باب يبدي ضبعيه ويجافي في السجود
حدثنا نعيم قال : حدثنا ابن المبارك عن حميد الطويل عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها وصلوا صلاتنا واستقبلوا قبلتنا وذبحوا ذبيحتنا فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها ، وحسابهم على الله . حديث أنس هذا أخرجه البخاري في هذا الباب من ثلاثة أوجه : الأول : مسند عن عمرو بن عباس إلخ ، وقد مر . والثاني : فيه خلاف بين الرواة من أربعة أوجه : الأول : حدثه البخاري عن نعيم بن حماد الخزاعي ، ونعيم أخرجه معلقا من حيث قال : قال ابن المبارك ، وهو عبد الله بن المبارك ، وهذا هو المذكور في نسختنا .
الثاني : قال ابن شاكر راوي البخاري عنه قال نعيم بن حماد فالبخاري علقه ، والثالث : رواية الأصيلي وكريمة قال ابن المبارك بغير ذكر نعيم فالبخاري أيضا علقه . والرابع : وقع مسندا حيث قال في بعض النسخ : حدثنا نعيم حدثنا ابن المبارك إلخ ، والثالث من الأوجه التي ذكرها البخاري معلق موقوف على ما يأتي عن قريب . وأخرج أبو داود هذا الحديث في الجهاد ، والترمذي في الإيمان عن سعيد بن يعقوب عن ابن المبارك ، وأخرجه النسائي في المحاربة عن محمد بن حاتم عن حبان عن ابن المبارك .
قوله : أمرت أي أمرني الله تعالى ، وإنما طوى ذكر الفاعل لشهرته ولتعظيمه . قوله : أن أقاتل الناس أي بأن أقاتل ، وكلمة أن مصدرية ، وأراد بالناس المشركين . قوله : حتى يقولوا لا إله إلا الله إنما اكتفى بذكر هذا الشرط من غير انضمام محمد رسول الله ؛ لأنه عبر على طريق الكناية عن الإقرار برسالته بالصلاة ، والاستقبال ، والذبح ؛ لأن هذه الثلاثة من خواص دينه صلى الله عليه وسلم ؛ لأن القائلين لا إله إلا الله كاليهود فصلاتهم بدون الركوع ، وقبلتهم غير الكعبة ، وذبيحتهم ليست كذبيحتنا ، وقد يجاب بأن هذا الشرط الأول من كلمة الشهادة شعار لمجموعها كما يقال : قرأت الم ذَلِكَ الْكِتَابُ والمراد كل السورة لا يقال فعلى هذا لا يحتاج إلى الأمور الثلاثة ؛ لأن مجرد هذه الكلمة التي هي شعار الإسلام محرمة للدماء والأموال ؛ لأنا نقول الغرض منه بيان تحقيق القول بالفعل ، وتأكيد أمره فكأنه قال : إذا قالوها وحققوا معناها بموافقة الفعل لها فتكون محرمة ، وأما تخصيص هذه الثلاثة من بين سائر الأركان وواجبات الدين فلكونها أظهرها وأعظمها وأسرعها علما بها إذ في اليوم الأول من الملاقاة مع الشخص يعلم صلاته ، وطعامه غالبا بخلاف نحو الصوم فإنه لا يظهر الامتياز بيننا وبينهم به ، ونحو الحج فإنه قد يتأخر إلى شهور وسنين ، وقد لا يجب عليه أصلا .
قوله : وذبحوا ذبيحتنا أي ذبحوا المذبوح مثل مذبوحنا ، والذبيحة على وزن فعيلة بمعنى المذبوح ، فإن قلت : فعيل إذا كان بمعنى المفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث فلا تدخله التاء . ( قلت ) لما زال عنه معنى الوصفية ، وغلبت الاسمية عليه ، واستوى فيه المذكر والمؤنث فدخله التاء ، وقد يقال : إن الاستواء فيه عند ذكر الموصوف معه ، وأما إذا انفرد عنه فلا . قوله : إلا بحقها أي إلا بحق الدماء والأموال ، وفي حديث ابن عمر فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام .
قوله : وحسابهم على الله على سبيل التشبيه أي هو كالواجب على الله في تحقق الوقوع ، وإلا فلا يجب على الله شيء ، وكان الأصل فيه أن يقال وحسابهم لله أو إلى الله ، وقد مر تحقيق الكلام في هذا الباب مستوفى في باب فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ ( وقال علي بن عبد الله : حدثنا خالد بن الحارث قال : حدثنا حميد قال : سأل ميمون بن سياه أنس بن مالك قال : يا أبا حمزة وما يحرم دم العبد وماله ، فقال : من شهد أن لا إله إلا الله ، واستقبل قبلتنا ، وصلى صلاتنا ، وأكل ذبيحتنا فهو المسلم ، له ما للمسلم وعليه ما على المسلم ) . هذا معلق وموقوف ، أما التعليق فإنه قال : قال علي بن عبد الله هو ابن المديني ، وفاعل قال الأول هو البخاري ، وفاعل قال الثاني ظاهر ، وهو شيخه علي بن المديني ، وأما الوقف فإن أنسا لم يرفعه . قوله : يابا حمزة أصله يا أبا حمزة فحذفت الهمزة للتخفيف ، وأبو حمزة كنية أنس .
قوله : وما يحرم بالتشديد من التحريم ، وكلمة ما استفهامية ، فإن قلت : وما يحرم عطف على ماذا ، ( قلت ) على شيء محذوف كأنه سأل عن شيء قبل هذا ، ثم قال : وما يحرم ، ولم تقع الواو في رواية الأصيلي وكريمة ، وقال بعضهم : الواو استئنافية . ( قلت ) الاستئناف كلام مبتدأ فعلى هذا لا يبقى مقول لقال فيحتاج إلى تقدير ، فإن قلت : الجواب ينبغي أن يكون مطابقا للسؤال ، والسؤال هنا عن سبب التحريم فالجواب كيف يطابقه ( قلت ) المطابقة ظاهرة ؛ لأن قوله : من شهد إلخ هو الجواب وزيادة ؛ لأنه لما ذكر الشهادة وما عطف عليها علم أن الذي يفعل هذا هو المسلم ، والمسلم يحرم دمه وماله إلا بحقه . قوله : له أي من النفع وعليه أي من المضرة ، والتقديم يفيد الحصر أي له ذلك لا لغيره .
( قال ابن أبي مريم : أخبرنا يحيى قال : حدثنا حميد قال : حدثنا أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم ) . هذا أيضا معلق رواه ابن أبي مريم ، وهو سعيد بن الحكم المصري عن يحيى بن أيوب الغافقي المصري عن حميد الطويل عن أنس بن مالك ، وقد وصله أبو نعيم حدثنا أبو أحمد الجرجاني ، حدثنا إبراهيم بن موسى ، حدثنا إبراهيم بن هانئ ، حدثنا عمرو بن الربيع ح وحدثنا إبراهيم بن محمد ، حدثنا أبو عروبة ، حدثنا عمر بن الخطاب حدثنا ابن أبي مريم قالا : حدثنا يحيى بن أيوب أخبرني حميد سمع أنسا فذكره ، وفي هذا فائدة ، وهي تصريح حميد بسماعه إياه من أنس ، ولكن طعن فيه الإسماعيلي وقال : الحديث حديث ميمون ، وإنما سمعه حميد منه ، ولا يحتج بيحيى بن أيوب في قوله : عن حميد حدثنا أنس قال ، ويدل على ذلك ما أخبرنا يحيى بن محمد بن البحتري حدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا أبي عن حميد عن ميمون قال : سألت أنسا ما يحرم مال المسلم ودمه .. . الحديث .
( قلت ) رواية معاذ لا دليل فيها على أن حميدا لم يسمعه من أنس ؛ لأنه يجوز أن يكون سمعه من أنس ، ثم استثبت فيه عن ميمون فكأنه تارة يحدث به عن أنس لأجل العلو ، وتارة عن ميمون للاستثبات ، وقد جرت عادة حميد وغيره بهذه الطريقة ، فإن قلت : جاء عن أبي هريرة أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وجاء عن ابن عمر : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم وجاء عن أنس المذكور في هذا الباب ، فما التوفيق بين هذه الروايات الثلاث؟ ( قلت ) إنما اختلفت هذه الألفاظ فزادت ونقصت لاختلاف الأحوال والأوقات التي وقعت هذه الأقوال فيها ، وكانت أمور الشريعة تشرع شيئا فشيئا ، فخرج كل قول فيها على شرط المفروض في حينه ، فصار كل منها في زمانه شرطا لحقن الدم وحرمة المال ، ولا منافاة بين الروايات ، ولا اختلاف .