باب قراءة الرجل في حجر امرأته وهي حائض
حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين ، سمع زهيرا ، عن منصور بن صفية : أن أمه حدثته أن عائشة حدثتها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتكئ في حجري وأنا حائض ، ثم يقرأ القرآن . قال صاحب التوضيح : وجه مناسبة إدخال حديث عائشة فيه أن ثيابها بمنزلة العلاقة ، والشارع بمنزلة المصحف ، لأنه في جوفه ، وحامله إذ غرض البخاري بهذا الباب الدلالة على جواز حمل الحائض المصحف وقراءتها القرآن ، فالمؤمن الحافظ له أكبر أوعيته . قلت : ليس في الحديث إشارة إلى الحمل ، وفيه الاتكاء ، والاتكاء غير الحمل ، وكون الرجل في حجر الحائض لا يدل على جواز الحمل ، وغرض البخاري الدلالة على جواز القراءة بقرب موضع النجاسة لا على جواز حمل الحائض للمصحف ، وبهذا رد الكرماني على ابن بطال في قوله : وغرض البخاري في هذا الباب أن يدل على جواز حمل الحائض للمصحف وقراءتها القرآن .
قلت : رده عليه إنما يستقيم في قوله : ( وقراءتها القرآن ) ؛ لأنه ليس في الحديث ما يدل على جواز قراءة الحائض القرآن ، والذي فيه يدل على جواز قراءة القرآن في حجر الحائض ، وعلى جواز حمل المصحف لها بعلاقته ، فأورد حديثا وأثرا فالحديث يدل على الأول ، والأثر يدل على الثاني ، ولكنه غير مطابق للترجمة ، وكل ما كان من هذا القبيل فيه تعسف ولا يقرب من الموافقة إلا بالجر الثقيل . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة ، الأول أبو نعيم . الثاني زهير بن معاوية بن خديج الجعفي .
الثالث منصور بن صفية بنت شيبة ، وأبو منصور عبد الرحمن الحجبي العبدري المكي كان يحجب البيت ، وهو شيخ كبير ، وإنما نسب منصور إلى أمه ؛ لأنه اشتهر بها ، ولأنه روى عنها ، الرابع صفية بنت شيبة ، الخامس عائشة رضي الله تعالى عنها . ( بيان لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد وبصيغة الإفراد في موضعين ، وفيه السماع في موضع واحد ، والعنعنة كذلك ، وفيه أن رواته ما بين كوفي ومكي . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في التوحيد ، عن قبيصة ، عن سفيان الثوري ، وأخرجه مسلم في الطهارة ، عن يحيى بن يحيى ، عن داود بن عبد الرحمن المكي ، وأخرجه أبو داود فيه عن محمد بن كثير عن سفيان الثوري ، وأخرجه النسائي فيه عن إسحاق بن إبراهيم وعلي بن حجر كلاهما عن سفيان بن عيينة ، وأخرجه ابن ماجه ، عن محمد بن يحيى ، عن عبد الرزاق ، عن سفيان الثوري ، أربعتهم عن منصور بن عبد الرحمن به .
( ذكر معناه وغيره ) قوله : ( يتكئ في حجري ) ، قال القرطبي : كذا صوابه ، ووقع في رواية العذري : حجرتي ، بتاء مثناة من فوق ، وهو وهم . قوله : ( يتكئ ) بالهمزة من باب الافتعال ، أصله يوتكئ ، قلبت الواو تاء ، وأدغمت التاء في التاء ، وثلاثيه وكأ ، وهي جملة في محل النصب ؛ لأنها خبر كان . قوله : ( وأنا حائض ) ، جملة اسمية وقعت حالا ، قال الكرماني : إما من فاعل يتكئ ، وإما من المضاف إليه ، وهو ياء المتكلم .
قلت : من فاعل يتكئ لا وجه له على ما لا يخفى ، وما هي إلا من ياء المتكلم : في حجري ، ولا يمنع وقوع الحال من المضاف إليه إذا كان بين المضاف والمضاف إليه شدة الاتصال ، كما في قوله تعالى : وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وكلمة في في قوله : ( في حجري ) ، بمعنى على ، كما في قوله تعالى : وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ أي على جذوع النخل ، فإن قلت : ما فائدة العدول عنه ؟ قلت : لبيان التمكن فيه كتمكن المظروف في الظرف . قوله : ( فيقرأ القرآن ) ، وفي رواية البخاري في التوحيد : كان يقرأ القرآن ورأسه في حجري وأنا حائض ، فعلى هذا المراد بالاتكاء وضع رأسه في حجرها . وقال ابن دقيق العيد : في هذا القول إشارة إلى أن الحائض لا يقرأ القرآن ؛ لأن قراءتها لو كانت جائزة لما توهم امتناع القراءة في حجرها حتى احتيج إلى التنصيص عليها ، وفيه جواز ملامسة الحائض لأنها طاهرة ، وفيه جواز القراءة بقرب محل النجاسة ، قاله النووي .
قلت : فيه نظر لأن الحائض طاهرة والنجاسة هو الدم ، وهو غير طاهر في كل وقت من أوقات الحيض ، فعلى هذا لا يكره قراءة القرآن ، بحذاء بيت الخلاء ، ومع هذا ينبغي أن يكره تعظيما للقرآن ؛ لأن ما قرب إلى الشيء يأخذ حكمه ، وفيه جواز استناد المريض في صلاته إلى الحائض إذا كانت ثيابها طاهرة قاله القرطبي ، وفيه نظر .