باب الصلاة في الثوب الواحد ملتحفا به
( حدثنا عبيد بن إسماعيل قال : حدثنا أبو أسامة عن هشام عن أبيه أن عمر بن أبي سلمة أخبره قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم – يصلي في ثوب واحد مشتملا به في بيت أم سلمة واضعا طرفيه على عاتقيه ) . هذه طريقة أخرى في الحديث المذكور بالنزول ، عن عبيد بضم العين مصغرا ، ابن إسماعيل ، ويقال : اسمه عبد الله ويعرف بعبيد ، أبو محمد الهباري بفتح الهاء وتشديد الباء الموحدة ، الكوفي ، مات سنة خمس ومائتين ، يروي عن أبي أسامة حماد بن أسامة ، وقد تقدم في باب فضل من علم ، وفي هذه الطريقة فائدتان ليستا في الطريقتين الأوليين ، إحداهما : أن فيها تصريح هشام عن أبيه بأن عمر أخبره ، وفي الطريقتين الأوليين العنعنة ، والأخرى : فيها ذكر لفظ الاشتمال ، وهو في الحقيقة تفسير قوله : قد خالف بين طرفيه وألقى طرفيه على عاتقيه وأخرج الطحاوي هذا الحديث من أربع طرق صحاح ، الأولى : عن أبي بكرة ، قال : حدثنا روح بن عبادة ، قال : حدثنا هشام بن حسان وشعبة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عمر بن أبي سلمة أنه رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي في ثوب واحد في بيت أم سلمة . الثانية : عن يونس عن ابن وهب عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عمر بن أبي سلمة أنه رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي في ثوب واحد في بيت أم سلمة واضعا طرفيه على عاتقيه .
الثالثة : عن ابن أبي داود قال : حدثنا ابن أبي مريم وعبد الله بن صالح قال : حدثنا الليث بن سعد عن يحيى بن سعيد عن أبي أمامة بن سهل عن عمر بن أبي سلمة قال : رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي في ثوب واحد ملتحفا به ، وأخرجه أبو داود عن قتيبة بن سعيد قال : حدثنا الليث عن يحيى بن سعيد إلى آخره ، ولفظه في آخره مخالفا بين طرفيه على منكبيه . الرابعة : مثل رواية أبي داود عن علي بن عبد الرحمن حدثنا عبد الله بن صالح حدثني الليث قال : حدثني يحيى بن سعيد عن أبي أمامة بن سهل عن عمر بن أبي سلمة قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي في ثوب واحد ملتحفا به مخالفا بين طرفيه على منكبيه ، قوله : يصلي في ثوب واحد جملة فعلية في محل النصب على أنها مفعول ثان لقوله رأيت ، قوله : مشتملا بالنصب على الحال من الرسول ، هذه رواية الأكثرين وفي رواية المستملي والحموي بالجر أو الرفع ، فوجه الجر للمجاورة ووجه الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف والتقدير : وهو مشتمل به ، قوله : في بيت أم سلمة إما ظرف لقوله يصلي إما للاشتمال وإما لهما ، وقال ابن بطال : التوشح نوع من الاشتمال تجوز الصلاة به ، والفقهاء مجمعون على جواز الصلاة في ثوب واحد ، وقد روي عن ابن مسعود خلاف ذلك ( قلت ) ذهب طاوس وإبراهيم النخعي وأحمد في رواية وعبد الله بن وهب من أصحاب مالك ومحمد بن جرير الطبري إلى أن الصلاة في ثوب واحد مكروهة إذا كان قادرا على ثوبين ، وإن لم يكن قادرا إلا على ثوب واحد يكره أيضا أن يصلي به ملتحفا مشتملا به ، بل السنة أن يأتزر به ، واحتجوا في ذلك بما رواه الطحاوي قال : حدثنا ابن أبي داود قال : حدثنا زهير بن عباد قال : حدثنا حفص بن ميسرة عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا صلى أحدكم فليلبس ثوبيه ، فإن الله أحق من تزين له ، فإن لم يكن له ثوبان فليتزر إذا صلى ، ولا يشتمل أحدكم في صلاته اشتمال اليهود ، ورواه البيهقي أيضا . وذهب جمهور أهل العلم من الصحابة والتابعين إلى أن الصلاة في ثوب واحد تجوز ، والذين ذهبوا إلى ذلك جماعة من الصحابة وهم: ابن عباس ، وأبو هريرة ، وأبو سعيد الخدري ، وعلي بن أبي طالب ، ومعاوية بن أبي سفيان ، وأنس بن مالك ، وخالد بن الوليد ، وجابر بن عبد الله ، وعمار بن ياسر ، وأبي بن كعب ، وعائشة ، وأسماء ، وأم هانئ - رضي الله تعالى عنهم - .
ومن التابعين الحسن البصري ، ومحمد بن سيرين ، والشعبي ، وسعيد بن المسيب ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن ، ومحمد بن الحنفية ، وعطاء بن أبي رباح ، وعكرمة ، وأبو حنيفة - رضي الله تعالى عنهم - . ومن الفقهاء أبو يوسف ، ومحمد ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد في رواية ، وإسحاق بن راهويه ، وآخرون كثيرون ، واحتجوا في ذلك بالأحاديث المذكورة في هذا الباب ، وقال الطحاوي : تواترت الأحاديث وتتابعت بجواز الصلاة في الثوب الواحد متوشحا به في حال وجود غيره من الثياب ، وأخرج في ذلك عن أحد عشر صحابيا وهم : أبو هريرة ، وطلق بن علي ، وجابر بن عبد الله ، وعبد الله بن عمر ، وعمر بن أبي سلمة ، وسلمة بن الأكوع ، وعبد الله بن عباس ، وأبي بن كعب ، وأبو سعيد الخدري ، وأنس بن مالك ، وأم هانئ - رضي الله تعالى عنهم - ، ولما أخرج الترمذي حديث عمر بن أبي سلمة في الصلاة في ثوب واحد . قال : وفي الكتاب عن أبي هريرة ، وجابر ، وسلمة بن الأكوع ، وأنس ، وعمرو ابن أبي أسد ، وأبي سعيد ، وكيسان ، وابن عباس ، وعائشة ، وأم هانئ ، وعمار بن ياسر ، وطلق بن علي ، وعبادة بن الصامت - رضي الله تعالى عنهم .
( قلت ) وفي الباب أيضا عن حذيفة ، وعبد الله بن أبي أمية ، وعبد الله بن أبي أنيس ، وعبد الله بن سرجس ، وعبد الله بن عبد الله بن المغيرة المخزومي ، وعلي بن أبي طالب ، ومعاذ بن جبل ، ومعاوية بن أبي سفيان ، وأبي أمامة ، وأبي عبد الرحمن حاضن عائشة ، وأم حبيبة ، وأم الفضل ، ورجل لم يسم . فحديث أبي هريرة عند البخاري وأبي داود ، وحديث طلق بن علي عند أبي داود والطحاوي ، وحديث جابر عند الطحاوي والبزار ، وحديث عبد الله بن عمر عند الطحاوي ، وحديث عمر بن أبي سلمة عند البخاري وغيره ، وحديث سلمة بن الأكوع عند أبي داود والطحاوي ، وحديث أم هانئ عند البخاري وغيره ، وحديث عبد الله بن عباس عند الطحاوي ، وحديث أبي بن كعب عند ابن أبي شيبة والطحاوي ، وحديث أبي سعيد الخدري عند ابن ماجه والطحاوي ، وحديث أنس بن مالك عند أحمد والطحاوي ، وحديث عمرو بن أبي أسد عند البغوي في معجم الصحابة ، والحسن بن سفيان في مسنده ، وحديث كيسان عند ابن ماجه ، وحديث عائشة عند أبي داود ، وحديث عمار بن ياسر عند ( 1 ) وحديث عبادة بن الصامت عند الطبراني في الكبير ، وحديث حذيفة عند أحمد ، وحديث عبد الله بن أبي أمية عند الطبراني في الكبير ، وحديث عبد الله بن أبي أنيس عند الطبراني أيضا ، وحديث عبد الله بن سرجس عنده أيضا ، وحديث عبد الله بن عبد الله المغيرة عند أحمد ، وحديث علي بن أبي طالب عند الطبراني ، وحديث معاذ عنده أيضا ، وحديث معاوية عنده أيضا ، وحديث أبي أمامة عنده أيضا ، وحديث عبد الرحمن حاضن عائشة عنده أيضا في الأوسط ، وحديث أم حبيبة عند أحمد ، وحديث أم الفضل عنده أيضا ، وحديث الرجل الذي لم يسم عنده أيضا ، فمن أراد أن يقف على متون أحاديثهم بأسانيدها فعليه بشرحنا شرح معاني الآثار . وأما الجواب عما احتجت به الطائفة الأولى من حديث عبد الله بن عمر فهو أن ابن عمر روى عن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - إباحة الصلاة في ثوب واحد أخرجه الطحاوي عن أبي بكرة عن روح عن زمعة بن صالح قال : سمعت ابن شهاب يحدث عن سالم عن أبيه عن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - مثل ما روى البخاري عن جابر - رضي الله تعالى عنه - فظهر من هذا أن حديثه ذاك في استعمال الأفضل ، فبهذا يرتفع الخلاف بين روايتيه ، وكذلك كل ما روي في هذا الباب من منع الصلاة في ثوب واحد ، فهو محمول على الأفضل لا على عدم الجواز ، وقيل : هو محمول على التنزيه لا على التحريم .