باب امتشاط المرأة عند غسلها من المحيض
( باب امتشاط المرأة عند غسلها من المحيض ) 21 - حدثنا موسى بن إسماعيل قال : حدثنا إبراهيم ، قال : حدثنا ابن شهاب ، عن عروة : أن عائشة قالت : أهللت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع ، فكنت ممن تمتع ولم يسق الهدي ، فزعمت أنها حاضت ولم تطهر حتى دخلت ليلة عرفة ، فقالت : يا رسول الله هذه ليلة عرفة ، وإنما كنت تمتعت بعمرة ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : انقضي رأسك وامتشطي ج٣ / ص٢٨٨وأمسكي عن عمرتك ، ففعلت ، فلما قضيت الحج أمر عبد الرحمن ليلة الحصبة فأعمرني من التنعيم مكان عمرتي التي نسكت .
قال الداودي ومن تبعه : ليس فيه دليل على الترجمة ؛ لأن أمرها بالامتشاط كان للإهلال وهي حائض لا عند غسلها أجاب الكرماني عن هذا بأن الإحرام بالحج يدل على غسل الإحرام ؛ لأنه سنة ، ولما سن الامتشاط عند غسله فعند غسل الحيض بالطريق الأولى ؛ لأن المقصود منه التنظيف ، وذلك عند إرادة إزالة أثر الحيض الذي هو نجاسة غليظة أهم أو لأنه إذا سن في النفل ففي الفرض أولى ، وقيل : إن الإهلال بالحج يقتضي الاغتسال صريحا في هذه القصة فيما أخرجه مسلم من طريق ابن الزبير ، عن جابر ، ولفظه : فاغتسلي ، ثم أهلي بالحج . وقيل : جرت عادة البخاري في كثير من التراجم أنه يشير إلى ما تضمنه بعض طرق الحديث ، وإن لم يكن منصوصا فيما ساقه كما ذكرنا في باب المرأة نفسها . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة : الأول : موسى بن إسماعيل النبوذكي .
الثاني : إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف المدني نزيل بغداد . الثالث : محمد بن مسلم بن شهاب الزهري . الرابع : عروة بن الزبير بن العوام .
الخامس : عائشة رضي الله تعالى عنها . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع . وفيه العنعنة في موضعين .
وفيه أن رواته ما بين بصري ومدنيين . وفيه أن إبراهيم يروي عن الزهري بلا واسطة ، وروي عنه في باب تفاضل أهل الإيمان بواسطة ، روى عن صالح ، عن الزهري . ( ذكر معانيه ) : قولها : أهللت ، أي : أحرمت ورفعت الصوت بالتلبية ، قولها : فيمن تمتع : فيه التفات من المتكلم إلى الغائب ؛ لأن أصله أن يقال : تمتعت ، ولكن ذكر باعتبار لفظ من قولها: الهدي بفتح الهاء وسكون الدال وبكسرها مع تشديد الياء ، وهو اسم لما يهدى إلى مكة من الأنعام .
قال الكرماني . قوله : ( ولم يسق الهدي ) كالتأكيد لبيان التمتع ؛ إذ المتمتع لا يكون معه الهدي ، قلت : المتمتع على نوعين : أحدهما أنه يسوق الهدي معه والآخر لا يسوق ، وحكمهما مختلف كما ذكر في فروع الفقه . قولها : ( فزعمت ) ، إنما لم يقل : فقالت ؛ لأنها لم تتكلم به صريحا ، إذ هو مما يستحى في تصريحه .
قوله : ( وقالت ) ، عطف على حاضت ، ويروى : قالت بغير عطف . قولها : ( تمتعت بعمرة ) تصريح بما علم ضمنا ؛ إذ التمتع هو أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج من على مسافة القصر من الحرم ، ثم يحرم بالحج في سنة تلك العمرة بلا عود إلى ميقات ، وبعد ففي هذا الكلام مقدر تقديره : تمتعت بعمرة وأنا حائض . قوله : ( انقضي ) بضم القاف ، وفي بعض الروايات انفضي بالفاء ، والمضاف محذوف ، أي : شعر رأسك .
قولها : ( ففعلت ) ، أي : فعلت النقض والامتشاط والإمساك ، وها هنا أيضا مقدر ، وهو في قولها: فلما قضيت الحج ، أي : بعد إحرامي به وقضيت ، أي : أديت . قولها : ( أمر عبد الرحمن ) ؛ أي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله تعالى عنهما . قولها : ليلة الحصبة ، بفتح الحاء وسكون الصاد المهملتين ، ثم بالباء الموحدة ، وهي الليلة التي نزلوا فيها في المحصب ، وهو المكان الذي نزلوه بعد النفر من منى خارج مكة ، وهي الليلة التي بعد أيام التشريق ، سميت بذلك لأنهم نفروا من منى ، فنزلوا في المحصب ، وباتوا به والحصبة والحصباء والأبطح والبطحاء والمحصب وخيف بني كنانة يراد بها موضع واحد ، وهو بين مكة ومنى .
قولها : ( فأعمرني ) ، ويروى : فاعتمرني . قولها : من التنعيم ، وهو تفعيل من النعمة ، وهو موضع على فرسخ من مكة على طريق المدينة . وفيه مسجد عائشة رضي الله تعالى عنها .
قولها : ( التي نسكت ) : من النسك ، كذا هو في رواية الأكثرين ، ومعناه : أحرمت بها ، أو قصدت النسك بها ، وفي رواية أبي زيد المروزي : سكت من السكوت ، أي : عمرتي التي تركت أعمالها وسكت عنها ، وروى القابسي : شكت بالشين المعجمة ، أي : شكت العمرة من الحيض ، وإطلاق الشكاية عليها كناية عن إخلالها وعدم بقاء استقلالها ، ويجوز أن يكون الضمير فيه راجعا إلى عائشة ، وكان حقه التكلم ، وذكره بلفظ الغيبة التفاتا . ( ذكر استنباط الأحكام ) : الأول : أن ظاهر هذا الحديث أن عائشة رضي الله تعالى عنها أحرمت بعمرة أولا ، وهو صريح حديثها الآتي في الباب الذي بعده ، لكن قولها في الحديث الذي مضى : خرجنا مع رسول الله صلى الله تعالى ج٣ / ص٢٨٩عليه وسلم ، لا نذكر إلا الحج ، وقد اختلفت الروايات ، عن عائشة في ما أحرمت به اختلافا كثيرا ، كما ذكره القاضي عياض : ففي رواية عروة : فأهللنا بعمرة ، وفي رواية أخرى : ولم أهل إلا بعمرة ، وفي رواية لا نذكر إلا الحج ، وفي أخرى : لا نرى إلا الحج ، وفي رواية القاسم عنها : لبينا بالحج ، وفي أخرى : مهلين بالحج ، واختلف العلماء في ذلك فمنهم من رجح روايات الحج ، وغلط روايات العمرة ، وإليه ذهب إسماعيل القاضي ، ومنهم من جمع لثقة رواتها : لأنها أحرمت أولا بالحج ولم تسق الهدي ، فلما أمر الشارع من لم يسق الهدي بفسخ الحج إلى العمرة إن شاء ، فسخت هي فيمن فسخ ، وجعلته عمرة وأهلت بها ، ثم إنها لم تحل منها حتى حاضت ، فتعذر عليها إتمامها والتحلل منها ، فأمرها أن تحرم بالحج ، فأحرمت ، فصارت قارنة ، ووقفت وهي حائض ، ثم طهرت يوم النحر ، فأفاضت . وذكر ابن حزم أنه صلى الله عليه وسلم خيرهم بسرف بين فسخه إلى العمرة والتمادي عليه ، وأنه بمكة أوجب عليهم التحلل إلا من صح معه الهدي ، والصحيح أنها حاضت بسرف أو قريب منها ، فلما قدم مكة قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : اجعلوها عمرة .
وقال أبو عمر : الاضطراب عن عائشة في حديثها في الحج عظيم ، وقد أكثر العلماء في توجيه الروايات فيه ، ودفع بعضهم بعضا فيه ببعض ، ولم يستطيعوا الجمع بينها ، ورام قوم الجمع في بعض معانيها ، روى محمد بن عبيد ، عن حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن ابن أبي مليكة قال : ألا تعجب من اختلاف عروة والقاسم ، قال القاسم : أهلت عائشة بالحج . وقال عروة : أهلت بالعمرة ، وذكر الحارث بن مسكين ، عن يوسف بن عمرو ، عن ابن وهب ، عن مالك أنه قال : ليس العمل في رفض العمرة ؛ لأن العمل عليه عنده في أشياء كثيرة ، منها أنه جائز للإنسان أن يهل بعمرة . ومنها : أن القارن يطوف واحدا أو غير ذلك .
وقال ابن حزم في المحلى : حديث عروة ، عن عائشة منكر ، وخطأ عند أهل العلم بالحديث ، ثم روى بإسناده إلى أحمد بن حنبل فذكر حديث مالك ، عن أبي الأسود ، عن عروة ، عن عائشة : ( خرجنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عام حجة الوداع ) الحديث ، فقال أحمد : أشعر في هذا الحديث من العجب خطأ ، قال الأثرم : فقلت له الزهري ، عن عروة ، عن عائشة بخلافه قال : نعم . وهشام بن عروة،
وفي التمهيد دفع الأوزاعي والشافعي وأبو ثور وابن علية حديث عروة هذا ، وقالوا : هو غلط لم يتابع عروة على ذلك أحد من أصحاب عائشة . وقال إسماعيل بن إسحاق : قد اجتمع هؤلاء يعني القاسم والأسود وعمرة على أن أم المؤمنين كانت محرمة بحجة لا بعمرة ، فعلمنا بذلك أن الرواية عن عروة غلط.
الثاني : أن ظاهر قولها : ( يا رسول الله هذه ليلة عرفة إلى آخره ) يدل على أنه عليه الصلاة والسلام أمرها برفض عمرتها ، وأن تخرج منها قبل تمامها ، وفي التوضيح وبه قال الكوفيون في المرأة تحيض قبل الطواف وتخشى فوات الحج أنها ترفض العمرة . وقال الجمهور : إنها تردف الحج ، وتكون قارنة ، وبه قال الشافعي ومالك وأبو حنيفة وأبو ثور ، وحمله بعض المالكية على أنه صلى الله عليه وسلم أمرها بالإرداف لا بنقض العمرة ، واعتذروا عن هذه الألفاظ بتأويلات : أحدها أنها كانت مضطرة إلى ذلك ، فرخص لها كما رخص لكعب بن عجرة في الحلق للأذى ، ثانيها أنه خص بها ، ثالثها أن المراد بالنقض والامتشاط تسريح الشعر لغسل الإهلال بالحج ، ولعلها كانت لبدت رأسها ولا يتأتى إيصال الماء إلى البشرة مع التلبيد إلا بحل الظفر والتسريح ، وقد اختلف العلماء في نقض المرأة شعرها عند الاغتسال ، فأمر به ابن عمر والنخعي ووافقهما طاوس في الحيض دون الجنابة ، ولا يتبين بينهما فرق ، ولم توجبه عليها فيها عائشة وأم سلمة وابن عمر وجابر ، وبه قال مالك والكوفيون والشافعي وعامة الفقهاء ، والعبرة بالوصول فإن لم يصل فتنقض . الثالث : أن قول عائشة : ( تمتعت بعمرة ) يدل على أنها كانت معتمرة أولا .
قال النووي : فإن قلت : أصح الروايات عن عائشة أنها قالت : ( لا نرى إلا الحج ، ولا نذكر إلا الحج ، وخرجنا مهلين بالحج ) ، فكيف الجمع بينها وبين ما قالت : ( تمتعت بعمرة ) ؟ قلت : الحاصل أنها أحرمت بالحج ، ثم فسخته إلى العمرة حين أمر الناس بالفسخ ، فلما حاضت وتعذر عليها إتمام العمرة أمرها النبي صلى الله عليه وسلم بالإحرام بالحج ، فأحرمت به فصارت مدخلة الحج على العمرة وقارنة لما ثبت من قوله صلى الله عليه وسلم : ( يكفيك طوافك لحجك وعمرتك ، ومعنى : ( أمسكي من عمرتك ) ، ليس إبطال لها بالكلية ، والخروج منها بعد الإحرام بنية الخروج ، وإنما تخرج منها بالتحلل بعد فراغها بل معناه : أمضي العمل فيهما وإتمام أفعالها ، وأعرضي عنها ، ولا يلزم من نقض الرأس والامتشاط إبطال العمرة ؛ لأنها جائزان عندنا في الإحرام بحيث لا ينتف شعر الكن يكره الامتشاط إلا لعذر ، وتأولوا فعلها على أنها كانت معذورة بأن كان برأسها أذى . وقيل : ليس المراد ج٣ / ص٢٩٠بالامتشاط حقيقته بل تسريح الشعر بالأصابع للغسل لإحرامها بالحج لا سيما إن كانت لبدت رأسها ، فلا يصح غسلها إلا بإيصال الماء إلى جميع شعرها ، ويلزم منه نقضه ، فإن قلت: إذا كانت قارنة فلم أمرها بالعمرة بعد الفراغ من الحج ؟ قلت معناه : أرادت أن يكون لها عمرة منفردة ، عن الحج كما حصل لسائر أمهات المؤمنين وغيرهن من الصحابة الذين فسخوا الحج إلى العمرة وأتموا العمرة ، ثم أحرموا بالحج ، فحصل لهم عمرة منفردة ، وحج منفرد ، فلم يحصل لها إلا عمرة مندرجة في حجة القران ، فاعتمرت بعد ذلك مكان عمرتها التي كانت أرادت أولا حصولها منفردة غير مندرجة ، ومنعها الحيض منه ، وإنما فعلت كذلك حرصا على كثرة العبادات انتهى . قلت : المشهور الثابت أن عائشة كانت منفردة بالحج ، وأنه عليه الصلاة والسلام أمرها برفض العمرة .
وقولها في الحديث : ( وأرجع بحجة واحدة ) ، دليل واضح على ذلك ، وقولها : ( ترجع صواحبي بحج وعمرة ، وأرجع أنا بالحج ) صريح في رفض العمرة ؛ إذ لو دخل الحج على العمرة لكانت هي وغيرها سواء ، ولما احتاجت إلى عمرة أخرى بعد العمرة والحج الذي فعلتهما . وقوله صلى الله عليه وسلم : عند عمرتها الأخيرة : ( هذه مكان عمرتك ) ، صريح في أنها خرجت من عمرتها الأولى ورفضتها ؛ إذ لا تكون الثانية مكان الأولى ، والأولى منفردة ، وفي بعض الروايات هذه قضاء من عمرتك ، فإن قلت : قال البيهقي في المعرفة معنى قوله : ( ودعي العمرة ) أمسكي عن أفعالها وأدخلي عليها الحج . قلت : هذا خلاف حقيقة قوله : ( دعي العمرة ) ، بل حقيقته أنه أمرها برفض العمرة بالحج ، وقوله : ( انقضي رأسك وامتشطي ) يدل على ذلك ويدفع تأويل البيهقي بالإمساك عن أفعال العمرة ؛ إذ المحرم ليس له أن يفعل ذلك .
فإن قلت : قال الشافعي : لا يعرف في الشرع رفض العمرة بالحيض . قلت : قال القدوري في التجريد ما رفضتها بالحيض لكن تعذرت أفعالها وكانت ترفضها بالوقوف فأمرهم بتعجيل الرفض .