باب إن صلى في ثوب مصلب أو تصاوير هل تفسد صلاته وما ينهى من ذلك
حدثنا أبو معمر عبد الله بن عمرو قال : حدثنا عبد الوارث قال : حدثنا عبد العزيز بن صهيب ، عن أنس : كان قرام لعائشة سترت به جانب بيتها فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أميطي عنا قرامك هذا فإنه لا تزال تصاويره تعرض في صلاتي . وجه مطابقة الحديث للترجمة من حيث إن الستر الذي فيه التصاوير إذا نهى عنه الشارع فمنع لبسه بالطريق الأولى ، فإن قلت : الترجمة شيئان ، والحديث لا يدل إلا على شيء واحد ، وهو الثوب الذي فيه الصورة . ( قلت ) يلحق به الثوب الذي فيه صور الصلبان لاشتراكهما في أن كلا منهما عبد من دونه الله عز وجل .
ذكر رجاله وهم أربعة ؛ الكل قد ذكروا ، ومعمر بفتح الميم ، وعبد الوارث هو ابن سعيد . وفيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، والعنعنة في موضع واحد ، ورجاله كلهم بصريون . ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري أيضا في اللباس ، وأخرجه النسائي بألفاظ : ففي لفظ : يا عائشة أخرجي هذا فإني إذا رأيته ذكرت الدنيا ، وفي لفظ : فإن فيه تمثال طير مستقبل البيت إذا دخل الداخل ، وفي لفظ : فيه تصاوير فنزعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقطعه وسادتين فكان يرتفق عليهما ، وفي لفظ : كان في بيتي ثوب فيه تصاوير ، فجعلته إلى سهوة في البيت ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي إليه ، ثم قال : يا عائشة أخرجيه عني فنزعته فجعلته وسائد ، وفي لفظ : دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد اشتريت بقرام فيه تماثيل ، فلما رآه تلون وجهه ، ثم هتكه بيده ، وقال : إن أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يشبهون بخلق الله ، وفي لفظ : قدم النبي صلى الله عليه وسلم من سفر ، وقد اشتريت بقرام على سهوة لي فيه تماثيل فنزعه ، وفي لفظ : خرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم خرجة ، ثم دخل ، وقد علقت قراما فيه الخيل أولات الأجنحة ، فلما رآه قال : انزعيه .
ذكر معانيه : قوله : قرام بكسر القاف وتخفيف الراء ، وهو ستر رقيق من صوف ذو ألوان ، وقال أبو سعد : القرام صوف غليظ جدا يفرش في الهودج ، وفي المحكم : هو ثوب من صوف ملون ، والجمع قرم ، وعن ابن الأعرابي جمعه قروم هو ثوب من صوف فيه ألوان من عهن ، فإذا خيط صار كأنه بيت فهو كلة ، وقال القزاز وابن دريد : هو الستر الرقيق وراء الستر الغليظ على الهودج وغيره ، وقال الخليل : يتخذ سترا أو يغشى به هودج أو كلة ، وزعم الجوهري أنه ستر فيه رقم ونقوش ، وقال : وكذلك المقرم والمقرمة . قوله : أميطي أي أزيلي ، وهو أمر من أماط يميط ، قال ابن سيده : يقال ماط عني ميطا ومياطا ، وأماط تنحى وبعد ، وماطه عني وأماطه نحاه ودفعه ، قال بعضهم : مطت به ، وأمطته على حكم ما يتعدى إليه الأفعال غير المتعدية بالنقل في الغالب ، وماط الأذى ميطا ، وأماطه نحاه ودفعه . قوله : لا تزال تصاوير بدون الضمير ، وفي بعض الرواية تصاويره بإضافته إلى الضمير ، والضمير في فإنه للشأن ، وفي الرواية التي بالضمير يحتمل أن يرجع إلى الثوب .
قوله : تعرض بفتح التاء وكسر الراء أي تلوح ، وفي رواية الإسماعيلي : تعرض بفتح العين ، وتشديد الراء ، وأصله : تتعرض فحذفت إحدى التاءين كما في نَارًا تَلَظَّى ذكر ما يستنبط منه : قال الخطابي : فيه دليل على أن الصور كلها منهي عنها سواء كانت أشخاصا ماثلة أو غير ماثلة كانت في ستر أو بساط أو في وجه جدار أو غير ذلك ، وقال ابن بطال : علم من الحديث النهي عن اللباس الذي فيه التصاوير بالطريق الأولى ، وهذا كله على الكراهة ، فإن من صلى فيه فصلاته مجزئة ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يعد الصلاة ، ولأنه صلى الله عليه وسلم ذكر أنها عرضت له ، ولم يقل إنها قطعتها ، ومن صلى بذلك أو نظر إليه فصلاته مجزئة عند العلماء ، وقال المهلب : وإنما أمر باجتناب هذا لإحضار الخشوع في الصلاة ، وقطع دواعي الشغل ، وقيل : إنه منسوخ بحديث سهل بن حنيف رواه مالك بن أنس عن أبي النضر عن عبيد الله بن عبد الله أنه دخل على طلحة الأنصاري يعوده ، فوجد عنده سهل بن حنيف ، فأمر أبو طلحة إنسانا ينزع نمطا تحته ، فقال له سهل : لم تنزعه ؟ قال : لأن فيه تصاوير ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قد علمت . قال : ألم يقل : إلا ما كان رقما في ثوب ؟ قال : بلى ، ولكنه أطيب للنفس وأخرجه النسائي عن علي بن شعيب عن معن عن مالك به ، واحتج أصحابنا بهذا أن الصور التي تكون فيما تبسط وتفترش وتمتهن خارجة عن النهي الوارد في هذا الباب ، وبه قال الثوري والنخعي ومالك وأحمد في رواية ، وقال أبو عمر : ذكر أبو القاسم قال : كان مالك يكره التماثيل في الأسرة والقباب ، وأما البسط والوسائد والثياب فلا بأس به ، وكره أن يصلي إلى قبة فيها تماثيل ، وقال الثوري : لا بأس بالصور في الوسائد ؛ لأنها توطأ ويجلس عليها ، وكان أبو حنيفة وأصحابه يكرهون التصاوير في البيوت بتمثال ، ولا يكرهون ذلك فيما يبسط ، ولم يختلفوا أن التصاوير في الستور المعلقة مكروهة ، وقال أبو عمر : وكره الليث التماثيل في البيوت والأسرة والقباب والطساس والمنارات إلا ما كان رقما في ثوب ، وأما الشافعية فإنهم كرهوا الصور مطلقا سواء كانت على الثياب أو على الفرش والبسط ونحوها ، واحتجوا بعموم الأحاديث الواردة في النهي عن ذلك ، ولم يفرقوا في ذلك ، والله تعالى أعلم.