حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب ما يذكر في الفخذ

حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال : حدثنا إسماعيل بن علية قال : حدثنا عبد العزيز بن صهيب ، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا خيبر فصلينا عندها صلاة الغداة بغلس فركب نبي الله صلى الله عليه وسلم ، وركب أبو طلحة ، وأنا رديف أبي طلحة ، فأجرى نبي الله صلى الله عليه وسلم في زقاق خيبر ، وإن ركبتي لتمس فخذ نبي الله صلى الله عليه وسلم ، ثم حسر الإزار عن فخذه ، حتى إني أنظر إلى بياض فخذ نبي الله صلى الله عليه وسلم ، فلما دخل القرية قال : الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين قالها ثلاثا قال : وخرج القوم إلى أعمالهم فقالوا محمد قال عبد العزيز : وقال بعض أصحابنا : والخميس يعني الجيش قال : فأصبناها عنوة فجمع السبي ، فجاء دحية فقال : يا نبي الله أعطني جارية من السبي ، قال : اذهب فخذ جارية ، فأخذ صفية بنت حيي ، فجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا نبي الله أعطيت دحية صفية بنت حيي سيدة قريظة والنضير لا تصلح إلا لك ، قال : ادعوه بها ، فجاء بها ، فلما نظر إليها النبي صلى الله عليه وسلم قال خذ جارية من السبي غيرها ، قال : فأعتقها النبي صلى الله عليه وسلم ، وتزوجها فقال له ثابت : يا أبا حمزة ما أصدقها ؟ قال نفسها أعتقها وتزوجها حتى إذا كان بالطريق جهزتها له أم سليم فأهدتها له من الليل ، فأصبح النبي صلى الله عليه وسلم عروسا ، فقال : من كان عنده شيء فليجئ به ، وبسط نطعا فجعل الرجل يجيء بالتمر ، وجعل الرجل يجيء بالسمن قال : وأحسبه قد ذكر السويق ، قال : فحاسوا حيسا فكانت وليمة رسول الله صلى الله عليه وسلم . هذا وصل الحديث الذي علقه فيما قبل قريبا ، وهو قوله : وقال أنس حسر النبي صلى الله عليه وسلم عن فخذه ، فإن قلت : ما كانت فائدة هذا التعليق بذكر قطعة من هذا الحديث المتصل قبل أن يذكر الحديث بكماله ؟ ( قلت ) يحتمل أنه أراد به الإشارة إلى ما ذهب إليه أنس من أن الفخذ ليس بعورة ؛ فلهذا ذكره بعد ذكر ما ذهب إليه ابن عباس ، وجرهد ، ومحمد بن جحش أنه عورة . ذكر رجاله وهم أربعة : الأول : يعقوب بن إبراهيم الدورقي .

الثاني : إسماعيل بن علية بضم العين المهملة ، وفتح اللام ، وتشديد الياء آخر الحروف . الثالث : عبد العزيز بن صهيب البناني البصري الأعمى . الرابع : أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه .

ذكر لطائف إسناده : هذا الإسناد بعينه تقدم في باب حب الرسول من الإيمان ، وفيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وفيه العنعنة في موضع واحد ، وفيه من هو مشهور باسم أمه وهو إسماعيل ابن إبراهيم بن سهم بن مقسم البصري أبو بشر الأسدي أسد خزيمة مولاهم المعروف بابن علية وهي أمه ، مات سنة ثلاث وتسعين ومائة ، وفيه أن رواته ما بين كوفي وبصري ، وأصل الدورقي من الكوفة ، وليس هو من بلد دورق ، وإنما كان يلبس قلنسوة دورقية فنسب إليها ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرج البخاري حديث أعتق صفية ، وجعل عتقها صداقها في النكاح عن قتيبة من حديث ثابت وشعيب بن الحجاب كلاهما عن أنس به ، وعن مسدد عن ثابت ، وعبد العزيز كلاهما عن أنس به في حديث خيبر ، وحديث الباب أخرجه مسلم أيضا في النكاح ، وفي المغازي عن زهير بن حرب ، وأخرجه أبو داود في الخراج عن يعقوب بن إبراهيم ، وأخرجه النسائي في النكاح ، وفي الوليمة عن زياد بن أيوب ، وفي التفسير عن إسحاق بن إبراهيم . ذكر معانيه وإعرابه : غزا خيبر يعني غزا بلدة تسمى خيبر ، وخيبر بلغة اليهود حصن ، وقيل أول ما سكن فيها رجل من بني إسرائيل يسمى خيبر فسميت به ، وهي بلد عترة في جهة الشمال والشرق من المدينة النبوي على ستة مراحل ، وكان لها نخيل كثير ، وكانت في صدر الإسلام دارا لبني قريظة والنضير ، وكانت غزوة خيبر في جمادى الأولى سنة سبع من الهجرة قاله ابن سعد ، وقال ابن إسحاق : أقام رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بعد رجوعه من الحديبية ذا الحجة ، وبعض المحرم ، وخرج في بقيته غازيا إلى خيبر ، ولم يبق من السنة السادسة إلا شهر وأيام ، وهو غير منصرف للعلمية والتأنيث . قوله : بغلس بفتح الغين واللام ، وهو ظلمة آخر الليل .

قوله : فركب نبي الله أي ركب مركوبه ، وعن أنس بن مالك قال : كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يوم قريظة والنضير على حمار ، ويوم خيبر عل حمار مخطوم برسن ليف ، وتحته إكاف من ليف رواه البيهقي والترمذي وقال : وهو ضعيف ، وقال ابن كثير : والذي ثبت في الصحيح عند البخاري عن أنس أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أجرى في زقاق خيبر حتى انحسر الإزار عن فخذه ، فالظاهر أنه كان يومئذ على فرس لا على حمار ، ولعل هذا الحديث إن كان صحيحا فهو محمول على أنه ركبه في بعض الأيام ، وهو محاصرها . قوله : وركب أبو طلحة هو زيد بن سهل الأنصاري شهد العقبة ، والمشاهد كلها ، وهو أحد النقباء روي له اثنان وتسعون حديثا ، روى له البخاري منها ثلاثة ، مات سنة اثنتين أو أربع وثلاثين بالمدينة أو بالشام أو في البحر ، وكان أنس ربيبه . قوله : وأنا رديف أبي طلحة جملة اسمية ، وقعت حالا .

قوله : فأجرى على وزن أفعل من الإجراء ، وفاعله النبي عليه الصلاة والسلام ، والمفعول محذوف ، أي أجرى مركوبه ، قوله : في زقاق خيبر بضم الزاي وبالقافين ، وهو السكة يذكر ويؤنث ، والجمع أزقة وزقاق بضم الزاي ، وتشديد القاف وبالنون ، وفي الصحاح قال الأخفش : أهل الحجاز يؤنثون الطريق والصراط والسبيل والسوق والزقاق ، وبنو تميم يذكرون هذا كله ، والجمع الزقاق ، والأزقة مثل حوار ، وحوران ، وأحورة . قوله : عن فخذه يتعلق بقوله حسر على صيغة المجهول ، والدليل على صحة هذا ما وقع في رواية أحمد في مسنده من رواية إسماعيل بن علية فانحسر وكذا وقع في رواية مسلم ، وكذا رواه الطبري عن يعقوب بن إبراهيم شيخ البخاري في هذا الموضع ، وروى الإسماعيلي عن القاسم بن زكريا عن يعقوب بن إبراهيم ، ولفظه فأجرى نبي الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في زقاق خيبر إذ خر الإزار ، ولا شك أن الخرور هنا بمعنى الوقوع فيكون لازما ، وكذلك الانحسار في رواية مسلم ، وهذا هو الأصوب لأنه صلى الله عليه وسلم لم يكشف إزاره عن فخذه قصدا ، وإنما انكشف عن فخذه لأجل الزحام ، أو كان ذلك من قوة إجرائه صلى الله عليه وسلم ، وقال بعضهم : الصواب أنه عند البخاري بفتحتين يعني أن حسر على صيغة الفاعل ، ثم استدل عليه بقول أنس في أوائل الباب حسر النبي صلى الله عليه وسلم عن فخذه ( قلت ) اللائق بحاله الكريمة أن لا ينسب إليه كشف فخذه قصدا مع ثبوت قوله صلى الله عليه وسلم الفخذ عورة على ما تقدم ، وقال هذا القائل أيضا لا يلزم من وقوعه كذلك في رواية مسلم أن لا يقع عند البخاري على خلافه . ( قلت ) منع الملازمة ممنوع ، ولئن سلمنا فيحتمل أن أنسا لما رأى فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم مكشوفا ظن أنه صلى الله عليه وسلم كشفه فأسند الفعل إليه ، وفي نفس الأمر لم يكن ذلك إلا من أجل الزحام أو من قوة الجري على ما ذكرناه ، وقال الكرماني : وفي بعضها أي وفي بعض النسخ أو في بعض الرواية على فخذه أي الإزار الكائن على فخذه فلا يتعلق بحسر إلا أن يقال : حروف الجر يقام بعضها مقام بعض .

( قلت ) إن صحت هذه الرواية يكون متعلق على محذوفا كما قاله ؛ لأنه حينئذ لا يجوز أن يتعلق على بقوله حسر لفساد المعنى ، ويجوز أن تكون على بمعنى من كما في قوله تعالى : إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ أي من الناس لأن على تأتي لتسعة معان منها أن تكون بمعنى من . قوله : حتى إني أنظر ، وفي رواية الكشميهني : حتى إني لأنظر بزيادة لام التأكيد . قوله : فلما دخل القرية أي خيبر ، وهذا مشعر بأن ذلك الزقاق كان خارج القرية .

قوله : خربت خيبر أي صارت خرابا ، وهل ذلك على سبيل الخبرية فيكون ذلك من باب الإخبار بالغيب أو يكون ذلك على جهة الدعاء عليهم أو على جهة التفاؤل لما رآهم خرجوا بمساحيهم ومكاتلهم ، وذلك من آلات الحراث ، ويجوز أن يكون أخذ من اسمها ، وقيل إن الله أعلمه بذلك . قوله : بساحة قوم قال الجوهري : ساحة الدار ناحيتها ، والجمع ساحات ، وسوح ، وساح أيضا مثل بدنة وبدن ، وخشبة وخشب ( قلت ) على هذا أصل ساحة سوحة قلبت الواو ألفا لتحركها ، وانفتاح ما قبلها ، وأصل الساحة الفضاء بين المنازل ، ويطلق على الناحية ، والجهة ، والبناء . قوله : وخرج القوم إلى أعمالهم قال الكرماني : أي مواضع أعمالهم ( قلت ) بل معناه خرج القوم لأعمالهم التي كانوا يعملونها ، وكلمة إلى تأتي بمعنى اللام .

قوله : فقالوا محمد أي جاء محمد ، وارتفاعه على أنه فاعل لفعل محذوف ، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هذا محمد . قوله : قال عبد العزيز ، وهو عبد العزيز بن صهيب ، وهو أحد رواة الحديث عن أنس . قوله : وقال بعض أصحابنا أشار بهذا إلى أنه لم يسمع هذه اللفظة من أنس ، وإنما سمعه من بعض أصحابه عنه ، وهذه رواية عن المجهول إذ لم يعين هذا البعض من هو ، وقال بعضهم : يحتمل أن يكون بعض أصحاب عبد العزيز محمد بن سيرين لأن البخاري أخرج من طريقه أيضا ، أو يكون ثابتا البناني ؛ لأن مسلما أخرجه من طريقه أيضا .

( قلت ) يحتمل أن يكون غيرهما فعلى كل حال لا يخرج عن الجهالة ، والحاصل أن عبد العزيز قال : سمعت من أنس قالوا جاء محمد فقط ، وقال بعض أصحابه قالوا محمد والخميس ثم فسر عبد العزيز الخميس بقوله يعني الجيش ، ويجوز أن يكون التفسير ممن دونه ، وعلى كل حال هو مدرج . قوله : والخميس بفتح الخاء ، وسمي الجيش خميسا لأنه خمسة أقسام مقدمة ، وساقة ، وقلب ، وجناحان ، ويقال ميمنة ، وميسرة ، وقلب ، وجناحان ، وقال ابن سيده : لأنه يخمس ما وجده ، وقال الأزهري : الخمس إنما ثبت بالشرع ، وكانت الجاهلية يسمونه بذلك ولم يكونوا يعرفون الخمس ، ثم ارتفاع الخميس بكونه عطفا على محمد ، ويجوز أن تكون الواو فيه بمعنى مع على معنى جاء محمد مع الجيش . قوله : عنوة بفتح العين ، وهو القهر يقال أخذته عنوة أي قهرا ، وقيل : أخذته عنوة أي عن غير طاعة ، وقال ثعلب : أخذت الشيء عنوة أي قهرا في عنف ، وأخذته عنوة أي صلحا في رفق ، وقال ابن التين : ويجوز أن يكون عن تسليم من أهلها ، وطاعة بلا قتال ، ونقله عن القزاز في جامعه .

( قلت ) فحينئذ يكون هذا اللفظ من الأضداد ، وقال أبو عمر : الصحيح في أرض خيبر كلها عنوة ، وقال المنذري : اختلفوا في فتح خيبر كانت عنوة أو صلحا أو جلاء أهلها عنها بغير قتال أو بعضها صلحا ، وبعضها عنوة ، وبعضها جلاء أهلها عنها قال : وهذا هو الصحيح ، وبهذا أيضا يندفع التضاد بين الآثار . قوله : فجاء دحية بفتح الدال ، وكسرها ابن خليفة بن فروة الكلبي ، وكان أجمل الناس وجها ، وكان جبريل عليه الصلاة والسلام يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم في صورته ، وتقدم ذكره مستوفى في قصة هرقل . قوله : فقال اذهب ، ويروى قال بدون الفاء .

قوله : فخذ جارية ، وقال الكرماني : ، فإن قلت : كيف جاز للرسول صلى الله عليه وسلم إعطاؤها لدحية قبل القسمة ؟ ( قلت ) صفي المغنم لرسول الله صلى الله عليه وسلم فله أن يعطيه لمن شاء صلى الله عليه وسلم . ( قلت ) هذا غير مقنع لأنه صلى الله عليه وسلم قال له ذلك قبل أن يعين الصفي ، وهاهنا أجوبة جيدة : الأول : يجوز أن يكون أذن له في أخذ الجارية على سبيل التنفيل له إما من أصل الغنيمة أو من خمس الخمس سواء كان قبل التمييز أو بعده . الثاني : يجوز أن يكون أذن له على أنه يحسب من الخمس إذا ميز .

الثالث : يجوز أن يكون أذن له ليقوم عليه بعد ذلك ، ويحسب من سهمه . قوله : فأخذ صفية بنت حيي بفتح الصاد المهملة ، وحيي بضم الحاء المهملة ، وكسرها ، وفتح الياء الأولى المخففة ، وتشديد الثانية ابن أخطب بن سعية بفتح السين المهملة ، وسكون العين المهملة ، وفتح الياء آخر الحروف ابن سفلة بن ثعلبة ، وهي من بنات هارون عليه الصلاة والسلام ، وأمها برة بنت سموءل . قال الواقدي : ماتت في خلافة معاوية سنة خمسين ، وقال غيره : ماتت في خلافة علي رضي الله تعالى عنه سنة ست وثلاثين ، ودفنت بالبقيع ، وكانت تحت كنانة بن أبي الحقيق بضم الحاء المهملة ، وفتح القاف الأولى ، قتل يوم خيبر .

قوله فجاء رجل مجهول لم يعرف . قوله : قريظة بضم القاف وفتح الراء ، وسكون الياء آخر الحروف ، وبالظاء المعجمة ، والنضير بفتح النون ، وكسر الضاد المعجمة ، وهما قبيلتان عظيمتان من يهود خيبر ، وقد دخلوا في العرب على نسبهم إلى هارون عليه الصلاة والسلام . قوله خذ جارية من السبي غيرها أي غير صفية ، وقال الكرماني : ، فإن قلت : لما وهبها من دحية فكيف رجع عنها ؟ ( قلت ) إما لأنه لم يتم عقد الهبة بعد ، وإما لأنه أبو المؤمنين ، وللوالد أن يرجع عن هبة الولد ، وإما لأنه اشتراها منه .

( قلت ) أجاب بثلاثة أجوبة : الأول : فيه نظر لأنه لم يجر عقد هبته حتى يقال إنه رجع عنها ، وإنما كان إعطاؤها إياه بوجه من الوجوه التي ذكرناها عن قريب . الثاني : فيه نظر أيضا لأنه لا يمشي ما ذكره في مذهب غيره . الثالث : ذكر أنه اشتراها منه أي من دحية ، ولم يجر بينهما عقد بيع أولا ، فكيف اشتراها منه بعد ذلك ؟ فإن قلت : وقع في رواية مسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام اشترى صفية منه بسبعة أرؤس ( قلت ) إطلاق الشراء على ذلك على سبيل المجاز ؛ لأنه لما أخذها منه على الوجه الذي نذكره الآن ، وعوضه عنها بسبعة أرؤس على سبيل التكرم ، والفضل أطلق الراوي الشراء عليه لوجود معنى المبادلة فيه ، وأما وجه الأخذ فهو أنه لما قيل له إنها لا تصلح له من حيث إنها من بيت النبوة فإنها من ولد هارون أخي موسى عليهما الصلاة والسلام ، ومن بيت الرياسة ، فإنها من بيت سيد قريظة والنضير مع ما كانت عليه من الجمال الباعث على كثرة النكاح المؤدية إلى كثرة النسل ، وإلى جمال الولد لا للشهوة النفسانية ، فإنه صلى الله عليه وسلم معصوم منها ، وعن المازري يحمل ما جرى مع دحية على وجهين : أحدهما : أن يكون رد الجارية برضاه ، وأذن له في غيرها .

الثاني : أنه إنما أذن له في جارية من حشو السبي لا في أخذ أفضلهن ، ولما رأى أنه أخذ أنفسهن ، وأجودهن نسبا وشرفا وجمالا استرجعها لئلا يتميز دحية بها على باقي الجيش ، مع أن فيهم من هو أفضل منه ، فقطع هذه المفاسد ، وعوضه عنها ، وفي سير الواقدي أنه صلى الله عليه وسلم أعطاه أخت كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق ، وكان كنانة زوج صفية ، فكأنه صلى الله عليه وسلم طيب خاطره لما استرجع منه صفية بأن أعطاه أخت زوجها ، وقال القاضي : الأولى عندي أن صفية كانت فيئا لأنها كانت زوجة كنانة بن الربيع ، وهو وأهله من بني الحقيق كانوا صالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وشرط عليهم أن لا يكتموا كنزا ، فإن كتموه فلا ذمة لهم ، وسألهم عن كنز حيي بن أخطب ، فكتموه فقالوا : أذهبته النفقات ثم عثر عليه عندهم ، فانتقض عهدهم فسباهم ، وصفية من سبيهم فهي فيء لا يخمس بل يفعل فيه الإمام ما رأى . ( قلت ) هذا تفريع على مذهبه أن الفيء لا يخمس ، ومذهب غيره أنه يخمس . قوله : فأعتقها أي فاعتق النبي صلى الله عليه وسلم صفية ، وسنذكر تحقيقه في الأحكام .

قوله : فقال له ثابت : أي قال لأنس رضي الله تعالى عنه ثابت البناني يابا حمزة أصله يا أبا حمزة حذفت الألف تخفيفا . قوله : وأبو حمزة كنية أنس . قوله : أم سليم بضم السين المهملة ، وهي أم أنس .

قوله : حتى إذا كان بالطريق جاء في الصحيح : فخرج بها حتى إذا بلغنا سد الروحاء والسد بفتح السين وضمها ، وهو جبل الروحاء ، وهي قرية جامعة من عمل الفرع لمزينة على نحو أربعين ميلا من المدينة أو نحوها ، والروحاء بفتح الراء ، وبالحاء المهملة ممدود ، وفي رواية : أقام عليها بطريق خيبر ثلاثة أيام حين أعرس بها ، وكانت فيمن ضرب عليها الحجاب ، وفي رواية : أقام بين خيبر والمدينة ثلاثة أيام فبنى بصفية قوله : فأهدتها أي أهدت أم سليم صفية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومعناه زفتها ، وقال الكرماني : وفي بعضها فهدتها له ، وقيل هذا هو الصواب ، وقال الجوهري : الهداء مصدر قولك أهديت أنا المرأة إلى زوجها هداء . قوله عروسا على وزن فعول يستوي فيه الرجل والمرأة ما داما في إعراسهما يقال : رجل عروس ، وامرأة عروس ، وجمع الرجل عروس ، وجمع المرأة عرائس ، وفي المثل كاد العروس أن يكون ملكا ، والعروس اسم حصن باليمن ، وقول العامة : العروس للمرأة ، والعريس للرجل ليس له أصل . قوله : من كان عنده شيء فليجئ به كذا هو في البخاري .

قال النووي وهو رواية ، وفي بعضها فليجئني به بنون الوقاية . قوله نطعا بكسر النون ، وفتح الطاء ، وعن أبي عبيد هو الذي اختاره ثعلب في الفصيح ، وفي المخصص فيه أربع لغات : نطع بفتح النون ، وسكون الطاء ، ونطع بفتحتين ، ونطع بكسر النون ، وفتح الطاء ، ونطع بكسر النون ، وسكون الطاء ، وجمعه أنطاع ، ونطوع ، وزاد في المحكم : أنطع ، وقال أبو عمرو الشيباني في نوادره : النطع هو المبناة ، والستارة ، وقال ابن قتيبة : المبناة ، والمبناة النطع . قوله : قال وأحسبه قد ذكر السويق أي قال عبد العزيز بن صهيب أحسب أنسا ذكر السويق أيضا ، وجزم عبد الوارث في روايته بذكر السويق ، وقال الكرماني أي قال : وجعل الرجل يجيء بالسويق ، ويحتمل أن يكون فاعل قال هو البخاري ، ويكون مقولا للفربري ، ومفعول أحسب يعقوب ، والأول هو الظاهر .

قوله : فحاسوا حيسا الحيس بفتح الحاء المهملة ، وسكون الياء آخر الحروف ، وفي آخره سين مهملة هو تمر يخلط بسمن وأقط ، يقال : حاس الحيس يحيسه أي يخلطه ، وقال ابن سيده الحيس هو الأقط يخلط بالسمن والتمر ، وحاسه حيسا وحيسة خلطه قال الشاعر : وإذا تكون كريهة يدعى لها وإذا يحاس الحيس يدعى جندب قال الجوهري : الحيس الخلط ، ومنه سمي الحيس ، وفي المخصص قال الشاعر : التمر والسمن جميعا والأقط الحيس إلا أنه لم يختلط وفي الغريبين : هو ثريد من أخلاط ، قال الفارسي في مجمع الغرائب : الله أعلم بصحته . قوله فكانت وليمة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم اسم كانت الضمير الذي فيه يرجع إلى الأشياء الثلاثة التي اتخذ منها الحيس . قوله : وليمة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بالنصب خبره .

ذكر الأحكام التي تستنبط منه : منها جواز إطلاق صلاة الغداة على صلاة الصبح خلافا لمن كرهه من بعض الشافعية ، ومنها جواز الإرداف إذا كانت الدابة مطيقة ، وفيه غير ما حديث ، ومنها استحباب التكبير ، والذكر عند الحرب ، وهو موافق لقوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا ومنها استحباب التثليث في التكبير لقوله قالها ثلاثا أي ثلاث مرات ، ومنها أن فيه دلالة على أن الفخذ ليس بعورة ، وقد ذكرنا الجواب عنه ، ومنها أن إجراء الفرس يجوز ، ولا يضر بمراتب الكبار لا سيما عند الحاجة أو لرياضة الدابة أو لتدريب النفس على القتال ، ومنها استحباب عتق السيد أمته ، وتزوجها ، وقد صح أن له أجرين كما جاء في حديث أبي موسى ، وسيأتي إن شاء الله تعالى ، وقال ابن حزم : اتفق ثابت ، وقتادة ، وعبد العزيز بن صهيب عن أنس أنه صلى الله عليه وسلم عتق صفية ، وجعل عتقها صداقها ، وبه قال قتادة في رواية ، وأخذ بظاهره أحمد ، والحسن ، وابن المسيب ، ولا يحل لها مهر غيره ، وتبعهم ابن حزم فقال : هو سنة فاضلة ، ونكاح صحيح ، وصداق صحيح ، فإن طلقها قبل الدخول فهي حرة فلا يرجع عليها بشيء ، ولو أبت أن تتزوجه بطل عتقها ، وفي هذا خلاف متأخر ومتقدم ، قال الطحاوي : حدثنا محمد بن خزيمة ، قال : حدثنا مسلم بن إبراهيم قال : حدثنا أبان ، وحماد بن زيد قال : حدثنا شعيب بن الحبحاب عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتق صفية ، وجعل عتقها صداقها ، وأخرجه مسلم ، وأخرجه الترمذي ، وأبو داود ، والنسائي ثم قال الطحاوي : فذهب قوم إلى أن الرجل إذا أعتق أمته على أن عتقها صداقها جاز ذلك ، فإن تزوجت فلا مهر لها غير العتاق . ( قلت ) أراد بهؤلاء القوم سعيد بن المسيب ، والحسن البصري ، وإبراهيم النخعي ، وعامر الشعبي ، والأوزاعي ، ومحمد بن مسلم الزهري ، وعطاء بن أبي رباح ، وقتادة ، وطاوسا ، والحسن بن حيي ، وأحمد ، وإسحاق ، فإنهم قالوا : إذا أعتق الرجل أمته على أن يكون عتقها صداقها جاز ذلك ، فإذا عقد عليها لا تستحق عليه مهرا غير ذلك العتاق ، وممن قال بذلك : سفيان الثوري ، وأبو يوسف يعقوب بن إبراهيم ، وذكر الترمذي أنه مذهب الشافعي أيضا ، وقال عياض ، وقال الشافعي هي بالخيار إذا أعتقها ، فإن امتنعت من تزوجه فله عليها قيمتها إن لم يمكن الرجوع فيها ، وهذه لا يمكن الرجوع فيها ، وإن تزوجت بالقيمة الواجبة له عليها صح بذلك عنده ، وفي الأحكام لابن بزيزة في هذه المسألة اختلف سلف الصحابة ، وكان ابن عمر لا يراه ، وقد روينا جوازه عن علي ، وأنس ، وابن مسعود ، وروينا عن ابن سيرين أنه استحب أن يجعل مع عتقها شيئا ما كان ، وصح كراهة ذلك أيضا عن الحسن البصري ، وجابر بن زيد ، والنخعي ، وقال النخعي كانوا يكرهون أن يعتق الرجل جاريته ثم يتزوجها ، وجعلوه كالراكب بدنته ، وقال الليث بن سعد ، وابن شبرمة ، وجابر بن زيد ، وأبو حنيفة ، ومحمد ، وزفر ، ومالك ليس لأحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل هذا فيتم له النكاح بغير صداق ، وإنما كان ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة ؛ لأن الله تعالى لما جعل له أن يتزوج بغير صداق كان له أن يتزوج على العتاق الذي ليس بصداق ، ثم إن فعل هذا وقع العتاق ، ولها عليه مهر المثل ، فإن أبت أن تتزوجه تسعى له في قيمتها عند أبي حنيفة ، ومحمد ، وقال مالك وزفر لا شيء له عليها ، وفي الأحكام لابن بزيزة ، وقال الشافعي ، وأبو حنيفة ، ومحمد بن الحسن : إن كرهت نكاحه غرمت له قيمتها ، ومضى النكاح ، فإن كانت معسرة استسعيت في ذلك ، وقال مالك وزفر : إن كرهت فهي حرة ، ولا شيء له عليها ، إلا أن يقول لا أعتق إلا على هذا الشرط ، فإن كرهت لم تعتق لأنه من باب الشرط والمشروط ، ثم إن الطحاوي استدل على الخصوصية بقوله تعالى : وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ الآية ، وجه الاستدلال أن الله تعالى لما أباح لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يتزوج بغير صداق كان له أن يتزوج على العتاق الذي ليس بصداق ، ومما يؤيد ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ جويرية بنت الحارث في غزوة بني المصطلق فأعتقها ، وتزوجها ، وجعل عتقها صداقها ، رواه الطحاوي من حديث ابن عمر ، ثم روى عن عائشة كيف كان عتاقه صلى الله عليه وسلم جويرية التي تزوجها عليه وجعله صداقها . قالت : لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا بني المصطلق ، وقعت جويرية بنت الحارث في سهم ثابت بن قيس بن شماس أو لابن عم له ، فكاتبت على نفسها ، قالت : وكانت امرأة حلوة ملاحة لا يكاد يراها أحد إلا أخذت بنفسه ، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم لتستعينه في كتابتها ، فوالله ما هي إلا إن رأيتها على باب الحجرة ، وعرفت أنه سيرى منها مثل ما رأيت ، فقالت : يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه ، وقد أصابني من الأمر ما لم يخف عليك ، فوقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس أو ابن عم له ، فكاتبته فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم أستعينه على كتابتي ، فقال : فهل لك في خير من ذلك ؟ قالت : وما هو يا رسول الله ؟ قال : أقضي عنك كتابتك وأتزوجك .

قالت : نعم . قال : فقد فعلت ، وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج جويرية بنت الحارث ، فقالوا : صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأرسلوا ما في أيديهم ، قالت : فلقد أعتق بتزويجه إياها مائة من أهل بيت من بني المصطلق ، فلا نعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها ، ورواه أيضا أبو داود ، وفيه أيضا حكم يختص بالنبي صلى الله عليه وسلم دون غيره ، وهو أن يؤدي كتابة مكاتبة غيره لتعتق بذلك ، ويكون عتقه مهرها لتكون زوجته ، فهذا لا يجوز لأحد غير النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا إذا كان جائزا للنبي صلى الله عليه وسلم فجعله عتق الذي تولى عتقه هو مهرا لمن أعتقه أولى وأحرى أن يجوز ، وقال البيهقي : قال القاضي البرني قال لي يحيى بن أكتم : هذا كان للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة ، وكذا روي عن الشافعي أنه حمله على التخصيص ، وموضع التخصيص أنه أعتقها مطلقا ثم تزوجها على غير مهر . قوله : حلوة بالضم من الحلاوة .

قوله : ملاحة بضم الميم وتشديد اللام معناه شديدة الملاحة ، وهو من أبنية المبالغة ، وقال الزمخشري : وكانت امرأة ملاحة بتخفيف اللام أي ذات ملاحة ، وفعال مبالغة في فعيل نحو كريم ، وكرام ، وكبير ، وكبار ، وفعال بالتشديد أبلغ منه ، وقد ناقش ابن حزم في هذا الموضع مناقشة عظيمة ، وخلاصة ما ذكره أنه قال : دعوى الخصوصية بالنبي صلى الله عليه وسلم في هذا الموضع كذب ، والأحاديث التي ذكرت هاهنا غير صحيحة ، وقد ردينا عليه في جميع ذلك في شرحنا لمعاني الآثار للطحاوي ، فمن أراد الوقوف عليه فعليه بالمراجعة إليه ، ومنها أن الزفاف في الليل ، وقد جاء أنه دخل عليها نهارا ، ففيه جواز الأمرين ، ومنها أن فيه دلالة على مطلوبية الوليمة للعرس ، وأنها بعد الدخول ، وقال الثوري : ويجوز قبله وبعده ، والمشهور عندنا أنها سنة ، وقيل : واجبة ، وعندنا إجابة الدعوة سنة سواء كانت وليمة أو غيرها ، وبه قال أحمد ومالك في رواية ، وقال الشافعي : إجابة وليمة العرس واجبة ، وغيرها مستحبة ، وبه قال مالك في رواية ، والوليمة عبارة عن الطعام المتخذ للعرس مشتقة من الولم ، وهو الجمع لأن الزوجين يجتمعان فتكون الوليمة خاصة بطعام العرس لأنه طعام الزفاف ، والوكيرة طعام البناء ، والخرس طعام الولادة ، وما تطعمه النفساء نفسها خرسة ، والإعذار طعام الختان ، والنقيعة طعام القادم من سفره ، وكل طعام صنع لدعوة مأدبة ، ومأدبة جميعا ، والدعوة الخاصة التقري ، والعامة الجفلى ، والأجفلى . ومنها أن فيه إدلال الكبير لأصحابه ، وطلب طعامهم في نحو هذا ، ويستحب لأصحاب الزوج وجيرانه مساعدته في الوليمة بطعام من عندهم ، ومنها أن فيه الوليمة تحصل بأي طعام كان ، ولا تتوقف على شاة ، والسنة تقوم بغير لحم ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

ورد في أحاديث20 حديثًا
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث