حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب الصلاة في الثوب الواحد ملتحفا به

( حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال : حدثني مالك بن أنس عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله أن أبا مرة مولى أم هانئ بنت أبي طالب أخبره أنه سمع أم هانئ بنت أبي طالب تقول : ذهبت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام الفتح ، فوجدته يغتسل ، وفاطمة ابنته تستره ، قالت : فسلمت عليه ، فقال : من هذه ؟ فقلت أنا أم هانئ بنت أبي طالب ، فقال : مرحبا بأم هانئ ، فلما فرغ من غسله قام فصلى ثماني ركعات ملتحفا في ثوب واحد ، فلما انصرف قلت : يا رسول الله زعم ابن أمي أنه قاتل رجلا قد أجرته فلان بن هبيرة ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ ، قالت أم هانئ : وذاك ضحى ) . مطابقته للترجمة ظاهرة ( ذكر رجاله ) وهم خمسة ، ذكروا غير مرة ، وأبو النضر بفتح النون وسكون الضاد المعجمة ، واسمه سالم بن أبي أمية ، مولى عمر بن عبيد الله بن معمر القريشي التيمي ، مات سنة تسع وعشرين ومائة ، وأبو مرة بضم الميم وتشديد الراء اسمه يزيد . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد ، وبصيغة الإفراد في موضع ، وفيه العنعنة في موضع واحد ، وفيه الإخبار بصيغة الإفراد ، وفيه السماع ، وفيه القول ، وفيه أن رواته مدنيون ، وفيه أن أبا مرة مولى أم هانئ ، وذكر في باب العلم مولى عقيل وهو في نفس الأمر مولى أم هانئ ، ونسب إلى ولاء عقيل مجازا لإكثاره الملازمة لعقيل .

( ذكر تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في الطهارة وفي الأدب عن القعنبي ، وأخرجه مسلم في الطهارة وفي الصلاة عن يحيى بن يحيى عن مالك به ، وفي الطهارة أيضا عن محمد بن رمح وعن أبي كريب ، وفي الصلاة أيضا عن حجاج بن الشاعر ، وأخرجه الترمذي في الاستئذان عن إسحاق بن موسى عن معن عن مالك به ، وفي السير عن أبي الوليد الدمشقي . وأخرجه النسائي في الطهارة عن يعقوب بن إبراهيم عن ابن مهدي عن مالك ، وفي السير عن إسماعيل بن مسعود ، وأخرجه ابن ماجه في الطهارة عن محمد بن رمح . ( ذكر معانيه وإعرابه ) قوله : عام الفتح أي فتح مكة ، قوله : يغتسل جملة حالية ، وقوله : وفاطمة تستره جملة اسمية حالية أيضا ، قوله : فقلت أنا ويروى قلت بدون الفاء ، قوله : مرحبا منصوب بفعل مقدر ، تقديره لقيت رحبا وسعة ، قوله : ثماني ركعات بكسر النون وفتح الياء ، قال الكرماني : ثمان ركعات بفتح النون ( قلت ) حينئذ يكون منصوبا بقوله : فصلى ، وقال الجوهري : هو في الأصل منسوب إلى الثمن لأنه الجزء الذي صير السبعة ثمانية فهو ثمنها ، ثم إنهم فتحوا أوله لأنهم يغيرون في النسب وحذفوا منه إحدى يائي النسبة وعوضوا منها الألف كما فعلوا في المنسوب إلى اليمن فثبتت ياؤه عند الإضافة ، كما ثبتت ياء القاضي تقول : ثماني نسوة ، وتسقط مع التنوين عند الرفع والجر وتثتب عند النصب لأنه ليس بجمع .

قوله : ملتحفا نصب على الحال من الضمير الذي في صلى ، قوله : فلما انصرف أي من الصلاة ، قوله : زعم معناه هنا : قال أو ادعى ، قوله : ابن أمي وفي رواية الحموي ابن أبي ولا تفاوت في المقصود ؛ لأنها أخت علي - رضي الله تعالى عنه - من الأب والأم ، ولكن الوجه في رواية ابن أمي تأكيد الحرمة والقرابة والمشاركة في البطن ، وذلك كما في قوله تعالى حكاية عن هارون لموسى - عليهما الصلاة والسلام - : قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ، قوله : إنه قاتل لفظ قاتل اسم فاعل ، لا ماض ، من باب المفاعلة ، والمعنى أنه عازم لقتله ؛ لأنه لم يكن قاتلا حقيقة في ذلك الوقت ، ولكن لما عزم على التلبس بالفعل أطلقت عليه القاتل ، قوله : رجلا منصوب بقوله قاتل ، قوله : قد أجرته جملة في محل النصب لأنها صفة لرجل ، وهو بفتح الهمزة بدون المد ، ولا يجوز فيه المد لأنه إما من الجور فتكون الهمزة فيه للسلب والإزالة - يعني لسلب الفاعل عن المفعول - ، أصل الفعل نحو أشكيته أي أزلت شكايته ، وإما من الجوار بمعنى المجاورة . قوله : فلان بن هبيرة يجوز فيه الرفع والنصب ، أما الرفع فعلى أنه خبر مبتدأ محذوف ، وأما النصب فعلى أنه بدل من رجلا ، أو من الضمير المنصوب في أجرته ، وهبيرة بضم الهاء وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وبالراء ابن أبي وهب بن عمر بن عائد بن عمران المخزومي ، زوج أم هانئ بنت أبي طالب ، شقيقة علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - وهي أسلمت عام الفتح ، وكان لهبيرة أولاد منها وهم : عمر ، وبه كان يكنى ، وهانئ ، ويوسف ، وجعدة ، وقد ذكرنا أن اسم أم هانئ فاختة ، وكنيت بهانئ أحد أولادها المذكورين ، ثم قولها فلان ابن هبيرة فيه اختلاف كثير من جهة الرواية ومن جهة التفسير ، ففي التمهيد من حديث محمد بن عجلان عن سعيد بن أبي سعد عن أبي مرة عن أم هانئ قالت : أتاني يوم الفتح حموان لي فأجرتهما ، فجاء علي يريد قتلهما ، فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في قبة بالأبطح بأعلى مكة الحديث ، وفيه : أجرنا من أجرت وأمنا من أمنت ، وفي معجم الطبراني إني أجرت حموي ، وفي رواية حموي ابن هبيرة ، وفي رواية حموي ابني هبيرة ، وقال أبو عمر في حديث أبي النضر : ما يدل على أن الذي أجرته كان واحدا ، وفي هذا اثنين وأما من جهة التفسير ، فقال أبو العباس ابن سريج : الرجلان هما جعدة بن هبيرة ورجل آخر ، وكانا من الشرذمة الذين قاتلوا خالدا - رضي الله تعالى عنه - ، ولم يقبلوا الأمان ولا ألقوا السلاح فأجارتهما أم هانئ وكانا من أحمائها ، وروى الأزرقي بسند فيه الواقدي في حديث أم هانئ هذا أنهما الحارث بن هاشم وابن هبيرة بن أبي وهب ، وجزم ابن هشام في تهذيب السيرة بأن اللذين أجرتهما أم هانئ هما الحارث بن هشام وزهير بن أبي أمية المخزوميان ، وقال الكرماني : أرادت أم هانئ ابنها من هبيرة أو ربيبها كما أن الإبهام فيه محتمل أن يكون من أم هانئ ، وأن يكون الراوي نسي اسمه فذكره بلفظ فلان ، قال الزبير بن بكار : فلان بن هبيرة هو الحارث بن هشام المخزومي ، وقال بعضهم : الذي يظهر لي أن في رواية الباب حذفا لأنه كان فيه فلان بن عم هبيرة فسقط لفظ عم ، أو كان فيه فلان قريب هبيرة فتغير لفظ قريب بلفظ ابن ، وكل من الحارث بن هشام وزهير بن أبي أمية وعبد الله بن أبي ربيعة يصح وصفه بأنه ابن عم هبيرة وقريبه ؛ لكون الجميع من بني المخزوم . ( قلت ) الأصوب والأقرب أن يقول في توجيه رواية أبي النضر فلان بن هبيرة أن يكون المراد من فلان هو ابن هبيرة من غير أم هانئ ، فنسي الراوي اسمه وذكره بلفظ فلان ، ويدل على صحة هذا رواية ابن عجلان في التمهيد وروايات الطبراني ، فإنها تدل على أن الذي أجرته أم هانئ هو حموها .

( فإن قلت ) المذكور في رواية أبي النضر واحد وفي هذه الروايات اثنان ( قلت ) لا يضر ذلك لأنه يحتمل أن يكون الراوي اقتصر على ذكر واحد منهما نسيانا كما أبهم اسمه نسيانا ، وقال ابن الجوزي : إن كان ابن هبيرة منها فهو جعدة ، وجوز أبو عمر أن يكون من غيرها وهو الأصوب لما ذكرنا ، ( فإن قلت ) قال بعضهم : نقل أبو عمر من أهل النسب أنهم لم يذكروا لهبيرة ولدا من غيرها ( قلت ) لا يلزم من عدم ذكرهم ذلك أن لا يكون له ابن من غيرها ( فإن قلت ) قال هذا القائل : جعدة معدود فيمن له رواية ولم يصح له صحبة ، وقد ذكره من حيث الرواية في التابعين البخاري وابن حبان وغيرهما ، فكيف يتهيأ لمن هذه سبيله في صغر السن أن يكون عام الفتح مقاتلا حتى يحتاج إلى الأمان ثم لو كان ولد أم هانئ لم يهم علي - رضي الله عنه - بقتله لأنها كانت قد أسلمت وهرب زوجها وترك ولدها عندها ( قلت ) كونه تابعيا أو صحابيا على ما فيه الاختلاف لا ينافي ما ذكرناه فيما قبل ذلك ، وقوله : فكيف يتهيأ إلى آخره مجرد دعوى فيحتاج إلى برهان فظهر مما ذكرنا أن قول الكرماني : أرادت أم هانئ ابنها من هبيرة أو ربيبها أقرب إلى الصواب وأوجه وقول بعضهم : والذي يظهر لي .. . إلخ بعيد من ذلك وتصرف من عنده بغير وجه لأن فيه ارتكاب الحذف والمجاز والتقدير بشيء بعيد غير مناسب ومخالف لما ذكره هؤلاء المذكورون آنفا ، وهذا كله خلاف الأصل ، ومما يمجه من له يد في التصرف في الكلام . قوله : وذلك ضحى ويروى وذاك ضحى وهو إشارة لما ذكرته من قولها فصلى ثماني ركعات أي كان ذلك وقت ضحى ، والدليل عليه ما في رواية أحمد في هذا الحديث : وذلك يوم فتح مكة ضحى ويجوز أيضا يقال : وذلك صلاة ضحى ، والدليل عليه ما في رواية أبي حفص بن شاهين أن أم هانئ قالت : يا رسول الله ما هذه الصلاة ؟ قال : الضحى ، وما رواه ابن أبي شيبة ثم صلى الضحى ثماني ركعات وهذا الوجه هو الأصح ، وهذا أيضا يمنع التحرض في ذلك بأن قال بعضهم هي صلاة الفتح ، وبعضهم صلاة الإشراق ، والدليل على ذلك ما في رواية مسلم ثم صلى ثماني ركعات سبحة الضحى .

( ذكر استنباط الأحكام منه ) منها : جواز تستر الرجال بالنساء ، ومنها جواز السلام من وراء حجاب ، ومنها عدم الاكتفاء بلفظ أنا في الجواب بل يوضح غاية التوضيح كما في ذكر الكنية والنسب ههنا ، ومنها استحباب الترحيب بالزائر وذكر كنيته ، ومنها أنه يدل على صلاة الضحى وأنها ثماني ركعات ، ومنها جواز أمان رجل حر أو امرأة حرة لكافر واحد أو جماعة ، ولم يجز بعد ذلك قتالهم إلا أن يكون في ذلك مفسدة ، ولا يجوز أمان ذمي لأنه متهم بهم ، ولا أسير ، ولا تاجر يدخل عليهم ، ولا أمان عبد عند أبي حنيفة إلا أن يأذن له مولاه في القتال ، وقال محمد : يجوز ، وهو قول الشافعي وأبي يوسف في رواية ، وفي رواية أخرى عنه مثل قول أبي حنيفة ، ولو أمن الصبي وهو لا يعقل لا يصح كالمجنون ، وإن كان يعقل وهو محجور عن القتال فعلى الخلاف ، وإن كان مأذونا له في القتال فالأصح أنه يصح بالاتفاق .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث