حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب الطيب للمرأة عند غسلها من الحيض

( باب الطيب للمرأة عند غسلها من الحيض ) . أي هذا باب في بيان إباحة الطيب للمرأة عند غسلها من الحيض ، وفي بعض النسخ : من المحيض . وجه المناسبة بين البابين من حيث إن في الباب الأول : إزالة الدم من الثوب ، وهي التنظيف والإنقاء ، وفي هذا الباب التطيب ، وهو زيادة التنظيف .

18 - حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب ، قال : حدثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن حفصة ، قال أبو عبد الله أو هشام بن حسان ، عن حفصة ، عن أم عطية ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قالت : كنا ننهى أن نحد على ميت فوق ثلاث ، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا ، ولا نكتحل ولا نتطيب ولا نلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب ، وقد رخص لنا عند الطهر إذا اغتسلت إحدانا من محيضها في نبذة من كست أظفار ، وكنا ننهى عن اتباع الجنائز . مطابقة هذا الحديث للترجمة في قوله : ( وقد رخص لنا عند الطهر إلى آخره ) . وفيه من التأكيد حتى إنه رخص للمحد التي حرم عليها استعمال الطيب .

( ذكر رجاله ) وهم خمسة : الأول : عبد الله بن عبد الوهاب الحجبي أبو محمد البصري . الثاني : حماد بن زيد تقدم غير مرة . الثالث : أيوب السختياني .

الرابع : حفصة بنت سيرين الأنصارية أم الهذيل . الخامس : أم عطية من فاضلات الصحابة ، كانت تمرض المرضى ، وتداوي الجرحى ، وتغسل الموتى ، واسمها نسيبة بنت الحارث . وقيل : بنت كعب الغاسلة .

بيان لطائف إسناده : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين . وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع . وفيه أن رواته الأربعة بصريون .

وفيه في رواية المستملي وكريمة ، قال : حدثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ، قال : أبو عبد الله أو هشام بن حسان ، عن حفصة وأبو عبد الله هو البخاري نفسه ، فكأنه شك في شيخ حماد ، وهو أيوب أو هشام ، وليس ذلك عند بقية الرواة ولا ج٣ / ص٢٨٢عند أصحاب الأطراف ، وقد أورد البخاري هذا الحديث في كتاب الطلاق بهذا الإسناد فلم يذكر ذلك . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) : أخرجه البخاري هنا عن عبد الله بن عبد الوهاب . وأخرجه مسلم في الطلاق ، عن أبي الربيع الزهراني كلاهما عن حماد بن زيد ، عن أيوب به .

وأخرجه البخاري أيضا في الطلاق ، عن أبي نعيم ، عن عبد السلام بن حرب قال : وقال الأنصاري : أخرجه مسلم فيه عن حسن بن الربيع ، عن عبد الله بن إدريس ، وعن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن عبد الله بن نمير ، وعن عمرو الناقد ، عن يزيد بن هارون . وأخرجه أبو داود في الطلاق ، عن هارون بن عبد الله ومالك بن عبد الله المسمعي ، كلاهما عن هارون بن عبد الله ، وعن عبد الله بن الجراح ، عن عبد الله بن بكر السهمي ، وعن يعقوب بن إبراهيم الدورقي . وأخرجه النسائي فيه ، عن الحسين بن محمد ، عن خالد .

وأخرجه ابن ماجه فيه ، عن أبي بكر بن أبي شيبة به . ( ذكر لغاته ) : قولها : ( أن نحد ) بضم النون وكسر الحاء المهملة من الإحداد ، وهو الامتناع من الزينة ، قال الجوهري : أحدت المرأة ، أي : امتنعت من الزينة والخضاب بعد وفاة زوجها ، وكذلك حدت تحد بالضم وتحد بالكسر حدادا ، وهي حاد ، ولم يعرف الأصمعي إلا أحدت فهي محدة كذا في المحكم ، وأصل هذه المادة المنع ، ومنه قيل : البواب حداد ؛ لأنه يمنع الدخول والخروج ، وأغرب بعضهم فحكاه بالجيم نحو : جددت الشيء إذا قطعت ، فكأنها قد انقطعت عن الزينة عما كانت عليه قبل ذلك . قوله : ( ثوب عصب ) ، بفتح العين وسكون الصاد المهملة ، وفي آخره باء موحدة ، وهو من برود اليمن يصبغ غزلها ، ثم تنسج ، وفي المحكم هو ضرب من برود اليمن يعصب غزلها ، أي : يجمع ، ثم يصبغ ، ثم ينسج .

وقيل : هي برود مخططة ، وفي المنتهى العصب في اللغة إحكام الفتل والطي وشدة الجمع واللي ، وكل شيء أحكمته فقد عصبته ، ومنه أخذ عصب اليمن ، وهو المفتول من برودها والعصب الخيار ، وفي المحكم : وليس من برود الرقم ، ولا يجمع ، إنما يقال : برد عصب وبرود عصب ، وربما اكتفوا بأن يقولوا عليه العصب ؛ لأن البرد عرف بذلك ، زاد في المخصص لا يثنى ولا يجمع ؛ لأنه أضيف إلى الفعل ، وإنما العلة فيه الإضافة إلى الجنس . وقال الجوهري : ومنه قيل للسحاب كاللطخ عصب ، قال القزاز : وكان الملوك يلبسونها ، وروي عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه أراد أن ينهى عن عصب اليمن . وقال : نبئت أنه يصبغ ثم بالبول ، ثم قال : نهينا عن التعمق ، وفي حديث ثوبان : اشتر لفاطمة قلادة من عصب ، قال الخطابي : إن لم تكن الثياب اليمانية فلا أدري وما أرى أن القلادة تكون منها .

وقال أبو موسى : ذكر لي بعض أهل اليمن أنه سن دابة بحرية تسمى فرس فرعون يتخذ منها الخرز وغيره يكون أبيض . قوله : ( في نبذة ) ، بضم النون وفتحها وسكون الباء الموحدة وبالذال المعجمة ، وهو الشيء اليسير والمراد به القطعة ، قال ابن سيده : والجمع إنباذ . قوله : ( كست أظفار ) كذا هو في هذه الرواية .

وقال ابن التين : صوابه قسط ظفار منسوب إلى ظفار ، وهي ساحل من سواحل عدن . وقال القرطبي : هي مدينة باليمن والذي في مسلم قسط وأظفار ، وهو الأحسن فإنها نوعان ، قيل : هو شيء من العطر أسود ، والقطعة منه شبيهة بالظفر ، وهو بخور ، رخص فيه للمغتسلة من الحيض لإزالة الرائحة الكريهة . وقال أبو عبيد البكري : ظفار بفتح أوله ، وفي آخره راء مكسورة مبني على الكسر ، وهو مدينة باليمن وبها قصر الملكة ، ويقال : إن الجن بنتها ، وعن الصغاني : ظفار في اليمن أربعة مواضع مدينتان وحصنان ، أما المدينتان فإحداهما ظفار الحقل كان ينزلها التبابعة ، وهي على مرحلتين من صنعاء وإليها ينسب الجزع ، والأخرى ظفار الساحل قرب مرابط ، وإليها ينسب القسط ، يجلب إليها من الهند ، والحصنان أحدهما في يماني صنعاء على مرحلتين ، ويسمى ظفار الواديين والثاني في بلاد همدان ويسمى ظفار الطاهر ، وفي المحكم الظفر ضرب من العطر أسود مقلب من أصله على شكل ظفر الإنسان يوضع في الدخنة والجمع أظفار وأظافير .

وقال صاحب العين : لا واحد له ، وظفر ثوبه طيبه بالظفر ، وفي الجامع : الأظفار شيء من العطر يشبه الأظفار ، يتخذ منها مع الأخلاط ، ولا يفرد واحدها ، وإن أفرد فهو أظفارة ، وفي كتاب ( الطيب ) للمفضل بن سلمة : القسط والكسط والكشط ثلاث لغات ، قال : وهو من طيب الأعراب ، وسماه ابن البيطار في كتاب الجامع راسنا أيضا ، وفي كتاب أبي موسى المديني قال الأزهري : واحده ظفر . وقال غيره : الأظفار شيء من العطر . وقال الإمام إسماعيل : الأظفار شيء يتداوى به كأنه عود ، وكأنه يثقب ، ويجعل في القلادة ، وفي أثبت الروايات : من جزع ظفار ، وفي رواية أخرى : ظفاري .

( ذكر معانيه وإعرابه ) : قولها : كنا ننهى ، بضم النون الأولى على صيغة المجهول ، والناهي هو النبي صلى الله عليه وسلم كما دلت عليه ج٣ / ص٢٨٣رواية هشام المعلقة المذكورة في آخر الحديث ، وهذه الصيغة في حكم المرفوع ، وكذلك كنا ، وكانوا ، ونحو ذلك لأنه وقع في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقررهم عليه فهو مرفوع معنى . قوله : ( أن نحد ) كلمة أن مصدرية ، والتقدير كنا ننهى عن الإحداد . قوله : ( فوق ثلاث ) ، يعني به الليالي مع أيامها ، ولذلك أنث العدد .

قوله : ( إلا على زوج ) ، كذا هو في أكثر الروايات ، وفي رواية المستملي والحموي : إلا على زوجها . والأول موافق للفظ تحد غائبة . والثاني بصيغة المتكلم - قاله الكرماني ، ويقال : توجيه الثاني أن الضمير يعود على الواحدة المندرجة في قولها : ( كنا ننهى ) ، أي : كل واحدة منهن .

قوله : ( وعشرا ) ، أي : عشر ليال ؛ إذ لو أريد به الأيام لقيل : ثلاثة بالتاء . وقال الزمخشري : في قوله تعالى : أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا لو قلت : في مثله عشرة لخرجت من كلام العرب لا نراهم قط يستعملون التذكير فيه . وقال بعضهم : الفرق بين المذكر والمؤنث في الأعداد إنما هو عند ذكر المميز ، أما لو لم يذكر جاز فيه التاء وعدمه مطلقا ، فإن قلت : وعشرا منصوب بماذا ؟ قلت : هو عطف على قوله : ( أربعة ) ، وهو منصوب على الظرفية .

قوله : ( ولا نكتحل ) بالرفع ، ويروى بالنصب ، فتوجيهه أن تكون لا زائدة ، وتأكيدا فإن قلت : لا لا تؤكد إلا إذا تقدم النفي عليه ، قلت : تقدم معنى النفي ، وهو النهي . قوله : ( وقد رخص ) ، أي : التطيب . ( ذكر استنباط الأحكام ) : الأول : وجوب الإحداد على كل من هي ذات زوج ، سواء فيه المدخول بها وغيرها ، والصغيرة والكبيرة ، والبكر والثيب ، والحرة والأمة ، وعند أبي حنيفة : لا إحداد على الصغيرة ولا على الزوجة الأمة ، وأجمعوا أن لا إحداد على أم الولد والأمة إذا توفي عنها سيدها ، ولا على الرجعية ، وفي المطلقة ثلاثا قولان .

وقال أبو حنيفة والحكم وأبو ثور وأبو عبيد : عليها الإحداد ، وهو قول ضعيف للشافعي . وقال عطاء وربيعة ومالك والليث والشافعي وابن المنذر بالمنع ، وحكي عن الحسن البصري أنه لا يجب الإحداد على المطلقة ولا على المتوفى عنها زوجها ، وهو شاذ . وقال ابن عبد البر : أجمعوا على وجوب الإحداد إلا الحسن ؛ فإنه قال : ليس بواجب ، وتعلق أبو حنيفة وأبو ثور ومالك في أحد قوليه وابن كنانة وابن نافع وأشهب بأن لا إحداد على الكتابية المتوفى عنها زوجها المسلم بقوله في الحديث : ( لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد ) .

الحديث . وقال الشافعي وعامة أصحاب مالك : عليها الإحداد سواء دخل بها أو لم يدخل بها ، فإن قلت : لم خص الأربعة الأشهر والعشر ؟ قلت : لأن غالب الحمل تبين حركته في هذه المدة ، وأنث العشر لأنه أراد به الأيام بلياليها ، وهو مذهب العلماء كافة إلا ما حكي عن يحيى بن أبي كثير والأوزاعي أنه أراد أربعة أشهر وعشر ليال ، وأنها تحل في اليوم العاشر ، وعند الجمهور : لا تحل حتى تدخل الليلة الحادي عشر ، وهذا خرج على غالب أحوال المعتدات أنها تعتد بالأشهر أما إذا كانت حاملا فعدتها بالحمل ، ويلزمها الإحداد في جميع المدة حتى تضع ، سواء قصرت المدة أم طالت ، فإذا وضعت فلا إحداد بعده . وقال بعض العلماء : لا يلزمها الإحداد بعد أربعة أشهر وعشرا ، وإن لم تضع الحمل .

الثاني : فيه دليل على تحريم الكحل سواء احتاجت إليه أم لا وجاء في الموطأ وغيره عن أم سلمة : اجعليه بالليل وامسحيه بالنهار ، ووجه الجمع إذا لم تحتج إليه لا يحل لها فعله ، وإن احتاجت لم يجز بالنهار دون الليل ، والأولى تركه لحديث : إن ابنتي اشتكت عينها أفنكحلها ؟ قال : لا ، ولهذا إن سالما وسليمان بن يسار قالا : إذا خشيت على بصرها إنها تكتحل وتتداوى به وإن كان مطيبا ، وجوزه مالك فيما حكاه الباجي : تكتحل بغير مطيب . وقال صاحب التوضيح : والمراد بالكحل الأسود والأصفر ، أما الأبيض كالتوتيا ونحوه فلا تحريم فيه عند أصحابنا ؛ إذ لا زينة فيه ، وحرمه بعضهم على الشعثاء حتى تتزين . الثالث : فيه تحريم الطيب ، وهو ما حرم عليها في حال الإحرام وسواء ثوبها وبدنها ، وفي التوضيح يحرم عليها أيضا كل طعام فيه طيب .

الرابع : فيه تحريم لبس الثياب المعصفرة . وقال ابن المنذر : أجمع العلماء على أنه لا يجوز للحادة لبس الثياب المعصفرة والمصبغة إلا ما صبغ بسواد ، فرخص فيه عروة العصب وأجازه الزهري ، وأجاز مالك تخليطه ، وصحح الشافعية تحريم البرود مطلقا ، وهذا الحديث حجة لمن أجازه . نعم أجازوه فيما إذا كان الصبغ لا يقصد به الزينة ، بل يعمل للمصيبة واحتمال الوسخ كالأسود والكحل بل هو أبلغ في الحداد ، بل حكى الماوردي وجها أنها يلزمها في الحداد أعني الأسود .

الخامس : فيه الترخيص للحادة إذا اغتسلت من الحيض لإزالة الرائحة الكريهة . وقال النووي : وليس القسط والظفر مقصودا للتطييب ، وإنما رخص فيه لإزالة الرائحة . وقال المهلب : رخص لها ج٣ / ص٢٨٤في التبخر به لدفع رائحة الدم عنها لما تستقبله من الصلاة .

وقال ابن بطال : أبيح للحائض محدا أو غير محد عند غسلها من الحيض أن تدرأ رائحة الدم عن نفسها بالبخور بالقسط مستقبلة للصلاة ومجالسة الملائكة لئلا تؤذيهم برائحة الدم . وقال النووي في شرح مسلم : المقصود باستعمال المسك إما تطييب المحل ودفع الرائحة الكريهة ، وإما كونه أسرع إلى علوق الولد ، إن قلنا بالأول يقوم مقامه القسط والأظفار وشبههما ، قلت : كلامه يدل على أن الأظفار بالهمزة طيب لا موضع . السادس : فيه تحريم اتباع النساء الجنائز ، وسنذكره مفصلا في موضعه إن شاء الله تعالى .

( قال : رواه هشام بن حسان ، عن حفصة ، عن أم عطية ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ) . هكذا وقع في رواية أبي ذر ، وفي رواية غيره : ورواه ، أي : روى هشام الحديث المذكور ، وأشار به إلى أنه موصول ، ورواه في كتاب الطلاق موصولا من حديث هشام المذكور على ما سيأتي إن شاء الله تعالى . وقال الكرماني : وهو إما تعليق من البخاري ، وإما مقول حماد فيكون مسندا .

قلت : قوله : ( إما تعليق ) ، فظاهر وأما قوله : وإما مقول حماد فلا وجه له ، وفي نسخة ذكر البخاري حديث هشام أولا ، وفي بعضها ذكره آخرا ، وقال مسلم في صحيحه : حدثنا حسن بن الربيع ، حدثنا ابن إدريس ، قال : حدثنا هشام ، عن حفصة به ، وفائدته بيان أن أم عطية أسندته إلى النبي صلى الله عليه وسلم صريحا ، وكذا هو في سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه من حديث هشام مسندا . وقال البخاري في موضع آخر : توفي ابن لأم عطية ، فلما كان اليوم الثالث دعت بصفرة فتمسحت به ، وقالت : نهينا أن نحد أكثر من ثلاث إلا لزوج ، وعند الطبراني : وأمرنا أن لا نلبس في الإحداد الثياب المصبغة إلا العصب ، وأمرنا أن لا نمس طيبا إلا أدناه للطهرة الكست والأظفار ، وفي لفظ : ولا نختضب ، وفي لفظ : إلا ثوبا مغسولا .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث