باب دلك المرأة نفسها إذا تطهرت من المحيض وكيف تغتسل وتأخذ فرصة ممسكة فتتبع بها أثر الدم
( باب دلك المرأة نفسها إذا تطهرت من المحيض وكيف تغتسل وتأخذ فرصة ممسكة فتتبع بها أثر الدم ) أي هذا باب في بيان استحباب دلك المرأة نفسها إذا تطهرت من المحيض ، أي : الحيض . قوله : ( وكيف تغتسل ) عطف على قوله : ( دلك المرأة نفسها ) ، أي : وفي بيان كيف تغتسل المرأة . قوله : ( وتأخذ ) ، عطف على قوله : ( تغتسل ) ، أي : وكيف تأخذ فرصة بكسر الفاء وسكون الراء وفتح الصاد المهملة ، وهي القطعة ، يقال : فرصت الشيء فرصا ، أي : قطعته .
وقال الجوهري : هي قطعة قطن أو خرقة تمسح بها المرأة من الحيض . قوله : ( ممسكة ) بتشديد السين وفتح الكاف ، ولها معنيان ، أحدهما قطنة فيها مسك والآخر خرقة مستعملة بالإمساك عليها على ما سنوضح ذلك عن قريب . قوله : ( فتتبع بها ) ، أي : بتلك الفرصة ، وفي بعض النسخ : تتبع بدون الفاء ، وهو بلفظ الغائبة مضارع الفعل ، وأصله بالتاآت الثلاث فحذفت إحداها فافهم .
والمناسبة بين البابين ظاهرة ؛ لأن في كل منهما استعمال الطيب . 19 - حدثنا يحيى ، قال : حدثنا ابن عيينة ، عن منصور بن صفية ، عن أمه ، عن عائشة أن امرأة سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن غسلها من المحيض ، فأمرها كيف تغتسل ، قال : خذي فرصة من مسك فتطهري بها ، قالت : كيف أتطهر ؟ قال : تطهري بها ، قالت : كيف ؟ قال : سبحان الله تطهري ، فاجتبذتها إلي ، فقلت : تتبعي بها أثر الدم . مطابقة هذا الحديث للترجمة ظاهرة إلا في الدلك وكيفية الغسل صريحا ؛ لأن الترجمة مشتملة على الدلك أولا وكيفية الغسل وأخذ الفرصة الممسكة والتتبع بها أثر الدم ، والحديث أيضا مشتمل على هذه الأشياء ما خلا الدلك وكيفية الغسل ، فإنه لا يدل عليهما صريحا ، ويدل على الدلك بطريق الاستلزام ؛ لأن تتبع الدم يستلزم الدلك وهو ظاهر ، وأما كيفية الغسل فالمراد بها الصفة المختصة لغسل المحيض وهو التطيب لا نفس الاغتسال ، ولئن سلمنا أن المراد بالكيفية كيفية نفس الغسل فهي ج٣ / ص٢٨٥في أصل الحديث الذي ذكره واكتفى به على عادته أنه يذكر ترجمة ويذكر فيها ما تضمنه بعض طرق الحديث الذي يذكره ، إما لكون تلك الطريق على غير شرطه ، أو باكتفائه بالإشارة إليه ، أو لغير ذلك من الأغراض ، وتمامه عند مسلم فإنه أخرجه من طريق ابن عيينة عن منصور التي أخرجه منها البخاري ، فذكره بعد قوله : ( كيف تغتسل ثم تأخذ ؟ ) ثم رواه من طريق أخرى ، عن صفية ، عن عائشة وفيها كيفية الاغتسال ، ولفظه : فقال : تأخذ إحداكن ماءها وسدرها فتطهر فتحسن الطهور ، ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكا شديدا حتى تبلغ شؤون رأسها ، أي : أصوله ، ثم تصب عليها الماء ، ثم تأخذ فرصة .
فذكر الحديث ، وإنما لم يخرج البخاري هذا الطريق لكونه من رواية إبراهيم بن مهاجر ، عن صفية ، وليس هو على شرطه . وقال البخاري عن علي بن المديني : لإبراهيم هذا نحو أربعين حديثا . وقال ابن مهدي : قال سفيان : لا بأس به .
وقال أحمد : لا بأس به . وقال يحيى بن سعيد القطان : لم يكن بقوي ، وذكره ابن الجوزي في الضعفاء . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة : الأول : يحيى هو ابن موسى البلخي وجزم به ابن السكن في روايته عن الفربري .
وقال البيهقي : هو يحيى بن جعفر . وقال الغساني في تقييد المهمل : قال ابن السكن : يحيى هو ابن عيينة المذكور في باب الحيض هو يحيى بن موسى . وقال في موضع آخر منه على سبيل القاعدة الكلية : كل ما كان للبخاري في هذا الصحيح عن يحيى غير منسوب فهو يحيى بن موسى البلخي المعروف ببخت بفتح الخاء المنقوطة وشدة المثناة من فوق ، ويعرف بالختي وبابن خت أيضا ، كان من خيار المسلمين ، مات سنة أربعين ومائتين .
وقال : وذكر أبو نصر الكلاباذي أنه يحيى بن جعفر ، أي : البيكندي ، يروي عن ابن عيينة . وقال الكرماني : وفي بعض النسخ التي عندنا هكذا حدثني يحيى بن جعفر البيكندي ، حدثنا ابن عيينة . وقال صاحب التوضيح : ووقع في شرح بعض شيوخنا ، حدثنا يحيى يعني ابن معاوية بن أعين ، ولا أعلم في البخاري من اسمه كذلك ، وفي أسماء رجال الصحيحين يحيى بن موسى بن عبد ربه بن سالم أبو زكريا السختياني الحذائي البلخي ، يقال له خت ، روى عنه البخاري في البيوع والحج ومواضع ، وذكر ابن ماكولا في باب خت وخب وثب ، أما خت بخاء معجمة وتاء معجمة باثنتين من فوقها ، فهو يحيى بن موسى يعرف بابن خت البلخي .
الثاني : سفيان بن عيينة . الثالث : منصور بن صفية . الرابع : صفية بنت شيبة .
الخامس : عائشة رضي الله عنها . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين . وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، ووقع في مسند الحميدي التصريح بالسماع في جميع السند .
وفيه أن رواته ما بين بلخي ومكي . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) : أخرجه البخاري في الطهارة عن مسلم بن إبراهيم ، عن وهيب ، وفي الاعتصام عن محمد بن عيينة ، عن فضل بن سليمان ، وفيهما جميعا عن يحيى ، عن سفيان بن عيينة ، ثلاثتهم عن منصور بن عبد الرحمن ، وهو منصور بن صفية . وأخرجه مسلم في الطهارة ، عن عمرو الناقد وابن أبي عمر ، كلاهما عن سفيان به ، وعن أحمد بن سعيد الدارمي ، عن حبان بن هلال ، عن وهيب به .
وأخرجه النسائي فيه عن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الزهري ، عن سفيان به ، وعن الحسن بن محمد ، عن عفان ، عن وهيب به . ( ذكر لغاته ) : قوله : ( فرصة ) المشهور فيه كسر الفاء وسكون الراء ، قال مسدد : كان أبو عوانة يقول : فرصة ، وكان أبو الأحوص يقول : فرصة . وقال ابن سيده : فرص الجلد فرصا قطعه ، والمفراص الحديدة التي يقطع بها ، والفرصة والفرصة والفرصة الأخيرتان عن كراع : القطعة من الصوف أو القطن .
وقال كراع : هي الفرصة بالفتح ، والفرصة القطعة من المسك ، عن الفارسي ، حكاه في البصريات . وقال أبو علي الهجري في كتاب ( الأمالي ) : وقد فرص يفرص لزيد من حقه يعني قطع له منه شيئا . وقال أبو سليمان : يفرص وأفرص لزيد فريصة من حقه بجر الفاء لا اختلاف فيها ، وافترص لي من حقي فرصة الفرصة الخرقة التي تستعملها الحائض لتعرق التبرأة ونقاءها عند الحيض في آخره ، وفي غريب أبي عبيد : هي القطعة من الصوف أو القطن أو غير ذلك ، وفي الباهر لابن عديس والفرص بالكسر والصاد جمع الفرصة ، وهي القطعة من المسك ، وأنكر ابن قتيبة كونها بالفاء .
وقال : إنما هي قرضة بالقاف والضاد المعجمة وهي القطعة . وقال بعضهم : إنما هي قرصة بقاف وصاد مهملة . وقال المنذري : أي شيئا يسيرا مثل القرصة بطرف الإصبعين .
قوله : ( من مسك ) يعني دم الغزال المعروف . وقال بعضهم : ميمه مفتوحة ، أي : جلد عليه شعر ، قال القاضي عياض : وهي رواية الأكثرين ، وأنكرها ابن قتيبة . وقال : المسك لم يكن عندهم من ج٣ / ص٢٨٦السعة بحيث يمتهنونه في هذا ، والجلد ليس فيه ما يميز غيره فيختص به ، قال : وإنما أراد فرصة من شيء صوف أو قطن أو خرقة أو نحوه ، يدل عليه الرواية الأخرى : فرصة ممسكة بضم الميم الأولى وفتح الثانية وتشديد السين مع فتحها ، أي : قطعة من صوف أو نحوها مطيبة بالمسك ، وروى بعضهم ممسكة بضم الميم الأولى وسكون الثانية وسين مخففة مفتوحة ، وقيل : مكسورة ، أي : من الإمساك ، وفي بعض الروايات : خذي فرصة ممسكة فتحملي بها ، قيل : أراد الخلق التي أمسكت كثيرا ، فإنه أراد أن لا تستعمل الجديد من القطن وغيره للارتفاق به ، ولأن الخلق أصلح لذلك ، ووقع في كتاب عبد الرزاق يعني بالفرصة المسك ، قال بعضهم : هي الذريرة ، وفي الأوسط للطبراني : خذي سكيكك .
( ذكر معانيه ) : قولها : ( أن امرأة ) ، زاد في رواية وهيب : من الأنصار ، وسماها مسلم في رواية الأحوص عن إبراهيم بن مهاجر أسماء بنت شكل بفتح الشين المعجمة والكاف ، وفي آخره لام ، ولم يسم أباها في رواية غندر عن شعبة ، عن إبراهيم . وقال الخطيب : أسماء بنت يزيد ، وجزم به الأنصارية التي يقال لها خطيبة النساء ، وتبعه ابن الجوزي في التنقيح والدمياطي ، وزاد أن الذي وقع في مسلم تصحيف ، ويحتمل أن يكون شكل لقبا لا اسما ، والمشهور في المسانيد والمجامع في هذا الحديث أسماء بنت شكل كما في مسلم وأسماء بغير نسب كما في أبي داود ، وكذا في مستخرج أبي نعيم من الطريق التي أخرجه منها الخطيب . وحكى النووي في شرح مسلم الوجهين من غير ترجيح ، وتبع رواية مسلم جماعات منهم ابن طاهر وأبو موسى في كتابه معرفة الصحابة ، وصوب بعض المتأخرين ما قاله الخطيب لأنه ليس في الأنصار من اسمه شكل ، وفي التوضيح : ويجوز تعدد الواقعة ويؤيده تفريق ابن منده بين الترجمتين ، وابن سعيد والطبراني وغيرهما لم يذكروا هذا الحديث في ترجمة بنت يزيد ، ولم ينفرد مسلم بذلك ، فقد أخرجه ابن أبي شيبة في مسنده وأبو نعيم في مستخرجه كما ذكره مسلم سواء .
قولها : من المحيض ، وفي رواية : من الحيض ، وكلاهما مصدران . قولها : قال : خذي هو بيان لأمرها . وقال الكرماني : فإن قلت : كيف يكون بيانا للاغتسال ، وهو إيصال الماء إلى جميع البشرة لا أخذ الفرصة ؟ قلت : السؤال لم يكن عن نفس الاغتسال ؛ لأن ذلك معلوم لكل أحد ، بل إنما كان ذلك مختصا بغسل الحيض ، فلذلك أجاب به أو هو جملة حالية لا بيانية .
انتهى . قلت : هذا الجواب غير كاف لأنها سألت عن غسلها من المحيض ، وليس هذا إلا سؤالا عن ماهية الاغتسال ، فلذلك قال صلى الله تعالى عليه وسلم في جوابه إياها : فأمرها كيف تغتسل ، يعني قال لها : اغتسلي كذا وكذا ، وهذا بمعناه ، ثم قوله : ( خذي ) فرصة من مسك ، ليس ببيان للاغتسال المعهود . وقوله : ( ذلك معلوم لكل أحد ) فيه نظر لأنه يحتمل أن لا يكون معلوما لها على ما ينبغي أو كان في اعتقادها أن الغسل عن المحيض خلاف الغسل عن الجنابة ، فلذلك قالت عائشة : سألت النبي عليه الصلاة والسلام عن غسلها من المحيض ، والأوجه عندي أن الذي رواه البخاري مختصر عن أصل هذا الحديث .
وفيه بيان كيفية الغسل وغيره على ما رواه مسلم أن أسماء سألت عن غسل المحيض ، فقال : تأخذ إحداكن ماءها وسدرها فتطهر فتحسن الطهور ، ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكا شديدا حتى تبلغ شؤون رأسها ، ثم تصب عليها الماء ، ثم تأخذ فرصة ممسكة فتطهر بها ، فقالت أسماء : وكيف أتطهر بها ؟ فقال : سبحان الله تطهرين بها ، فقالت عائشة كأنها تخفي ذلك : تتبعين بها أثر الدم . وسألته غسل الجنابة ، فقال : تأخذ ماء فتطهر فتحسن الطهور أو تبلغ الطهور ، ثم تصب على رأسها ، فتدلكه حتى تبلغ شؤون رأسها ، ثم تفيض عليها الماء ، فقالت عائشة : نعم النساء نساء الأنصار لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين . قولها : فتطهري بها ، قال في الرواية التي بعدها : فتوضئي ثلاثا .
قوله : ( سبحان الله ) ، وزاد في الرواية الآتية : ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم استحيا فأعرض بوجهه ، وفي رواية الإسماعيلي : فلما رأيته يستحي علمتها ، وزاد الدارمي : وهو يسمع ولا ينكر ، وقد ذكرنا أن سبحان الله في مثل هذا الموضع يراد بها التعجب ، ومعنى التعجب هنا كيف يخفى مثل هذا الظاهر الذي لا يحتاج الإنسان في فهمه إلى فكر . قوله : ( فجذبتها ) ، وفي بعض الرواية : فاجتبذتها ، وفي رواية : فاجتذبتها ، يقال : جذبت واجتذبت واجتبذ ، وهو مقول عائشة رضي الله تعالى عنها . قوله : ( تتبعي ) ، أمر من التتبع ، وهو المراد من : "تطهري" .
قوله : ( أثر الدم ) مقول : تتبعي . وقال النووي : المراد به عند العلماء الفرج . وقال المحاملي : يستحب لها أن تطيب كل موضع أصابه الدم من بدنها ، قال : ولم أره لغيره ويؤيد ما قاله المحاملي رواية الإسماعيلي : تتبعي بها مواضع الدم .
ج٣ / ص٢٨٧بيان استنباط الأحكام : فيه استحباب التطيب للمغتسلة من الحيض والنفاس على جميع المواضع التي أصابها الدم من بدنها قال المحاملي : لأنه أسرع إلى العلوق ، وأدفع للرائحة الكريهة ، واختلف في وقت استعمالها لذلك ؛ فقال بعضهم : بعد الغسل . وقال آخرون : قبله . وفيه أنه لا عار على من سأل عن أمر دينه .
وفيه استحباب تطييب فرج المرأة بأخذ قطعة من صوف ونحوها ، وتجعل عليها مسكا أو نحوه ، وتدخلها في فرجها بعد الغسل والنفساء مثلها . وفيه التسبيح عند التعجب . وفيه استحباب الكنايات بما يتعلق بالعورات .
وفيه سؤال المرأة العالم ، عن أحوالها التي تحتشم منها ، ولهذا قالت عائشة في نساء الأنصار : لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين . وفيه الاكتفاء بالتعريض والإشارة في الأمور المستهجنة . وفيه تكرير الجواب لإفهام السائل .
وفيه تفسير كلام العالم بحضرته لمن خفي عليه إذا عرف أن ذلك يعجبه . وفيه أن السائل إذا لم يفهم فهمه بعض من في مجلس العالم والعالم يسمع ، وأن ذلك سماع من العالم يجوز أن يقول فيه حدثني وأخبرني . وفيه الأخذ عن المفضول مع وجود الفاضل وحضرته .
وفيه صحة العرض على المحدث إذا أقره ولو لم يقل عقيبه نعم . وفيه أنه لا يشترط فهم السامع لجميع ما يسمعه . وفيه الرفق بالمتعلم وإقامة العذر لمن لا يفهم .
وفيه أن المرء مطلوب بستر عيوبه . وفيه دلالة على حسن خلقه عليه الصلاة والسلام .