حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب عقد الإزار على القفا في الصلاة

( باب عقد الإزار على القفا في الصلاة ) أي هذا باب في بيان عقد المصلي إزاره على قفاه ، والحال أنه داخل في الصلاة ، والقفا مقصور ، مؤخر العنق ، يذكر ويؤنث ، والجمع قفي مثل عصي جمع عصا ، وقد جاء أقفية على غير قياس . ووجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله وبين الأبواب الخمسة عشر التي بعده ظاهر لأن الكل في أحكام الثياب غير أنه تخلل فيها خمسة أبواب ذكرها وهي غير متعلقة بأحكام الثياب وهي : باب ما يذكر في الفخذ ، وباب الصلاة في المنبر والسطوح والخشب ، وباب الصلاة على الحصير ، وباب الصلاة على الخمرة ، وباب الصلاة على الفراش . أما مناسبة باب الفخذ بالباب الذي قبله هو أن المذكور فيه هو الصلاة في ثوب ملتحفا به لستر العورة ، والمذكور في الذي بعده حكم الفخذ وهو أنه عورة ، فإذا كان عورة يجب ستره ، والستر إنما يكون بالثياب فتحققت المناسبة بينهما من هذا الوجه ، وأما مناسبة باب الصلاة في المنبر بالباب الذي قبله هي أن الثوب فيه مستعل على الذي يصلي عليه فالمناسبة من حيث الاستعلاء متحققة وإن كان الاستعلاء في نفسه مختلفا .

وأما المناسبة بين الأبواب الثلاثة وهي باب الصلاة على الحصير ، وباب الصلاة على الخمرة والفراش فظاهرة جدا . وبقي وجه تخلل باب إذا أصاب ثوب المصلي امرأته إذا سجد ، ووجه ذلك أن السجدة فيه كانت على الخمرة ، وفي الباب الذي قبله كان على المنبر ج٤ / ص٥٧أو السطوح وكل منهما مسجد بفتح الميم ، فالمناسبة من هذه الجهة موجودة على أنا نقول : إن هذه الوجوه التي ذكرناها إقناعية وليست ببرهانية ، والاستئناس في مثل هذا بأدنى شيء كاف . ( وقال أبو حازم عن سهل صلوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - عاقدي أزرهم على عواتقهم ) هذا تعليق أخرجه المصنف مسندا في الباب الثالث وهو باب إذا كان الثوب ضيقا عن مسدد حدثنا يحيى عن سفيان ، قال : حدثنا أبو حازم عن سهل .

ومطابقته للترجمة ظاهرة ، وإنما ذكر بعض هذا الحديث ههنا معلقا مع أنه ذكره بتمامه في الباب الثالث لأجل الترجمة المذكورة ، وذكر هذه الترجمة لتأكيد ستر العورة ؛ لأنه إذا عقد إزاره في قفاه وركع لم تبد عورته ، وقال ابن بطال : عقد الإزار على القفا إذا لم يكن مع الإزار سراويل ، وأبو حازم بالحاء المهملة والزاي اسمه سلمة بن دينار الأعرج الزاهد المدني ، وسهل هو ابن سعد الساعدي ، أبو العباس الأنصاري الخزرجي ، وكان اسمه حزنا فسماه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سهلا ، مات سنة إحدى وتسعين ، وهو آخر من مات من الصحابة في المدينة . قوله : " صلوا " فعل ماض " وعاقدي أزرهم " أصله عاقدين أزرهم فلما أضيف سقطت منه النون وهي جملة حالية ، وفي رواية الكشميهني " عاقدوا أزرهم " فعلى هذا هو خبر مبتدأ محذوف أي صلوا وهم عاقدو أزرهم ، والأزر بضم الهمزة وسكون الزاي جمع إزار ، وفي المحكم الإزار الملحفة ، والجمع أزرة ، وأزر حجازية ، وأزر تميمية ، وهو يذكر ويؤنث ، قال الداودي : سمي إزارا لأنه يشد به الظهر ، قال تعالى : فَآزَرَهُ وهو المئزر واللحاف والقرام والمقرم والعواتق جمع العاتق ، وهو موضع الرداء من المنكبين ، فيذكر ويؤنث . 18 - ( حدثنا أحمد بن يونس قال : حدثنا عاصم بن محمد قال : حدثني واقد بن محمد عن محمد بن المنكدر ، قال : صلى جابر في إزار قد عقده من قبل قفاه وثيابه موضوعة على المشجب ، قال له قائل : تصلي في إزار واحد ؟ فقال : إنما صنعت ذلك ليراني أحمق مثلك ، وأينا كان له ثوبان على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ) .

مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة ( ذكر رجاله ) وهم خمسة ، الأول : أحمد بن يونس هو أحمد بن عبد الله بن يونس بن عبد الله بن قيس التميمي اليربوعي أبو عبد الله الكوفي ، وينسب إلى جده ، مات بالكوفة في ربيع الأول سنة سبع وعشرين ومائتين ، وهو ابن أربع وتسعين ، وقد تقدم ذكره في باب من قال : إن الإيمان هو العمل . الثاني : هو عاصم بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب . الثالث : واقد بن محمد أخو عاصم بن محمد ، وهو بكسر القاف وبالدال المهملة القريشي العدوي العمري المدني .

الرابع : محمد بن المنكدر التابعي المشهور ، تقدم في باب صب النبي - صلى الله عليه وسلم - وضوءه . الخامس : جابر بن عبد الله الأنصاري . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وفيه العنعنة في موضع واحد ، وفيه القول في ثلاثة مواضع ، وفيه أن رواته ما بين كوفي ومدني ، وفيه رواية الأخ عن الأخ وهما عاصم وواقد فإنهما أخوان ابنا محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر كما ذكرناه ، وفيه رواية التابعي عن التابعي من طبقة واحدة وهما واقد ومحمد بن المنكدر ، وهذا الطريق انفرد به البخاري .

( ذكر لغاته وإعرابه ) قوله : " من قبل قفاه " بكسر القاف وفتح الباء الموحدة بمعنى الجهة ، وكلمة " من " تتعلق بقوله : " عقده " وهذه الجملة في محل الجر لأنها صفة لإزار ، وقوله : " وثيابه موضوعة " جملة اسمية وقعت حالا ، قوله : " المشجب " بكسر الميم وسكون الشين المعجمة وفتح الجيم ، وفي آخره باء موحدة وهو ثلاث عيدان يعقد رؤوسها ويفرج بين قوائمها تعلق عليها الثياب ، وفي المحكم : الشجاب خشبات موثقة منصوبة توضع عليها الثياب ، والجمع شجب ، والمشجب كالشجاب وهو الخشبات الثلاث التي يعلق عليها الراعي دلوه وسقاه ، وفي كتاب المنتهى في اللغة يقال : فلان مثل المشجب من حيث أممته وجدته . ( قلت ) المشجب يقال له : السيبة في لغة أهل الحضر ، وهي بكسر السين المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفتح الباء الموحدة وفي آخره هاء ، قوله : " فقال له قائل " ، ويروى : " قال له " بدون الفاء ، ووقع في مسلم أنه عباد بن الوليد بن الصامت ، قوله : ج٤ / ص٥٨" تصلي في إزار واحد " التقدير أتصلي بهمزة الاستفهام على سبيل الإنكار ، قوله : " إنما صنعت هذا " ، ويروى " إنما صنعت ذلك " ، وأشار به إلى ما فعله من صلاته وإزاره معقود على قفاه وثيابه موضوعة على المشجب ، قوله : " ليراني " أي لأن يراني ، وقوله : " أحمق " بالرفع فاعله ومعناه الجاهل ، وهو صفة مشبهة من الحمق بضم الحاء وسكون الميم : هو قلة العقل ، وقد حمق الرجل بالضم حماقة فهو أحمق ، وحمق أيضا بالكسر يحمق حمقا مثل غنم غنما فهو حمق ، وامرأة حمقاء ، وقوم ونسوة حمق وحمقى ، وأحمقت الرجل إذا وجدته أحمق ، وحمقته تحميقا نسبته إلى الحمق ، وحامقته إذا ساعدته على حمقه ، واستحمقته أي عددته أحمق ، وتحامق فلان إذا تكلف الحماقة ، وقال ابن الأثير : وحقيقة الحمق وضع الشيء في غير موضعه مع العلم بقبحه ، قوله : " مثلك " بالرفع صفة أحمق ، ولفظة مثل وإن أضيفت إلى المعرفة لا يتعرف لتوغله في التنكير إلا إذا أضيفت بما اشتهر بالمماثلة ، وههنا ليس كذلك فلذلك وقعت صفة لنكرة ، وهو قوله : " أحمق " ( فإن قلت ) اللام في قوله ليراني للتعليل والغرض فكيف وجه جعل إراءته الأحمق غرضا ؟ ( قلت ) الغرض بيان جواز ذلك الفعل ، فكأنه قال صنعته ليراني الجاهل فينكر علي بجهله فأظهر له جوازه ، وإنما أغلظ عليه نسبته إلى الحماقة لإنكاره على فعله بقوله : " تصلي في إزار واحد " لأن همزة الإنكار فيه مقدرة على ما ذكرنا ، قوله : " وأينا " استفهام يفيد النفي ومقصوده بيان إسناد فعله إلى ما تقرر في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . ( ذكر ما يستنبط منه ) فمن ذلك جواز الصلاة في الثوب الواحد لمن يقدر على أكثر منه ، وهو قول جماعة الفقهاء ، وروي عن ابن عمر خلاف ذلك ، وكذا عن ابن مسعود ، فروى ابن أبي شيبة عنه : " لا يصلين في ثوب وإن كان أوسع مما بين السماء والأرض " ، وقال ابن بطال : إن ابن عمر لم يتابع على قوله ( قلت ) فيه نظر لأنه روي عن ابن مسعود مثل قول ابن عمر كما ذكرنا ، وروي عن مجاهد أيضا أنه لا يصلي في ثوب واحد إلا إن لا يجد غيره ، نعم عامة الفقهاء على خلافه وفيه الأحاديث الصحيحة عن جماعة من الصحابة جابر ، وأبي هريرة ، وعمرو بن أبي سلمة ، وسلمة بن الأكوع - رضي الله تعالى عنهم - .

ومن ذلك أن العالم يأخذ بأيسر الشيء مع قدرته على أكثر منه توسعة على العامة ليقتدى به . ومن ذلك لا بأس للعالم أن يصف أحدا بالحمق إذا عاب عليه ما غاب عنه علمه من السنة . وفيه جواز التغليظ في الإنكار على الجاهل .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث