مبناها على العرف ، ولا فرق بينهما في العرف .
قوله : " لا غنى بي . قال بعضهم : لا غنى بالقصر بلا تنوين على أن لا بمعنى ليس ( قلت ) هذا القائل لم يدر الفرق بين لا بمعنى ليس ، وبين لا إلى لنفي الجنس ، فإذا كانت بمعنى ليس فهو منون مرفوع ، وإذا كانت بمعنى لا لنفي الجنس يكون مبنيا على ما ينصب به ، ولا ينون ، ويجوز هاهنا الوجهان ، ولا فرق بينهما في المعنى ؛ لأن النكرة في سياق النفي تفيد العموم . وقال صاحب الكشاف في أول البقرة : قرئ : لا ريب ، بالرفع ، والفرق بينها وبين القراءة المشهورة أن المشهورة توجب الاستغراق وهذه تجوزه ( فإن قلت : ) خبر " لا " ما هو ؟ هل هو لفظ بي أو عن بركتك ؟ قلت : يجوز كلاهما والمعنى صحيح على التقديرين .
قوله : " عن بركتك " ، البركة كثرة الخير . ( ومما يستنبط منه ) ما قاله ابن بطال جواز الاغتسال عريانا ؛ لأن الله تعالى عاتب أيوب عليه السلام على جمع الجراد ولم يعاتبه على الاغتسال عريانا . وفيه : جواز الحلف بصفة من صفات الله تعالى ، وقال الداودي : فيه فضل الكفاف على الفقر ؛ لأن أيوب عليه السلام لم يكن يأخذ ذلك مفاخرا ولا مكاثرا ، وإنما أخذه ليستعين به فيما لا بد له منه ، ولم يكن الرب جل وعلا ليعطيه ما ينقص به حظه .
وفيه : الحرص على الحلال . وفيه : فضل الغنى ؛ لأنه سماه بركة .