باب الاعتكاف للمستحاضة
( باب الاعتكاف للمستحاضة ) 14 - حدثنا إسحاق ، قال : حدثنا خالد بن عبد الله ، عن خالد ، عن عكرمة ، عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتكف معه بعض نسائه وهي مستحاضة ترى الدم ، فربما وضعت الطست تحتها من الدم ، وزعم عكرمة أن عائشة رأت ماء العصفر ، فقالت : كأن هذا شيء كانت فلانة تجده .
ج٣ / ص٢٧٩مطابقته للترجمة ظاهرة . ( ذكر رجاله وهم خمسة ) : الأول : إسحاق بن شاهين بكسر الهاء أبو بشر بكسر الباء ، وسكون الشين المعجمة الواسطي جاوز المائة . الثاني : خالد بن عبد الله الطحان أبو الهيثم المتصدق بوزن نفسه الفضة ثلاث مرات .
الثالث : خالد بن مهران ، الذي يقال له الحذاء بالحاء المهملة والذال المعجمة المشددة . الرابع : عكرمة مولى ابن عباس . الخامس : عائشة رضي الله تعالى عنها .
( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين . وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع . وفيه أن رواته ما بين واسطي وبصري ومدني ، وهو عكرمة ، والحذاء هو البصري ، ومدار هذا الحديث عليه .
( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) : أخرجه البخاري أيضا ، عن مسدد في هذا الباب . وأخرجه في الصوم ، عن قتيبة ، عن يزيد بن زريع . وأخرجه أبو داود في الصوم ، عن محمد بن عيسى ، وقتيبة وأخرجه النسائي في الاعتكاف ، عن قتيبة وأبي الأشعث العجلي ومحمد بن عبد الله بن ربيع .
وأخرجه ابن ماجه في الصوم ، عن الحسن بن محمد بن الصباح ، عن عفان بن مسلم ، خمستهم عن يزيد بن زريع . ( ذكر لغاته ومعانيه وإعرابه ) قولها : ( بعض نسائه ) برفع بعض لأنه فاعل اعتكف . قولها : ( وهي مستحاضة ) جملة اسمية وقعت حالا ، ووجه التأنيث مع أن لفظة هي ترجع إلى لفظ بعض اكتساب المضاف التأنيث من المضاف إليه ، أو التأنيث باعتبار ما صدق عليه لفظ البعض ، وهو المراد ، وإنما لحق تاء التأنيث في المستحاضة وإن كانت المستحاضة من خصائص النساء للإشعار بأن الاستحاضة حاصلة لها بالفعل .
قولها: ( ترى الدم ) جملة من الفعل والفاعل والمفعول صفة لازمة للمستحاضة ، وهو دليل على أن المراد أنها كانت في حال الاستحاضة لا أن من شأنها الاستحاضة ، يعني أنها مستحاضة بالفعل لا بالقوة ، ويجوز أن تكون التاء لنقل اللفظ من الوصفية إلى الاسمية ، وإنما لم يجز أن يقال : المستحيضة على بناء المعلوم ؛ لأن المتبع هو الاستعمال وهو لم يستعمل إلا مجهولا كما في نحو جن من الجنون . وقال الجوهري : استحيضت المرأة استمر بها الدم بعد أيامها فهي مستحاضة . فإن قلت : قال ابن الجوزي : ما عرفنا من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم من كانت مستحاضة ، قال : والظاهر أن عائشة رضي الله تعالى عنها أشارت بقولها : ( من نسائه ) ، أي : من النساء المتعلقات به ، وهي أم حبيبة بنت جحش أخت زينب بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، كأن ابن الجوزي قد ذهل عن الروايتين في هذا الباب ، إحداهما امرأة من أزواجه والأخرى كان بعض أمهات المؤمنين اعتكفت وهي مستحاضة ، على ما يأتيان عن قريب ، وأيضا فقد يبعد أن يعتكف مع النبي صلى الله عليه وسلم امرأة من غير زوجاته ، وإن كان لها به تعلق ، وذكر ابن عبد البر أن بنات جحش الثلاثة كن مستحاضات زينب أم المؤمنين وحمنة زوج طلحة وأم حبيبة زوج عبد الرحمن بن عوف ، وهي المشهورة منهن بذلك وسيأتي حديثها .
وذكروا في هذه المبهمة ، وهو قولها : ( بعض نسائه ) - ثلاثة أقوال ، فقيل : هي سودة بنت زمعة . وقيل : رملة أم حبيبة بنت أبي سفيان . وقيل : زينب بنت جحش الأسدية أول من مات من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بعده ، وأما على ما زعم ابن الجوزي من أن المستحاضة ليست من أزواجه صلى الله عليه وسلم ، فقد روي : فكانت زينب بنت أم سلمة استحيضت وهي لها تعلق بالنبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأنها ربيبته ، ولكن هذا الحديث رواه أبو داود من حكاية زينب على غيرها ، وهو الأشبه ؛ فإن زينب كانت صغيرة في زمنه صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه دخل على أمها في السنة الثالثة وزينب ترضع ، قولها : ( الطست ) أصله الطس بالتضعيف ، فأبدلت إحدى السينين تاء للاستثقال ، فإذا جمعت أو صغرت رددت إلى أصلها ، فقلت : طساس وطسيس ، وفي اللغة البلدية بالشين المعجمة ، ويجمع على طشوت قولها : ( من الدم ) كلمة من ابتدائية ، أي : لأجل الدم قاله الكرماني قلت : "من" هنا للتعليل .
قولها : ( وزعم ) فعل ماض وفاعله عكرمة ، وهو بمعنى قال ، قال الكرماني : أو لعله ما ثبت صريح القول من عكرمة بذلك ، بل علم من قرائن الأحوال منه ، فلهذا لم يسند القول إليه صريحا ، وهذا إما تعليق من البخاري ، وإما من تتمة قول خالد الحذاء ، فيكون مسندا ، أو هو عطف من جهة المعنى على عكرمة ، أي : قال خالد : قال عكرمة وزعم عكرمة . انتهى . وقال بعضهم : وزعم معطوف على معنى العنعنة ، أي : حدثني عكرمة بكذا ، وزعم كذا ، وأبعد من زعم أنه معلق انتهى .
قلت : هذا القائل يريد بذلك الرد على الكرماني فلا وجه لرده ؛ لأن وجه الكلام هو الذي قاله وتردد هذا الاحتمال لا يدفع بقوله ، وزعم معطوف على معنى العنعنة ، والعطف من أحكام الظواهر في الأصل . قولها : ( ماء العصفر ) بضم العين المهملة وبالفاء وسكون الصاد المهملة ، وهو زهر القرطم . قولها : ( كأن ) بتشديد النون قبلها همزة .
قولها : ( فلانة ) الظاهر أنها هي المرأة التي ذكرت قبل ، وفلانة غير منصرف كناية عن اسمها . قال الزمخشري : فلان وفلانة كناية عن أسماء الإناث ، وإذا ج٣ / ص٢٨٠كنوا عن أعلام البهائم أدخلوا اللام ، فقالوا : الفلان والفلانة . قولها : ( تجده ) ، أي : في زمن استحاضتها .
ومما يستنبط منه : جواز اعتكاف المستحاضة وجواز صلاتها ؛ لأن حالها حال الطاهرات ، وأنها تضع الطست لئلا يصيب ثوبها أو المسجد وأن دم الاستحاضة رقيق ليس كدم الحيض ، ويلحق بالمستحاضة ما في معناها كمن به سلس البول والمذي والودي ، ومن به جرح يسيل في جواز الاعتكاف .