باب إذا صلى في ثوب له أعلام ونظر إلى علمها
حدثنا أحمد بن يونس قال : حدثنا إبراهيم بن سعد قال : حدثنا ابن شهاب عن عروة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في خميصة لها أعلام فنظر إلى أعلامها نظرة فلما انصرف قال : اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم ، وأتوني بأنبجانية أبي جهم فإنها ألهتني آنفا عن صلاتي . مطابقته للترجمة ظاهرة ، ذكر رجاله وهم خمسة ذكروا غير مرة ، وأحمد بن عبد الله بن يونس ، وينسب إلى جده ، وإبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ، وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري ، وعروة بن الزبير بن العوام ذكر لطائف إسناده : فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه أن رواته كوفيون ، ومدنيون ، وفيه رواية التابعي عن التابعي عن الصحابية . ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري أيضا في اللباس عن موسى بن إسماعيل ، وأخرجه أبو داود أيضا فيه عن موسى بن إسماعيل به ، وأخرجه مسلم في الصلاة عن عمرو الناقد ، وزهير بن حرب ، وأبي بكر بن أبي شيبة عن سفيان بن عيينة ، وأخرجه النسائي فيه عن إسحاق بن إبراهيم ، ومحمد بن منصور عن سفيان ، وأخرجه ابن ماجه في اللباس عن أبي بكر بن أبي شيبة عن سفيان به .
ذكر لغاته ومعانيه : قوله : في خميصة بفتح الخاء المعجمة ، وكسر الميم ، وبالصاد المهملة ، وهي كساء أسود مربع له علمان أو أعلام ، ويكون من خز أو صوف ، ولا يسمى خميصة إلا أن تكون سوداء معلمة سميت بذلك للينها ورقتها وصغر حجمها إذا طويت مأخوذ من الخمص ، وهو ضمور البطن ، وقال ابن حبيب في شرح الموطأ : الخميصة كساء صوف أو مرعزي معلم الصنعة . قوله : لها أعلام جملة وقعت صفة لخميصة ، والأعلام جمع علم بفتحتين ، وقد فسرناه عن قريب . قوله : فلما انصرف أي من صلاته ، واستقبال القبلة .
قوله : إلى أبي جهم بفتح الجيم ، وسكون الهاء ، واسمه عامر بن حذيفة العدوي القرشي المدني الصحابي ، وقيل : اسمه عبيد أسلم يوم الفتح ، وكان معظما في قريش ، وعالما بالنسب شهد بنيان الكعبة مرتين ، مات في آخر خلافة معاوية ، وهو غير أبي جهيم المصغر المذكور في المرور . قوله : بأنبجانية أبي جهم قد اختلفوا في ضبط هذا اللفظ ومعناه ، فقيل بفتح الهمزة ، وسكون النون ، وكسر الباء الموحدة ، وتخفيف الجيم ، وبعد النون ياء النسبة ، وقال ثعلب : يقال كبش أنبجاني بكسر الباء وفتحها إذا كان ملتفا كثير الصوف ، وكساء أنبجاني كذلك ، وقال الجوهري إذا نسبت إلى منبج فتحت الباء ، فقلت : كساء منبجاني أخرجوه مخرج مخبراني ومنظراني ، وقال أبو حاتم في لحن العامة : لا يقال كساء أنبجاني ، وهذا مما تخطئ فيه العامة ، وإنما يقال منبجاني بفتح الميم والباء قال : وقلت للأصمعي : لم فتحت الباء ، وإنما نسب إلى منبج بالكسر ؟ قال : خرج مخرج منظراني ومخبراني قال : والنسب مما يغير البناء ، وقال القزاز في الجامع : والنباج موضع تنسب الثياب المنبجانية ، وفي الجمهرة : ومنبج موضع أعجمي ، وقد تكلمت به العرب ، ونسبوا إليه الثياب المنبجانية ، وفي المحكم أن منبج موضع قال سيبويه : الميم فيه زائدة بمنزلة الألف ؛ لأنها إنما كثرت مزيدة أولا ، فموضوع زيادتها كموضع الألف ، وكثرتها ككثرتها إذا كانت أولا في الاسم والصفة ، وكذلك النباج ، وهما نباجان نباج نبتل ، ونباج بن عامر وكساء منبجاني منسوب إليه على غير قياس ، وفي المغيث المحفوظ كسر باء الأنبجانية ، وقال ابن الحصار في تقريب المدارك : من زعم أنه منسوب إلى منبج فقد وهم ، ( قلت ) منبج بفتح الميم ، وسكون النون ، وكسر الباء الموحدة ، وفي آخره جيم بلدة من كور قنسرين بناها بعض الأكاسرة الذي غلب على الشام ، وسماها منبه ، وبنى بها بيت نار ، ووكل بها رجلا فعربت فقيل منبج ، والنسبة إليها منبجي على الأصل ، ومنبجاني على غير قياس ، والباء تفتح في النسبة كما يقال في النسبة إلى صدف بكسر الدال صدفي بفتحها ، ومن هذا قال ابن قرقول : نسبة إلى منبج بفتح الميم ، وكسر الباء ، ويقال : نسبة إلى موضع يقال له أنبجان ، وعن هذا قال ثعلب يقال كساء أنبجاني ، وهذا هو الأقرب إلى الصواب في لفظ الحديث ، وأما تفسيرها فقال عبد الملك بن حبيب في شرح الموطأ : هي كساء غليظ تشبه الشملة يكون سداه قطنا غليظا أو كتانا غليظا ، ولحمته صوف ليس بالمبرم في فتله لين غليظ يلتحف به في الفراش ، وقد يشتمل بها في شدة البرد ، وقيل : هي من أدوان الثياب الغليظة تتخذ من الصوف ، ويقال هو كساء غليظ لا علم له فإذا كان للكساء علم فهو خميصة ، وإن لم يكن فهو أنبجانية . قوله : ألهتني أي أشغلتني ، وهو من الإلهاء ، وثلاثِيُّه لهى الرجل عن الشيء يلهى عنه إذا غفل ، وهو من باب يعلم ، وأما لها يلهو إذا لعب فهو من باب نصر ينصر ، وفي الموعب وقد لهى يلهو والْتَهى ، وألهاني عنه كذا أي أنساني وشغلني .
قوله : آنفا أي قريبا ، واشتقاقه من الائتلاف بالشيء أي الابتداء به ، وكذلك الاستئناف ، ومنه أنف كل شيء ، وهو أوله ، ويقال قلت : آنفا ، وسالفا ، وانتصابه على الظرفية قال ابن الأثير قلت : الشيء آنفا في أول وقت يقرب مني . قوله : عن صلاتي أي عن كمال الحضور فيها ، وتدبير أركانها وأذكارها ، والاستقصاء في التوجه إلى جناب الجبروت . ذكر ما يستنبط منه من الأحكام : فيه جواز لبس الثوب المعلم ، وجواز الصلاة فيه ، وفيه أن اشتغال الفكر اليسير في الصلاة غير قادح فيها ، وهو مجمع عليه ، وقال ابن بطال : وفيه أن الصلاة تصح وإن حصل فيها فكر مما ليس متعلقا بالصلاة ، والذي حكي عن بعض السلف أنه مما يضر غير معتد به ، وفيه طلب الخشوع في الصلاة ، والإقبال عليها ، ونفي كل ما يشغل القلب ، ويلهي عنه ، ولهذا قال أصحابنا : المستحب أن يكون نظره إلى موضع سجوده ؛ لأنه أقرب إلى التعظيم من إرسال الطرف يمينا وشمالا ، وفيه المبادرة إلى ترك كل ما يلهي ويشغل القلب عن الطاعة ، والإعراض عن زينة الدنيا ، والفتنة بها ، وفيه منع النظر ، وجمعه عما لا حاجة بالشخص إليه في الصلاة وغيرها ، وقد كان السلف لا يخطئ أحدهم موضع قدميه إذا مشى ، وفيه تكنية العالم لمن دونه ، وكذلك الإمام ، وفيه كراهة تزويق المحراب في المسجد وحائطه ونقشه ، وغير ذلك من الشاغلات ، وفيه قبول الهدية من الأصحاب ، والإرسال إليهم ، واستدل به الباجي على صحة المعاطاة في العقود بعدم ذكر الصيغة ، وقال الطيبي : إنما أرسل إليه ؛ لأنه كان أهداها إياه ، فلما ألهاه علمها أي شغله إياه عن الصلاة بوقوع نظره على نقوش العلم ردها أو تفكر في أن مثل ذلك للرعونة التي لا تليق به ردها إليه ، واستبدل منه أنبجانية كيلا يتأذى قلبه بردها إليه ، وفيه كراهية الأعلام التي يتعاطاه الناس على أردانهم ، وفيه أن لصور الأشياء الظاهرة تأثيرا في النفوس الطاهرة ، والقلوب الزكية .
الأسئلة والأجوبة : منها ما قيل كيف بعث صلى الله عليه وسلم بشيء يكرهه لنفسه إلى غيره ، وأجيب بأن بعثها إلى أبي جهم لم يكن لما ذكر ، وإنما كان ؛ لأنها كانت سبب غفلته وشغله عن الخشوع ، وعن ذكر الله كما قال : اخرجوا عن هذا الوادي الذي أصابكم فيه الغفلة فإنه واد به شيطان ، ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم لعائشة في الضب : إنا لا نتصدق بما لا نأكل ، وهو عليه الصلاة والسلام أقوى خلق الله لرفع الوسوسة ، ولكن كرهها لدفع الوسوسة ، وقال ابن بطال وأما بعثه صلى الله عليه وسلم بالخميصة إلى أبي جهم ، وطلب أنبجانيته فهو من باب الإدلال عليه لعلمه بأنه يفرح به . ومنها ما قيل ما وجه تعيين أبي جهم في الإرسال إليه ، وأجيب بأن أبا جهم هو الذي أهداها له صلى الله عليه وسلم فلذلك ردها عليه ، وروى الطحاوي عن المزني عن الشافعي قال : حدثنا مالك عن علقمة بن أبي علقمة عن أمه عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : أهدى أبو جهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم خميصة شامية لها علم ، فشهد فيها النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة ، فلما انصرف قال : ردي هذه الخميصة إلى أبي جهم فإنها كادت تفتنني . ومنها ما قيل : أليس فيه تغيير خاطره بالرد عليه ، وأجيب بما ذكرناه الآن عن ابن بطال ، والأولى من هذا ما دلت عليه رواية أبي موسى المدني ردوها عليه وخذوا أنبجانيته لئلا يؤثر رد الهدية في قلبه ، وعند أبي داود : شغلني أعلام هذه ، وأخذ كرديا كان لأبي جهم فقيل : يا رسول الله الخميصة كانت خيرا من الكردي ، ومنها ما قيل أليس فيه إشارة إلى استعمال أبي جهم إياها في الصلاة ، وأجيب بأنه لا يلزم منه ذلك ، ومثله قوله : في حلة عطارد حيث بعث بها إلى عمر إنني لم أبعث بها إليك لتلبسها ، وإنما أباح له الانتفاع بها من جهة بيع أو إكساء لغيره من النساء ، فإن قلت : ليست قضية أبي جهم مثل قضية عمر رضي الله تعالى عنه ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قال له : لم أبعث بها إليك لكذا وكذا ، وهي إذا ألهت سيد الخلق مع عصمته فكيف لا تلهي أبا جهم على أنه قيل إنه كان أعمى ، فالإلهاء مفقود عنه ، ( قلت ) لعله صلى الله عليه وسلم علم أنه لا يصلي فيها ، ويحتمل أن يكون خاصا بالشارع كما قال : كل فإني أناجي من لا تناجي ، ومنها ما قيل كيف يخاف الافتتان من لا يلتفت إلى الأكوان ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ﴾وأجيب بأنه كان في تلك الليلة خارجا عن طباعه فأشبه ذلك نظره من ورائه ، فأما إذا رد إلى طبعه البشري فإنه يؤثر فيه ما يؤثر في البشر .
ومنها ما قيل إن المراقبة شغلت خلقا من أتباعه حتى إنه وقع السقف إلى جانب مسلم بن يسار ، ولم يعلم ، وأجيب بأن أولئك يؤخذون عن طباعهم فيغيبون عن وجودهم ، وكان الشارع يسلك طريق الخواص وغيرهم ، فإذا سلك طريق الخواص غير الكل فقال : لست كأحدكم ، وإذا سلك طريق غيرهم قال : إنما أنا بشر ، فرد إلى حالة الطبع فنزع الخميصة ليس به من ترك كل شاغل . ( وقال هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قال النبي صلى الله عليه وسلم كنت أنظر إلى علمها ، وأنا في الصلاة فأخاف أن تفتنني ) . قال الكرماني : هذا عطف على قوله : قال ابن شهاب ، وهو من جملة شيوخ إبراهيم ، ويحتمل أن يكون تعليقا .
( قلت ) هذا رواه مسلم في صحيحه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع عن هشام ، ورواه أبو داود عن عبيد الله عن معاذ عن أبيه عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عنه ، ورواه أبو معمر فقال عمرة عن عائشة قال الإسماعيلي : ولعله غلط منه ، والصحيح عروة ، ولم يذكر أبو مسعود هذا التعليق ، وذكره خلف قوله : وأنا في الصلاة جملة حالية . قوله : أن تفتنني بفتح التاء من فتن يفتن من باب ضرب يضرب ، ويجوز أن تكون بالإدغام ، وأن تكون بضم التاء من الثلاثي المزيد فيه يقال فتنه وأفتنه ، وأنكره الأصمعي . واعلم أن في هذه الرواية لم يقع له شيء من الخوف من الإلهاء ؛ لأنه قال : فأخاف ، وهذا مستقبل ، ويدل عليه أيضا رواية مالك فكاد يفتنني فهذا يدل على أنه لم يقع ، والرواية الأولى تدل على أنه قد وقع ؛ لأنه صرح بقوله : فإنها ألهتني والتوفيق بينهما يمكن بأن يقال للنبي صلى الله عليه وسلم حالتان ؛ حالة بشرية وحالة تختص بها خارجة عن ذلك ، فبالنظر إلى الحالة البشرية قال ألهتني ، وبالنظر إلى الحالة الثانية لم يجزم به ، بل قال : أخاف ولا يلزم من ذلك الوقوع ، وأيضا فيه تنبيه لأمته ليحترزوا عن مثل ذلك في صلاتهم ؛ لأن الصلاة المعتبرة أن يكون فيها خشوع ، وما يلهي المصلي ينافي الخشوع والخضوع.