حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب وجوب الصلاة في الثياب

( باب وجوب الصلاة في الثياب ) أي هذا باب في بيان وجوب الصلاة في الثياب ، والمراد ستر العورة ، وقال أبو الوليد بن رشد في القواعد : اتفق العلماء على أن ستر العورة فرض بإطلاق ، واختلفوا هل شرط من شروط صحة الصلاة أم لا ، وظاهر مذهب مالك أنها من سنن الصلاة ، مستدلا بحديث عمرو بن سلمة لما تقلصت بردته ، فقالت امرأة : غطوا عنا أست قارئكم ، وعند بعضهم شرط عند الذكر دون النسيان ، وعند أبي حنيفة والشافعي وعامة الفقهاء وأهل الحديث أن ذلك شرط في صحة الصلاة فرضها ونفلها ، وإنما قال في الثياب بلفظ الجمع نحو قولهم : فلان يركب الخيول ويلبس البرود . ووجه المناسبة بين البابين من حيث إنه ذكر في الباب السابق فرضية الصلاة ، وذكر في هذا أن ذلك الفرض لا يقوم إلا بستر العورة ؛ لأنه فرض مثلها . ( فإن قلت ) للصلاة شروط غير هذا فما وجه تخصيصه بالتقديم على غيره ؟ ( قلت ) لأنه ألزم من غيره ، وفي تركه بشاعة عظيمة بخلاف غيره من الشروط .

ج٤ / ص٥٤( وقول الله تعالى : خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ هذا عطف على قول وجوب الصلاة ، والتقدير : وفي بيان معنى قول الله تعالى : أراد بالزينة ما يوراي العورة ، وبالمسجد الصلاة ، ففي الأول إطلاق اسم الحال على المحل ، وفي الثاني إطلاق اسم المحل على الحال لوجود الاتصال الذاتي بين الحال والمحل ، وهذا لأن أخذ الزينة نفسها وهي عرض محال ، فأريد محلها وهو الثوب مجازا ، وكانوا يطوفون عراة ويقولون : لا نعبد الله في ثياب أذنبنا فيها فنزلت . لا يقال نزول الآية في الطواف فكيف يثبت الحكم في الصلاة لأنا نقول العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب ، وهذا اللفظ عام لأنه قال : عند كل مسجد ، ولم يقل عند المسجد الحرام ، فيعمل بعمومه ، ويقال : خُذُوا زِينَتَكُمْ من قبيل إطلاق المسبب على السبب لأن الثوب سبب الزينة ومحل الزينة الشخص ، وقيل : الزينة ما يتزين به من ثوب وغيره كما في قوله تعالى وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ والستر لا يجب لعين المسجد بدليل جواز الطواف عريانا ، فعلم من هذا أن ستره للصلاة لا لأجل الناس حتى لو صلى وحده ولم يستر عورته لم تجز صلاته وإن لم يكن عنده أحد ، وقال بعضهم بعد قوله وقول الله عز وجل : خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ يشير بذلك إلى تفسير طاوس في قوله تعالى خُذُوا زِينَتَكُمْ ، قال الثياب . ( قلت ) : هذا تخمين وحسبان وليس عليه برهان ، وقد اتفق العلماء على أن المراد منه ستر العورة ، وعن مجاهد : وار عورتك ولو بعباءة .

وفي مسلم من حديث أبي سعيد مرفوعا " لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ، ولا المرأة إلى عورة المرأة " ، وعن المسور قال له النبي - صلى الله عليه وسلم - " ارجع إلى ثوبك فخذه ولا تمشوا عراة " ، وفي صحيح ابن خزيمة عن عائشة يرفعه " لا يقبل الله صلاة امرأة قد حاضت إلا بخمار " وقال ابن بطال : أجمع أهل التأويل على أن نزولها في الذين كانوا يطوفون بالبيت عراة ، وقال ابن رشد : من حمله على الندب قال : المراد بذلك الزينة الظاهرة من الرداء وغيره من الملابس التي هي زينة مستدلا بما في الحديث أنه كان رجال يصلون مع النبي - صلى الله عليه وسلم - عاقدي أزرهم على أعناقهم كيهئة الصبيان ، ومن حمله على الوجوب استدل بحديث مسلم عن ابن عباس " كانت المرأة تطوف بالبيت عريانة فتقول : من يعيرني تطوافا ، وتقول :

اليوم يبدو بعضه أو كله
فنزلت خُذُوا زِينَتَكُمْ . ( ويذكر عن سلمة بن الأكوع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : يزره ولو بشوكة ) ( وفي إسناده نظر )
أي وفي إسناد الحديث المذكور نظر ، وجه النظر من موسى بن إبراهيم ، وزعم ابن القطان أنه موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي ، وهو منكر الحديث ، فلعل البخاري أراده ، فلذلك قال : في إسناده نظر ، وذكره معلقا بصيغة التمريض ، ولكن أخرجه ابن خزيمة في صحيحه عن نصر بن علي عن عبد العزيز عن موسى بن إبراهيم قال : سمعت سلمة ، وفي رواية " وليس على إلا قميص واحد أوجبه واحدة فأزره قال : نعم ، ولو بشوكة " ورواه ابن حبان أيضا في صحيحه عن إسحاق بن إبراهيم ، حدثنا ابن أبي عمر ، حدثنا عبد العزيز بن محمد ، عن موسى بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن ربيعة ، عن سلمة بن الأكوع ج٤ / ص٥٥" ( قلت ) يا رسول الله إني أكون في الصيد ، وليس علي إلا قميص واحد ، قال : فأزرره ولو بشوكة " رواه الحاكم في مستدركه ، قال : وهذا حديث مدني صحيح ، فظهر بهذه الرواية أن موسى ههنا غير موسى ذاك الذي ظنه ابن القطان ، وفيه ضعف أيضا لكنه دون ذاك ، وروى الطحاوي : حدثنا ابن أبي داود ، قال : حدثنا ابن قتيبة ، قال : أخبرنا الداراوردي عن موسى بن محمد بن إبراهيم عن أبيه عن سلمة بن الأكوع ، وهذا اختلاف آخر ، وقال بعضهم : من صحح هذا الحديث فقد اعتمد على رواية الدراوردي ( قلت ) يجوز أن يكون وجه ذلك اعتمادا على رواية موسى بن إبراهيم المخزومي لا على رواية موسى بن إبراهيم التيمي ، والمخزومي هو موسى بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي ، وهذا هو الوجه في تصحيح من صححه ، ويشهد لما قلنا رواية ابن حبان ، ولا يبعد أن يكون كل واحد من المخزومي والتيمي روى هذا الحديث عن سلمة بن الأكوع وحمل عنهما الدراوردي ورواه ، وقال هذا القائل ذكر محمد فيه شاذ ( قلت ) حكمه بشذوذه إن كان من جهة انفراد الطحاوي به فليس بشيء لأن الشاذ من ثقة مقبول
.

( ومن صلى في الثوب الذي يجامع فيه ما لم ير فيه أذى )

( وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن لا يطوف بالبيت عريان ) .

17 - ( حدثنا موسى بن إسماعيل قال : حدثنا يزيد بن إبراهيم عن محمد عن أم عطية ج٤ / ص٥٦قالت : أمرنا أن نخرج الحيض يوم العيدين وذوات الخدور فيشهدن جماعة المسلمين ودعوتهم ، ويعتزل الحيض عن مصلاهن ، قالت امرأة : يا رسول الله إحدانا ليس لها جلباب ، قال : لتلبسها صاحبتها من جلبابها ) .

( وقال عبد الله بن رجاء : حدثنا عمران حدثنا محمد بن سيرين حدثتنا أم عطية سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذا ) . هذا التعليق وصله الطبراني ، حدثنا علي بن عبد العزيز ، عن عبد الله بن رجاء ، فذكره ، وفائدته تصريح محمد بن سيرين بتحديث أم عطية له ، وبطل بهذا زعم بعضهم من أن محمدا إنما سمعه من أخته حفصة عن أم عطية ؛ لأنه تقدم قبل روايته له عن حفصة أخته عنها ولهذا قال الداودي الصحيح رواية ابن سيرين عن أم عطية وعبد الله بن رجاء بالمد هو الغداني بضم الغين المعجمة وتخفيف الدال المهملة وبعد الألف نون نسبة إلى غدانة ، وهو أشرس بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم ، هكذا وقع في أكثر الروايات عبد الله بن رجاء بدون النسبة ، ولكن المراد منه الغداني ، وقد وهم من قال إنه عبد الله بن رجاء المكي ، وعمران المذكور هو القطان والله أعلم .

ورد في أحاديث16 حديثًا
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث