باب كيف فرضت الصلوات في الإسراء
( حدثنا عبد الله بن يوسف ، قال : أخبرنا مالك عن صالح بن كيسان عن عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين ، قالت : فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين في الحضر والسفر ، فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر ) . مطابقته للترجمة ظاهرة ( ذكر رجاله ) وهم خمسة كلهم قد ذكروا ، وعبد الله بن يوسف التنيسي ومالك بن أنس . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه : التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد ، وكذلك الإخبار في موضع واحد ، وفيه : العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه : أن رواته ما بين مصري ومدني ، وهذا من مراسيل عائشة ؛ لأنها لم تدرك القصة ، ويحتمل أن تكون أخذت ذلك من النبي - صلى الله عليه وسلم - أو من صحابي آخر ، وعلى كل حال فهو حجة لأن هذا مما لا مجال للرأي فيه .
( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في الهجرة عن مسدد عن يزيد بن زريع عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة ، قالت : فرضت الصلاة ركعتين ، ثم هاجر النبي - صلى الله عليه وسلم - ففرضت أربعا ، وأخرجه مسلم في الصلاة عن يحيى بن يحيى وأبو داود فيه عن القعنبي والنسائي فيه عن قتيبة أربعتهم عن مالك عن صالح بن كيسان به . ( ذكر معناه وما يستنبط منه ) قولها: فرض الله أي قدر الله ، والفرض في اللغة التقدير ، هكذا فسره أبو عمر . قولها : الصلاة أي الصلاة الرباعية ، وذلك لأن الثلاثة وتر صلاة النهار ، وأشار إلى ذلك في رواية أحمد من حديث ابن إسحاق قال : حدثني صالح بن كيسان عن عروة إلى آخره وفيه إلا المغرب فإنها كانت ثلاثا وذكر الداودي أن الصلوات زيدت فيها ركعتان ركعتان ، وزيدت في المغرب ركعة ، وفي سنن البيهقي من حديث داود بن أبي هند عن عامر عن مسروق عن عائشة قالت : إن أول ما فرضت الصلاة ركعتين ، فلما قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة واطمأن زاد ركعتين غير المغرب ؛ لأنها وتر صلاة الغداة ، قالت : وكان إذا سافر صلى الصلاة الأولى ، قولها : ركعتين ركعتين بالتكرار ليفيد عموم التثنية لكل صلاة لأن قاعدة كلام العرب أن تكرار الاسم المراد تقسيم الشيء عليه ، ولولاه لكان فيه إيهام أن الفريضة في السفر والحضر ما كانت إلا فرد ركعتين فقط ، وانتصب ركعتين ركعتين على الحالية ، والتكرار في الحقيقة عبارة عن كلمة واحدة نحو مثنى ، ونظيرها قولك هذا مزاي قائم مقام الحلو والحامض .
قولها : وزيد في صلاة الحضر يعني زيدت فيها حتى تكملت خمسا ، فتكون الزيادة في عدد الصلوات ، ويكون قولها فرضت الصلاة ركعتين أي قبل الإسراء لأن الصلاة قبل الإسراء كانت صلاة قبل غروب الشمس وصلاة قبل طلوعها ، ويشهد له قوله تعالى وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ ، قاله أبو إسحاق الحربي ويحيى بن سلام ، وقال بعضهم : يجوز أن يكون معنى فرضت الصلاة أي ليلة الإسراء حين فرضت الصلاة الخمس فرضت ركعتين ركعتين ثم زيد في صلاة الحضر بعد ذلك ، فتكون الزيادة في عدد الركعات ، وهذا هو المروي عن بعض رواة هذا الحديث عن عائشة . وممن رواه هكذا الحسن والشعبي أن الزيادة في الحضر كانت بعد الهجرة بعام أو نحوه ، وقد ذكر البخاري من رواية معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت : فرضت الصلاة الحديث وقد ذكرناه عن قريب ، وقال بعضهم : فرضت الصلاة ركعتين ، يعني إن اختار المسافر أن يكون فرضه ركعتين فله ذلك وإن اختار أن يكون أربعا فله ذلك ، وقيل : يحتمل أن تريد بقولها فرضت الصلاة أي قدرت ثم تركت صلاة السفر على هيئتها في المقدار لا في الإيجاب . والفرض في اللغة التقدير ، وقال النووي : يعني فرضت الصلاة ركعتين لمن أراد الاقتصار عليهما فزيد في صلاة الحضر ركعتان على سبيل التحتيم ، وأقرت صلاة السفر على جواز الاقتصار ، واحتج أصحابنا بهذا الحديث أعني قول عائشة - رضي الله تعالى عنها - المذكور في هذا الباب على أن القصر في السفر عزيمة لا رخصة ، وبما رواه مسلم أيضا عن مجاهد عن ابن عباس قال : فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربع ركعات ، وفي السفر ركعتين ، وفي الخوف ركعة ورواه الطبراني في معجمه بلفظ افترض رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - ركعتين في السفر كما افترض في الحضر أربعا وبما رواه النسائي وابن ماجه عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عمر - رضي الله تعالى عنه - قال : صلاة السفر ركعتان ، وصلاة الأضحى ركعتان ، وصلاة الفطر ركعتان ، وصلاة الجمعة ركعتان ، تمام غير قصر على لسان نبيكم محمد - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - ورواه ابن حبان في صحيحه ، ولم يقدحه بشيء ( فإن قلت ) قال النسائي : فيه انقطاع ؛ لأن ابن أبي ليلى لم يسمعه من عمر ( قلت ) حكم مسلم في مقدمة كتابه بسماع ابن أبي ليلى من عمر ، وصرح في بعض طرقه فقال : عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : سمعت عمر بن الخطاب ، فذكره ، ويؤيد ذلك ما أخرجه أبو يعلى الموصلي في مسنده عن الحسين بن واقد عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت أن عبد الرحمن بن أبي ليلى حدثه ، قال : خرجت مع عمر بن الخطاب فذكره ، وقال الشافعي ومالك وأحمد : القصر رخصة .
واحتجوا بحديث أخرجه أبو داود بإسناده عن يعلى بن أمية قال : ( قلت ) لعمر بن الخطاب عجبت من اقتصار الناس الصلاة اليوم وإنما قال الله تعالى إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فقد ذهب ذلك اليوم ، فقال : عجبت مما عجبت منه فذكرت ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : صدقة تصدق الله بها عليكم ، فاقبلوا صدقته وأخرجه مسلم أيضا والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان ، وبما أخرجه الدارقطني عن عمر بن سعيد عن عطاء بن أبي رباح عن عائشة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقصر في الصلاة ويتم ويفطر ويصوم ، وقال الدارقطني : إسناده صحيح ، وقد رواه البيهقي عن طلحة بن عمرو ، ودلهم بن صالح ، والمغيرة بن زياد ، وثلاثتهم ضعفاء عن عطاء عن عائشة قال : والصحيح عن عائشة موقوف . والجواب عن الحديث الأول أنه حجة لنا ؛ لأنه أمر بالقبول فلا يبقى خيار الرد شرعا إذ الأمر للوجوب ( فإن قلت ) المتصدق عليه يكون مختارا في قبول الصدقة كما في المتصدق عليه من العباد ( قلت ) معنى قوله : تصدق الله بها عليكم حكم عليكم لأن التصدق من الله فيما لا يحتمل التمليك يكون عبارة عن الإسقاط كالعفو من الله . والجواب عن الحديث الثاني أنه معارض بحديث آخر أخرجه البخاري ومسلم عن حفص بن عاصم عن ابن عمر قال : صحبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في السفر ، فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله ، وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله تعالى ، وصحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله تعالى ، وقد قال الله تعالى لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ وإليه ذهب علماء أكثر السلف ، وفقهاء الأمصار أي إلى أن القصر واجب ، وهو قول عمر ، وعلي ، وابن عمر ، وجابر ، وابن عباس ، روي ذلك عن عمر بن عبد العزيز ، والحسن ، وقتادة ، وقال حماد بن أبي سليمان : يعيد من صلى في السفر أربعا ، وعن مالك يعيد ما دام في الوقت .
وقال أحمد : السنة ركعتان ، وقال مرة أخرى : أنا أحب العافية من هذه المسألة ، وقال الخطابي : والأولى أن يقصر المسافر الصلاة ؛ لأنهم أجمعوا على جوازها إذا قصر واختلفوا فيما إذا أتم والإجماع مقدم على الاختلاف ، وسقط بهذا كله ما قاله بعضهم ، ويدل على أنه - أي القصر - رخصة أيضا ، قوله - عليه الصلاة والسلام - : صدقة تصدق الله بها عليكم ، وقال أيضا : احتج مخالفهم - أي مخالف الحنفية - بقوله تعالى فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ لأن القصر إنما يكون من شيء أطول منه ( قلت ) الجواب عنه أن المراد من القصر المذكور فيها هو القصر في الأوصاف من ترك القيام إلى القعود ، أو ترك الركوع والسجود إلى الإيماء لخوف العدو بدليل أنه علق ذلك بالخوف إذ قصر الأصل غير متعلق بالخوف بالإجماع بل متعلق بالسفر ، وعندنا قصر الأوصاف مباح لا واجب ، مع أن رفع الجناح في النص لدفع توهم النقصان في صلاتهم بسبب دوامهم على الإتمام في الحضر ، وذلك مظنة توهم النقصان ، فرفع ذلك عنهم ، وقال هذا القائل أيضا ، والزموا الحنفية على قاعدتهم فيما إذا عارض رأي الصحابي روايته ، فالعبرة بما روي بأنه ثبت عن عائشة أنها كانت تتم في السفر ( قلت ) قاعدة الحنفية على أصلها ، ولا يلزم من إتمام عائشة في السفر النقض على القاعدة ؛ لأن عائشة كانت ترى القصر جائزا والإتمام جائزا ، فأخذت بأحد الجائزين ، وإنما يرد على قاعدتنا ما ذكره أن لو كانت عائشة تمنع الإتمام ، وكذلك الجواب في إتمام عثمان - رضي الله تعالى عنه - ، وهذا هو الذي ذكره المحققون في تأويلهما ، وقيل : لأن عثمان إمام المؤمنين وعائشة أمهم فكأنهما كانا في منازلهما ، وأبطل بأنه - عليه الصلاة والسلام - كان أولى بذلك منهما ، وقيل : لأن عثمان تأهل بمكة ، وأبطل بأنه - صلى الله عليه وسلم - سافر بأزواجه وقصر ، وقيل : فعل ذلك من أجل الأعراب الذين حضروا معه لئلا يظنون أن فرض الصلاة ركعتان أبدا سفرا وحضرا ، وأبطل بأن هذا المعنى إنما كان موجودا في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - بل اشتهر أمر الصلاة في زمن عثمان أكثر مما كان ، وقيل : لأن عثمان نوى الإقامة بمكة بعد الحج وأبطل بأن الإقامة بمكة حرام على المهاجر فوق ثلاث ، وقيل : كان لعثمان أرض بمنى ، وأبطل بأن ذلك لا يقتضي الإتمام والإقامة .