باب في كم تصلي المرأة من الثياب
حدثنا أبو اليمان قال : أخبرنا شعيب عن الزهري قال : أخبرني عروة أن عائشة قالت : لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الفجر فيشهد معه نساء من المؤمنات متلفعات في مروطهن ثم يرجعن إلى بيوتهن ما يعرفهن أحد . وجه مطابقة هذا الحديث للترجمة في قوله متلفعات في مروطهن لأن المستفاد منه صلاتهن في مروط ، والمرط ثوب واحد كما سنفسره عن قريب . ذكر رجاله : وهم خمسة أبو اليمان الحكم بن نافع ، وشعيب بن أبي حمزة ، والزهري بن محمد بن مسلم ، وعروة بن الزبير ، والكل تقدموا .
ذكر لطائف إسناده : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في موضع واحد ، والإخبار بصيغة الإفراد في موضع واحد ، وفيه القول ، وفيه أن رواته ما بين حمصي ومدني ، وفيه رواية التابعي عن التابعي عن الصحابية . ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري أيضا في الصلاة عن عبد الله بن يوسف ، والقعنبي ، وأخرجه مسلم فيه عن نصر بن علي ، وإسحاق بن موسى كلاهما عن معن بن عيسى ، ثلاثتهم عن مالك عن يحيى بن سعيد عن عمرة به ، وأخرجه أبو داود فيه عن القعنبي به ، وأخرجه الترمذي فيه عن قتيبة عن مالك به ، وعن إسحاق بن موسى به ، وأخرجه النسائي فيه عن قتيبة به ، وأخرجه ابن ماجه من حديث عروة . ذكر معناه : قوله لقد كان اللام فيه جواب قسم محذوف ، قوله : تشهد أي تحضر ، والنساء من الجمع الذي لا واحد له من لفظه ، وهو جمع امرأة ، قوله : ملتفعات نصب على الحال من النساء من التلفع بالفاء ، والعين المهملة أي ملتحفات ، وروي بالفاء المكررة بدل العين ، والأكثر على خلافه ، قال الأصمعي : التلفع بالثوب أن يشتمل به حتى يجلل به جسده ، وهو اشتمال الصماء عند العرب لأنه لم يرفع جانبا منه فيكون فيه فرجة ، وهو عند الفقهاء مثل الاضطباع إلا أنه في ثوب واحد ، وعن يعقوب : اللفاع الثوب تلتفع به المرأة أي تلتحف به فيغيبها ، وعن كراع ، وهو الملفع أيضا ، وعن ابن دريد : اللفاع الملحفة أو الكساء ، وقال أبو عمر : وهو الكساء ، وعن صاحب العين : تلفع بثوبه إذا اضطبع به ، وتلفع الرجل بالشيب كأنه غطى سواد رأسه ولحيته ، وفي شرح الموطأ : التلفع أن يلقي الثوب على رأسه ثم يلتف به ، لا يكون الالتفاع إلا بتغطية الرأس .
وقد أخطأ من قال : الالتفاع مثل الاشتمال ، وأما التلفف فيكون مع تغطية الرأس وكشفه ، وفي المحكم : الملفعة ما يلفع به من رداء أو لحاف أو قناع ، وفي المغيث ، وقيل : اللفاع النطع ، وقيل : الكساء الغليظ ، وفي الصحاح لفع رأسه تلفيعا : أي غطاه . قوله : في مروطهن ، المروط جمع مرط بكسر الميم ، قال القزاز : المرط ملحفة يتزر بها ، والجمع أمراط ، ومروط ، وقيل : يكون المرط كساء من خز أو صوف أو كتان ، وفي الصحاح المرط بالكسر ، وفي المحكم ، وقيل : هو الثوب الأخضر ، وفي مجمع الغرائب أكسية من شعر أسود ، وعن الخليل : هي أكسية معلمة ، وقال ابن الأعرابي : هو الإزار ، وقال النضر بن شميل : لا يكون المرط إلا درعا ، وهو من خز أخضر ، ولا يسمى المرط إلا أخضر ، ولا يلبسه النساء ، وقال عبد الملك في شرح الموطأ هو كساء صوف رقيق خفيف مربع كن النساء في ذلك الزمان يتزرن به ، ويلتفعن . قوله : ما يعرفهن أحد ، وفي سنن ابن ماجه يعني من الغلس ، وعند مسلم ما يعرفن من الغلس ، ثم عدم معرفتهن يحتمل أن يكون لبقاء ظلمة من الليل أو لتغطيهن بالمروط غاية التغطي ، وقيل : معنى ما يعرفهن أحد : يعني ما يعرف أعيانهن ، وهذا بعيد ، والأوجه فيه أن يقال : ما يعرفهن أحد أي أنساء هن أم رجال ، وإنما يظهر للرائي الأشباح خاصة .
ذكر ما يستنبط منه من الأحكام منها هو الذي ترجم له ، وهو أن المرأة إذا صلت في ثوب واحد بالالتفاع جازت صلاتها لأنه استدل به على ذلك ، فإن قلت : لم لا يجوز أن يكون التفاعهن في مروطهن فوق ثياب أخرى فلا يتم له الاستدلال به ، ( قلت ) الحديث ساكت عن هذا بحسب الظاهر ، ولكن الأصل عدم الزيادة ، واختياره يؤخذ في عادته من الآثار التي يترجم بها ، وهذا الباب مختلف فيه . قال ابن بطال : اختلفوا في عدد ما تصلي فيه المرأة من الثياب ؛ فقال مالك وأبو حنيفة والشافعي : تصلي في درع وخمار ، وقال عطاء : في ثلاثة ؛ درع وإزار وخمار ، وقال ابن سيرين : في أربعة ؛ الثلاثة المذكورة وملحفة ، وقال ابن المنذر : عليها أن تستر جميع بدنها إلا وجهها وكفيها سواء سترته بثوب واحد أو أكثر ، ولا أحسب ما روي من المتقدمين من الأمر بثلاثة أو أربعة إلا من طريق الاستحباب ، وزعم أبو بكر بن عبد الرحمن أن كل شيء من المرأة عورة حتى ظفرها ، وهي رواية عن أحمد ، وقال مالك والشافعي : قدم المرأة عورة ، فإن صلت وقدمها مكشوفة أعادت في الوقت عند مالك ، وكذلك إذا صلت وشعرها مكشوف ، وعند الشافعي تعيد أبدا ، وقال أبو حنيفة والثوري : قدم المرأة ليست بعورة ، فإن صلت وقدمها مكشوفة صحت صلاتها ، ولكن فيه روايتان عن أبي حنيفة ، ومنها أنه احتج به مالك والشافعي وأحمد وإسحاق أن الأفضل في صلاة الصبح التغليس ، ولنا أحاديث كثيرة في هذا الباب رويت عن جماعة من الصحابة منهم رافع بن خديج . روى أبو داود من حديث محمود بن لبيد عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أصبحوا بالصبح فإنه أعظم لأجركم أو أعظم للأجر ، ورواه الترمذي أيضا ، وقال : حديث حسن صحيح ، ورواه النسائي وابن ماجه أيضا .
قوله : أصبحوا بالصبح أي نوروا به ، ويروى أصبحوا بالفجر ، ورواه ابن حبان في صحيحه ، ولفظه أسفروا بصلاة الصبح فإنه أعظم للأجر ، وفي لفظ له : فكلما أصبحتم بالصبح فإنه أعظم لأجركم ، وفي لفظ للطبراني : فكلما أسفرتم بالفجر فإنه أعظم للأجر . ومنهم محمود بن لبيد روى حديثه أحمد في مسنده نحو رواية أبي داود ، ولم يذكر فيه رافع بن خديج ، ومحمود بن لبيد صحابي مشهور كذا قيل ، ( قلت ) قال المزي محمود بن لبيد بن عصمة بن رافع بن امرئ القيس الأوسي ، ثم الأشهلي ، ولد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي صحبته خلاف انتهى . ( قلت ) ذكره مسلم في التابعين في الطبقة الثانية ، وذكر ابن أبي حاتم أن البخاري قال : له صحبة ، قال : وقال أبي : لا يعرف له صحبة ، وقال أبو عمر : قول البخاري أولى ، فعلى هذا يحتمل أنه سمع هذا الحديث من رافع أولا فرواه عنه ، ثم سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم فرواه عنه ، إلا أن في طريق أحمد عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، وفيه ضعف .
ومنهم بلال روى حديثه البزار في مسنده نحو حديث رافع ، وفيه أيوب بن يسار ، وقال البزار : فيه ضعف . ومنهم أنس روى حديثه البزار أيضا عنه مرفوعا ، ولفظه : أسفروا بصلاة الصبح فإنه أعظم للأجر . ومنهم قتادة بن النعمان روى حديثه الطبراني في معجمه من حديث عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان عن أبيه عن جده مرفوعا نحوه ، ورواه البزار أيضا ، ومنهم ابن مسعود روى حديثه الطبراني أيضا عنه مرفوعا نحوه ، ومنهم أبو هريرة روى حديثه ابن حبان عنه مرفوعا ، ومنهم رجال من الأنصار أخرج حديثهم النسائي من حديث محمود بن لبيد عن رجال من قومه من الأنصار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أسفروا بالصبح فإنه أعظم للأجر ، ومنهم أبو هريرة وابن عباس رضي الله عنهما أخرج حديثهما الطبراني من حديث حفص بن سليمان عن ابن عباس وأبي هريرة : لا تزال أمتي على الفطرة ما أسفروا بالفجر ، ومنهم أبو الدرداء أخرجه أبو إسحاق ، وإبراهيم بن محمد بن عبيد من حديث أبي الزاهرية عن أبي الدرداء عن النبي عليه السلام قال : أسفروا بالفجر تفقهوا ، ومنهم حواء الأنصارية أخرج حديثها الطبراني من حديث ابن بجيد الحارثي عن جدته الأنصارية ، وكانت من المبايعات قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر ، وابن بجيد بضم الباء الموحدة وفتح الجيم بعدها ياء آخر الحروف ساكنة ، ذكره ابن حبان في الثقات ، وجدته حواء بنت زيد بن السكن أخت أسماء بنت زيد بن السكن ، فإن قلت : كان ينبغي أن يكون الإسفار واجبا لمقتضى الأوامر فيه ، ( قلت ) الأمر إنما يدل على الوجوب إذا كان مطلقا مجردا عن القرائن الصارفة إلى غيره ، وهذه الأوامر ليست كذلك ، فلا تدل إلا على الاستحباب ، فإن قلت : قد يؤول الاستحباب في هذه الأحاديث بظهور الفجر ، وقد قال الترمذي ، وقال الشافعي وأحمد وإسحاق : معنى الإسفار أن يصبح الفجر ، ولا يشك فيه ، ولم يروا أن الإسفار تأخير الصلاة .
( قلت ) هذا التأويل غير صحيح ، فإن الغلس الذي يقولون به هو اختلاط ظلام الليل بنور النهار كما ذكره أهل اللغة ، وقبل ظهور الفجر لا تصح صلاة الصبح ، فثبت أن المراد بالإسفار إنما هو التنوير ، وهو التأخير عن الغلس ، وزوال الظلمة ، وأيضا فقوله : أعظم للأجر يقتضي حصول الأجر في الصلاة بالغلس ، فلو كان الإسفار هو وضوح الفجر وظهوره لم يكن في وقت الغلس أجر لخروجه عن الوقت ، وأيضا يبطل تأويلهم ذلك ما رواه ابن أبي شيبة ، وإسحاق بن راهويه ، وأبو داود الطيالسي في مسانيدهم ، والطبراني في معجمه من حديث رافع بن خديج قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبلال : يا بلال نور صلاة الصبح حتى يبصر القوم مواقع نبلهم من الإسفار . وحديث آخر يبطل تأويلهم رواه الإمام أبو محمد القاسم بن ثابت السرقسطي في كتابه غريب الحديث : حدثنا موسى بن هارون حدثنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا المعتمر سمعت بيانا أخبرنا سعيد قال : سمعت أنسا يقول ، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الصبح حين يفسح البصر . انتهى ، يقال فسح البصر وانفسح إذا رأى الشيء عن بعد يعني به إسفار الصبح ، فإن قلت : قد قيل إن الأمر بالإسفار إنما جاء في الليالي المقمرة ؛ لأن الصبح لا يستبين فيها جدا فأمرهم بزيادة التبين استظهارا باليقين في الصلاة ، ( قلت ) هذا تخصيص بلا مخصص ، وهو باطل ، ويرده أيضا ما أخرجه ابن أبي شيبة عن إبراهيم النخعي : ما اجتمع أصحاب محمد على شيء ما اجتمعوا على التنوير بالفجر .
وأخرجه الطحاوي في شرح الآثار بسند صحيح ، ثم قال : ولا يصح أن يجتمعوا على خلاف ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن قلت : قد قال ابن حزم خبر الأمر بالإسفار صحيح إلا أنه لا حجة لكم فيه إذا أضيف إلى الثابت من فعله في التغليس حتى إنه لينصرف والنساء لا يعرفن ، ( قلت ) الثابت من فعله صلى الله عليه وسلم في التغليس لا يدل على الأفضلية ؛ لأنه يجوز أن يكون غيره أفضل منه ، وإنما فعل ذلك للتوسعة على أمته ، بخلاف الخبر الذي فيه الأمر ؛ لأن قوله صلى الله عليه وسلم : أعظم للأجر أفعل التفضيل فيقتضي أجرين أحدهما أكمل من الآخر ؛ لأن صيغة أفعل تقتضي المشاركة في الأصل مع رجحان أحد الطرفين فحينئذ يقتضي هذا الكلام حصول الأجر في الصلاة بالغلس ، ولكن حصوله في الإسفار أعظم ، وأكمل منه ، فلو كان الإسفار لأجل تقصي طلوع الفجر لم يكن في وقت الغلس أجر لخروجه عن الوقت . فإن قلت : روى أبو داود من حديث ابن مسعود أنه صلى الله عليه وسلم صلى الصبح بغلس ، ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها ، ثم كانت صلاته بعد ذلك بالغلس حتى مات صلى الله عليه وسلم لم يعد إلى أن يسفر ، ورواه ابن حبان أيضا في صحيحه كلاهما من حديث أسامة بن زيد الليثي . ( قلت ) يرد هذا ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث عبد الرحمن بن زيد عن ابن مسعود قال : ما رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم صلى صلاة لغير وقتها إلا بجمع ، فإنه يجمع بين المغرب والعشاء بجمع ، وصلى صلاة الصبح من الغد قبل وقتها .
انتهى . قالت العلماء : يعني وقتها المعتاد في كل يوم لا أنه صلاها قبل الفجر ، وإنما غلس بها جدا ، ويوضحه رواية البخاري : والفجر حين بزغ ، وهذا دليل على أنه صلى الله عليه وسلم كان يسفر بالفجر دائما ، وقل ما صلاها بغلس ، وبه استدل الشيخ في الإمام لأصحابنا على أن أسامة بن زيد قد تكلم فيه فقال أحمد : ليس بشيء ، وقال أبو حاتم : يكتب حديثه ، ولا يحتج به ، وقال النسائي والدارقطني : ليس بالقوي ، فإن قلت : قد قال البيهقي : رجح الشافعي حديث عائشة بأنه أشبه بكتاب الله تعالى ؛ لأن الله تعالى يقول : حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ فإذا دخل الوقت فأولى المصلين بالمحافظة المقدم للصلاة ، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأمر بأن يصلي صلاة في وقت يصليها هو في غيره ، وهذا أشبه بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ( قلت ) المراد من المحافظة هو المداومة على إقامة الصلوات في أوقاتها ، وليس فيها دليل على أن أول الوقت أفضل ؛ بل الآية دليل لنا ؛ لأن الذي يسفر بالفجر يترقب الإسفار في أول الوقت فيكون هو المحافظ المداوم على الصلاة ، ولأنه ربما تقع صلاته في التغليس قبل الفجر فلا يكون محافظا للصلاة في وقتها ، فإن قلت : جاء في الحديث : أول الوقت رضوان الله ، وآخره عفو الله ، وهو لا يؤثر على رضوان الله شيئا ، والعفو لا يكون عن تقصير . ( قلت ) المراد من العفو الفضل كما في قوله تعالى : وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ أي الفضل ،فكان معنى الحديث والله أعلم أن من أدى الصلاة في أول الوقت فقد نال رضوان الله ، وأمن من سخطه وعذابه لامتثال أمره ، وأدائه ما وجب عليه ، ومن أدى في آخر الوقت فقد نال فضل الله ، ونيل فضل الله لا يكون بدون الرضوان ، فكانت هذه الدرجة أفضل من تلك ، فإن قلت : جاء في الحديث : وسئل أي الأعمال أفضل ؟ فقال : الصلاة في أول وقتها ، وهو لا يدع موضع الفضل ، ولا يأمر الناس إلا به .
( قلت ) ذكر الأول للحث والتحضيض والتأكيد على إقامة الصلوات في أوقاتها ، وإلا فالذي يؤدي في ثاني الوقت أو في ثالثة أو رابعة كالذي يؤديها في أوله لا أن الجزء الأول له مزية على الجزء الثاني أو الثالث أو الرابع ، فحاصل المعنى : الصلاة في وقتها أفضل الأعمال ، ثم يتميز الجزء الثاني في صلاة الصبح عن الجزء الأول بالأمر الذي فيه الإسفار الذي يقتضي التأخير عن الجزء الأول ، فإن ( قلت ) قال البيهقي : قال الشافعي في حديث رافع له وجه لا يوافق حديث عائشة ، ولا يخالفه ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حض الناس على تقديم الصلاة ، وأخبر بالفضل فيه احتمل أن يكون من الراغبين من يقدمها قبل الفجر الآخر ، فقال : أسفروا بالفجر حتى يتبين الفجر الآخر معترضا ، فأراد عليه الصلاة والسلام فيما يرى الخروج من الشك حتى يصلي المصلي بعد تبين الفجر ، فأمرهم بالإسفار أي بالتبيين ، ( قلت ) يرد هذا التأويل ويبطله ما رواه أبو داود الطيالسي عن رافع قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبلال : يا بلال نور صلاة الصبح حتى تبصر القوم مواضع نبلهم من الإسفار ، وقد مر هذا عن قريب ، فإن قلت : قال ابن حازم في كتاب الناسخ والمنسوخ : قد اختلف أهل العلم في الإسفار بصلاة الصبح ، والتغليس بها فرأى بعضهم الإسفار هو الأفضل ، وذهب إلى قوله : أصبحوا بالصبح ، ورواه محكما ، وزعم الطحاوي أن حديث الإسفار ناسخ لحديث التغليس ، وأنهم كانوا يدخلون مغلسين ، ويخرجون مسفرين ، وليس الأمر كما ذهب إليه ؛ لأن حديث التغليس ثابت ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم داوم عليه حتى فارق الدنيا ( قلت ) يرد هذا ما رويناه من حديث ابن مسعود الذي أخرجه البخاري ، ومسلم ، وقد ذكرناه عن قريب ، وذكرنا أن فيه دليلا على أنه صلى الله تعالى عليه وسلم كان يسفر بالفجر دائما ، والأمر مثل ما ذكره الطحاوي ، وليس مثل ما ذكره ابن حازم ، بيان ذلك أن اتفاق الصحابة رضي الله تعالى عنهم بعد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم على الإسفار بالصبح على ما ذكره الطحاوي بإسناد صحيح عن إبراهيم النخعي أنه قال : ما اجتمع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم على شيء ما اجتمعوا على التنوير دليل واضح على نسخ حديث التغليس ؛ لأن إبراهيم أخبر أنهم كانوا اجتمعوا على ذلك فلا يجوز عندنا ، والله أعلم اجتماعهم على خلاف ما قد فعله النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إلا بعد نسخ ذلك ، وثبوت خلافه ، والعجب من بعض شراح البخاري أنه يقول : ووهم الطحاوي حيث ادعى أن حديث أسفروا ناسخ لحديث التغليس ، وليس الواهم إلا هو ، ولو كان عنده إدراك مدارك المعاني لما اجترأ على مثل هذا الكلام . ومنها أن فيه دلالة على خروج النساء ، وهو جائز بشرط أمن الفتنة عليهن أو بهن ، وكرهه بعضهم للشواب ، وعند أبي حنيفة تخرج العجائز لغير الظهر ، والعصر ، وعندهما يخرجن للجميع ، واليوم يكره للجميع للعجائز والشواب لظهور الفساد ، وعموم الفتنة ، والله أعلم .