حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب غسل الحائض رأس زوجها وترجيله

حدثنا إبراهيم بن موسى ، قال : أخبرنا هشام بن يوسف أن ابن جريج أخبرهم ، قال : أخبرني هشام عن عروة أنه سئل : أتخدمني الحائض أو تدنو مني المرأة وهي جنب ، فقال عروة : كل ذلك علي هين ، وكل ذلك تخدمني ، وليس على أحد في ذلك بأس ، أخبرتني عائشة أنها كانت ترجل تعني رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي حائض ورسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ مجاور في المسجد يدني لها رأسه ، وهي في حجرتها فترجله وهي حائض . مطابقة هذا الحديث للترجمة كمطابقة الحديث السابق . ( ذكر رجاله ) ، وهم ستة الأول إبراهيم بن موسى بن يزيد التميمي الرازي أبو إسحاق الفراء يعرف بالصغير ، وكان أحمد ينكر على من يقول له الصغير .

وقال : هو كبير في العلم والجلالة . الثاني : هشام بن يوسف الصنعاني أبو عبد الرحمن قاضي صنعاء من أبناء الفرس ، وهو أكبر اليمانيين وأحفظهم وأتقنهم ، مات سنة سبع وتسعين ومائة ، الثالث ابن جريح بضم الجيم وفتح الراء ، واسمه عبد الملك بن عبد العزيز بن جريح المكي القريشي المدني ، أصله رومي ، وهو أحد العلماء المشهورين ، وهو أول من صنف في الإسلام في قول وكانت له كنيتان أبو الوليد وأبو خالد ، مات سنة خمسين ومائة ، وهو جاوز السبعين ، الرابع هشام بن عروة بن الزبير بن العوام ، الخامس عروة بن الزبير بن العوام ، السادسة عائشة الصديقة بنت الصديق رضي الله تعالى عنهما . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع ، وفيه الإخبار بصيغة الإفراد في أربعة مواضع غير أن في قوله : قال : أخبرني روي أخبرنا والأول أكثر ، وفيه العنعنة في موضع واحد ، وفيه القول في موضع واحد ، وفيه لطيفة حسنة ، وهي أن ابن جريح يروي عن هشام ، وهشام يروي عن ابن جريج ، فالأعلى ابن عروة ، والأدنى ابن يوسف ، وفيه أن رواته ما بين رازي وصنعاني ومكي ومدني .

قوله : ( أنه سئل ) ، أي أن عروة سئل ، وهو على صيغة المجهول . قوله : ( أتخدمني الحائض ) ، الهمزة فيه للاستفهام ، قوله : ( أو تدنو ) ، أي أو تقرب . قوله : ( وهي جنب ) ، جملة اسمية وقعت حالا ، ولفظ جنب يستوي فيه المذكر والمؤنث ، والواحد والجمع ، وهي اللغة الفصيحة .

قوله : ( كل ذلك ) ، إشارة إلى الخدمة والدنو واللذان يدلان عليهما لفظ : أتخدمني وتدنو ، وجاءت الإشارة بلفظ ذلك للمثنى ، قال الله تعالى : عوان بين ذلك . قوله : ( هين ) أي سهل ، وهو بالتشديد والتخفيف ، كميت وميت ، وأصله هيون ، اجتمعت الياء والواو ، وسبقت إحداهما بالسكون ، فقلبت الواو ياء ، وأدغمت الياء في الياء . قوله : ( وكل ذلك ) ، أي الحائض والجنب ، والتذكير باعتبار المذكور لفظا ، ووجه التثنية قد ذكرناه .

قوله : ( وليس على أحد في ذلك بأس ) ، أي حرج ، وكان مقتضى الظاهر أن يقول : وليس علي في ذلك بأس ، لكنه قصد بذلك التعميم مبالغة فيه ، ودخل هو فيه بالقصد الأول . قوله : ( ترجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم ) . قوله : ( وهي حائض ) ، جملة حالية ، وإنما لم يقل : حائضة لعدم الالتباس ، وأما قولهم : جاء الحاملة والمرضعة في الاستعمال فلإرادة التباسهما بتلك الصفة بالفعل ، فإذا أريد التباسهما بالقوة يكون بلا تاء .

قال الزمخشري في قوله تعالى : يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ فإن قلت : لم قيل مرضعة دون مرضع ؟ قلت : المرضعة التي هي في حال الإرضاع تلقم ثديها الصبي ، والمرضع التي من شأنها أن ترضع ، وإن لم تباشر الإرضاع في حال وصفها به . قوله : ( حينئذ ) ، أي : حين الترجيل . قوله : ( مجاور ) أي معتكف .

قوله : ( يدني ) بضم الياء ، أي : يقرب لها ، أي لعائشة رأسه ، والحال أنها في حجرتها ، وكانت حجرتها ملاصقة للمسجد ، والحجرة بضم الحاء البيت . قوله : ( فترجله ) ، أي ترجل عائشة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، أي : ترجل شعر رأسه ، والحال أنها حائض . والحديث دل على جواز خدمة الحائض فقط ، وأما دلالته على دنو الجنب فبالقياس عليها ، والجامع اشتراكهما في الحدث الأكبر ، وهو من باب القياس الجلي ، لأن الحكم بالفرع أولى لأن الاستقذار من الحائض أكثر .

ومما يستنبط من الحديث : أن المعتكف إذا خرج رأسه أو يده أو رجله من المسجد لم يبطل اعتكافه ، وأن من حلف لا يدخل دارا أو لا يخرج منها فأدخل بعضه أو أخرج بعضه لا يحنث ، وفيه جواز استخدام الزوجة في الغسل ونحوه برضاها ، وأما بغير رضاها فلا يجوز لأن عليها تمكين الزوج من نفسها وملازمة بيته فقط . وقال ابن بطال ، وهو حجة على طهارة الحائض وجواز مباشرتها ، وفيه دليل على أن المباشرة التي قال الله تعالى : وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ لم يرد بها كل ما وقع عليه اسم المس ، وإنما أراد بها الجماع أو ما دونه من الدواعي للذة ، وفيه ترجيل الشعر للرجال وما في معناه من الزينة ، وفيه أن الحائض لا تدخل المسجد تنزيها له وتعظيما ، وهو المشهور من مذهب مالك . وحكى ابن سلمة أنها تدخل هي والجنب ، وفي رواية يدخل الجنب ولا تدخل الحائض .

وقال ابن بطال : وفيه حجة على الشافعي في أن المباشرة الخفيفة مثل ما في هذا الحديث لا تنقض الوضوء . وقال الكرماني : ليس فيه حجة على الشافعي ، إذ هو لا يقول بأن مس الشعر ناقض للوضوء . وقال بعضهم : ولا حجة فيه لأن الاعتكاف لا يشترط فيه الوضوء ، وليس في الحديث أنه عقب ذلك الفعل بالصلاة ، وعلى تقدير ذاك فمس الشعر لا ينقض الوضوء .

قلت : وليس في الحديث أيضا أنه توضأ عقيب ذلك ، والله أعلم بالصواب .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث