حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب إذا احتلمت المرأة

حدثنا عبد الله بن يوسف ، قال : أخبرنا مالك ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن زينب بنت أبي سلمة ، عن أم سلمة أم المؤمنين ، أنها قالت : جاءت أم سليم امرأة أبي طلحة إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقالت : يا رسول الله ، إن الله لا يستحي من الحق ، هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت ؟ فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نعم ، إذا رأت الماء . مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة . ذكر رجاله وهم ستة : الأول :عبد الله بن يوسف التنيسي .

الثاني : مالك بن أنس . الثالث : هشام بن عروة . الرابع : أبوه عروة بن الزبير بن العوام .

الخامس : زينب بنت أبي سلمة ، واسم أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد المخزومي ، وفي ( تهذيب التهذيب ) أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي أحد السابقين عبد الله أخو النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الرضاعة ، وذكر البخاري هذا الحديث في باب الحياء في العلم ، وفيه : زينب بنت أم سلمة فنسبت زينب هناك إلى أمها ، وهاهنا إلى أبيها ، واسم أم سلمة هند بنت أبي أمية ، واسمه حذيفة ، ويقال : سهل بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ، وأم سلمة أم المؤمنين كانت قبل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عند أبي سلمة المذكور ، وزينب هي أخت سلمة ، فكنى كل واحد من أم زينب وأبيها بسلمة ، فلذلك تنسب زينب تارة إلى أبيها ببنت أبي سلمة ، وتارة إلى أمها ببنت أم سلمة ، والمعنى واحد . السادس : أم سلمة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها ، وأم سليم بضم السين المهملة وفتح اللام ، واختلف في اسمها ، فقيل : سهلة ، وقيل : رميلة ، وقيل : رميثة ، وقيل : مليكة ، وقيل : الغميصاء ، وقيل : الرميصاء ، وأنكره أبو داود ، وقال : الرميصاء أختها . وعند ابن سعد أنيفة ، وأنكره ابن حبان وأم سليم بنت ملحان الخزرجية النجارية والدة أنس بن مالك ، زوجة أبي طلحة كانت فاضلة دينة ، واسم أبي طلحة زيد بن سهل بن الأسود بن حرام الأنصاري النقيب كبير القدر بدري مشهور .

( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع ، وهو في موضع واحد . وفيه : الإخبار كذلك في موضع واحد . وفيه : العنعنة في أربعة مواضع .

وفيه القول . وفيه : ثلاث صحابيات . وفيه أن رواته مدنيون ما خلا عبد الله بن يوسف .

ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري في ستة مواضع في الغسل هاهنا عن عبد الله بن يوسف ، وفي الأدب عن إسماعيل وعن محمد بن المثنى وعن مالك بن إسماعيل ، وفي خلق آدم عن مسدد ، وفي العلم عن محمد بن سلام . وأخرجه مسلم في الطهارة عن يحيى بن يحيى ، وعن أبي بكر بن أبي شيبة ، وزهير بن حرب ، وعن ابن أبي عمر . وأخرجه الترمذي في الطهارة عن ابن أبي عمر به .

وأخرجه النسائي فيه ، وفي العلم عن شعيب بن يوسف . وأخرجه ابن ماجه في الطهارة عن ابن أبي شيبة وعلي بن محمد ، ورواه أبو داود عن أحمد بن صالح ، قال : حدثنا عنبسة عن يونس بن شهاب ، قال : قال عروة عن عائشة : إن أم سليم الأنصارية ، وهي أم أنس بن مالك قالت : يا رسول الله ، إن الله لا يستحي من الحق ، أرأيت المرأة إذا رأت في النوم ما يرى الرجل ، أتغتسل أو لا ؟ قالت عائشة : فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، نعم فلتغتسل إذا وجدت الماء . قالت عائشة : فأقبلت عليها ، فقلت : أف لك ، وهل ترى ذلك المرأة ، فأقبل علي رسول الله صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقال : تربت يمينك يا عائشة ، ومن أين يكون الشبه .

ذكر الاختلاف في هذا الحديث : هذا الحديث أخرجه الأئمة الستة كما رأيته ، وقد اتفق البخاري ومسلم على إخراجه من طرق عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن زينب . ورواه أيضا مسلم من رواية الزهري عن عروة ، لكن قال عن عائشة . قال أبو داود : وكذلك رواه عقيل ، والزبيدي ويونس ، وابن أخي الزهري ، وابن أبي الوزير ، عن مالك ، عن الزهري .

ووافق الزهري مسافع الحجبي ، قال : عن عروة عن عائشة . وأما هشام بن عروة ، فقال : عن عروة ، عن زينب بنت أبي سلمة ، عن أم سلمة ، أن أم سليم جاءت إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وقال القاضي عياض عن أهل الحديث : إن الصحيح أن القصة وقعت لأم سلمة لا لعائشة ، ونقل ابن عبد البر عن الذهلي ، أنه صحح الروايتين .

قلت : قول عياض يرجح رواية هشام بن عروة . وقول أبي داود عن مسافع يرجح رواية الزهري ، وقال النووي : يحتمل أن تكون عائشة وأم سلمة جميعا أنكرتا على أم سليم . والزبيدي هو محمد بن الوليد ويونس بن يزيد ، وابن أخي الزهري اسمه محمد بن عبد الله بن مسلم ، وابن أبي الوزير اسمه إبراهيم بن عمر بن مطرف الهاشمي ، مولاهم المكي ، ومسافع بضم الميم وبالسين المهملة ، وكسر الفاء ابن عبد الله أبو سليمان القرشي الحجبي المكي .

( ذكر اختلاف ألفاظ هذا الحديث ) لفظ البخاري في باب الحياء في العلم بعد قوله : إذا رأت الماء فغطت أم سلمة يعني وجهها ، وقالت : يا رسول الله ، أوتحتلم المرأة ؟ قال : نعم ، تربت يمينك فبم يشبهها ولدها ؟ وفي لفظ له بعد قوله : إذا رأت الماء ، فضحكت أم سلمة ، فقالت : أتحتلم المرأة ، فقال : النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فبم شبه الولد ؟ وفي لفظ : قالت أم سلمة : فقلت : فضحت النساء . وعند مسلم من حديث أنس ، أن أم سليم حدثت أنها سألت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعائشة عنده : يا رسول الله ، المرأة ترى ما يرى الرجل في المنام من نفسها ما يرى الرجل من نفسه ، فقالت عائشة : يا أم سليم ، فضحت النساء ، تربت يمينك ، فقال لها : مه ، بل أنت تربت يمينك ، نعم فلتغتسل يا أم سليم . وفي لفظ : فقالت أم سليم واستحييت من ذلك : وهل يكون هذا ؟ قال : نعم ، ماء الرجل غليظ أبيض ، وماء المرأة رقيق أصفر ، أيهما علا أو سبق يكون منه الشبه ، وفي لفظ : فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إذا كان منها ما يكون من الرجل فلتغتسل ، وفي لفظ : قالت عائشة : فقلت لها : أف لك ، أترى المرأة ذلك ؟ وفي لفظ : تربت يداك وألت ، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : دعيها تربت يمينك وألت ، وهل يكون الشبه إلا من قبل ذلك ؟ إذا علا ماؤها ماء الرجل أشبه الرجل أخواله ، وإذا علا ماء الرجل ماءها أشبه أعمامه ، وفي لفظ أبي داود : أتغتسل أم لا ؟ فقال : فلتغتسل إذا وجدت الماء ، وفي لفظ : والمرأة عليها غسل ؟ قال : نعم ، إنما النساء شقائق الرجال ، وفي لفظ النسائي : فضحكت أم سلمة .

وعند ابن أبي شيبة : وقال : هل تجد شهوة ؟ قالت : لعله . قال : تجد بللا ؟ قالت : لعله ، فقال : فلتغتسل ، فلقيها النسوة فقلن : فضحتنا عند رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقالت : والله ما كنت لا أنتهي حتى أعلم في حل أنا أم في حرام . وعند الطبراني في ( الأوسط ) : قلت : يا رسول الله ، أمر يقربني إلى الله ، أحببت أن أسألك عنه .

قال : أصبت يا أم سليم ، فقلت.. . الحديث . وعند البزار: فقالت أم سلمة : وهل للنساء من ماء ؟ قال : نعم ، إنما هن شقائق الرجال .

وعند ابن عمر : إذا رأت ذلك فأنزلت ، فعليها الغسل ، فقالت أم سليم : أيكون هذا ؟ وعند الإمام أحمد : أنها قالت : يا رسول الله ، إذا رأت المرأة أن زوجها يجامعها في المنام أتغتسل ؟ وعند عبد الرزاق في هذه القصة : إذا رأت أحداكن الماء كما يرى الرجل ، وقد جاء عن جماعة من الصحابيات أنهن سألن رضي الله تعالى عنهن كسؤال أم سليم منهن خولة بنت حكيم روى حديثها ابن ماجه من طريق علي بن زيد بن جدعان : ليس عليها غسل حتى تنزل كما ينزل الرجل . وبسرة ذكره ابن أبي شيبة بسند لا بأس به وسهلة بنت سهيل ، رواه الطبراني في ( الأوسط ) من حديث ابن لهيعة أكثر الكلام مضى في باب الحياء في العلم . وقال ابن المنذر : أجمع كل من يحفظ عنه العلم أن الرجل إذا رأى في منامه أنه احتلم أو جامع ولم يجد بللا أن لا غسل عليه ، واختلفوا فيمن رأى بللا ولم يتذكر احتلاما ، فقالت طائفة : يغتسل .

روينا ذلك عن ابن عباس والشعبي وسعيد بن جبير والنخعي ، وقال أحمد : أحب إلي أن يغتسل إلا رجل به أبردة ، وقال أبو إسحاق : يغتسل إذا كانت بلت نطفة . وروينا عن الحسن أنه قال : إذا كان انتشر إلى أهله من الليل فوجد من ذلك بلة فلا غسل عليه ، وإن لم يكن كذلك اغتسل . وفيه : قول ثالث ، وهو أن لا يغتسل حتى يوقن بالماء الدافق ، هكذا قال مجاهد : وهو قول قتادة ، وقال مالك والشافعي وأبو يوسف : يغتسل إذا علم بالماء الدافق .

وقال الخطابي : ظاهره يوجب الاغتسال إذا رأى البلة ، وإن لم يتيقن أنه الماء الدافق وروي هذا القول عن جماعة من التابعين ، وقال أكثر أهل العلم : لا يجب عليه الاغتسال حتى يعلم أنه بلل الماء الدافق . وقال ابن عبد البر : فيه دليل على أن النساء ليس كلهن يحتلمن ؛ ولهذا أنكرت عائشة على أم سلمة ، وقد يعدم الاحتلام في بعض الرجال فالنساء أجدر أن يعدم ذلك فيهن ، وقد قيل : إن إنكار عائشة لذلك إنما كان لصغر سنها وكونها مع زوجها ؛ لأنها لم تحض إلا عنده، ولم تفقده فقدا طويلا إلا بموته عليه الصلاة والسلام ، فلذلك لم تعرف في حياته الاحتلام ؛ لأن الاحتلام لا يعرفه النساء ولا أكثر الرجال إلا عند عدم الرجال بعد المعرفة به ، فإذا فقد النساء أزواجهن احتلمن ، والوجه الأول عندي أصح وأولى ؛ لأن أم سلمة فقدت زوجها ، وكانت كبيرة عالمة بذلك ، وأنكرت منه ما أنكرت عائشة ، فدل ذلك على أن من النساء من لا تنزل الماء في غير الجماع الذي يكون في اليقظة . ولقائل أن يقول : إن أم سلمة أيضا تزوجت أبا سلمة شابة ، ولما توفي عنها زوجها تزوجها سيد المرسلين ، لا سيما مع شغلها بالعبادة وشبهها التي هي ، وجاء لغيرها أو تكون قالته إنكارا على أم سليم لكونها واجهت به سيدنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوضحه فقالت أم سلمة : وغطت وجهها .

وقال ابن بطال : فيه دليل على أن كل النساء يحتلمن . وفيه : دليل على وجوب الغسل على المرأة بالإنزال ، ونفى ابن بطال الخلاف فيه ، وقد ذكرنا في أول الباب خلاف النخعي . وفيه رد على من زعم أن ماء المرأة لا يبرز ، وإنما تعرف إنزالها بشهوتها ، وحمل قوله : إذا رأت الماء ، أي : إذا علمت به ؛ لأن وجود العلم هنا متعذر ؛ لأن الرجل لو رأى أنه جامع وعلم أنه أنزل في النوم ، ثم استيقظ فلم ير بللا لا يجب عليه الغسل فكذلك المرأة وإن أراد علمها بذلك بعد أن استيقظت فلا يصح ؛ لأنه لا يستمر في اليقظة ما كان في النوم إلا إن كان مشاهدا ، فحمل الكلام على ظاهره هو الصواب ، فإن قلت : قد جاء عن أم سلمة : فضحكت ، وجاء : فغطت وجهها فما التوفيق بينهما .

قلت : معنى ضحكت تبسمت تعجبا وغطت وجهها حياء ، ومعنى تربت يمينك في الأصل لا أصابت خيرا غير أن في ( لسان العرب ) يطلق ذلك وأمثالها ويراد به المدح ، وفي كتاب ( أدب الخواص ) للوزير أبي القاسم المغربي ، وفي كتاب ( الأيك والغصون ) لأبي العلاء المعري معنى قوله : ترتب يمينك ، أي : افتقرت من العلم مما سألت عنه أم سليم ، وفي ( المحكم ) : ترب الرجل صار في يده التراب ، وترب تربا لصق بالتراب من الفقر ، وترب تربا ومتربة خسر وافتقر ، وحكى قطرب ترب وأترب . قوله : وألت بعد قوله : تربت يمينك معناه صاحت لما أصابها من شدة هذا الكلام ، وروي ألت بضم الهمزة مع التشديد ، أي : طعنت بالآلة وهي الحربة العريضة النصل .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث