باب القضاء واللعان في المسجد بين الرجال والنساء
حدثنا يحيى قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا ابن جريج قال : أخبرني ابن شهاب ، عن سهل بن سعد أن رجلا قال : يا رسول الله ، أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا ، أيقتله ؟ فتلاعنا في المسجد وأنا شاهد . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله أيقتله ؟ ؛ لأنه لو لم ير مباشرة تامة لما سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن جواز قتل الرجل ، وإلا فمجرد وجدان الرجل مع امرأته من غير مباشرة لا يقتضي سؤال القتل فيه ، ففي الجملة ليس فيه إشعار بالزنا ولا يقتضيه إلا ما يفهم من قوله أيقتله ؟ . ذكر رجاله : وهم خمسة ؛ الأول : يحيى بن موسى أبو زكريا ، يعرف بالخت ؛ بفتح الخاء المعجمة وتشديد التاء المثناة من فوق .
الثاني : عبد الرزاق بن همام الصنعاني . الثالث : عبد الملك بن جريج . الرابع : محمد بن مسلم بن شهاب الزهري .
الخامس : سهل بن سعد بن مالك بن خالد الخزرجي الساعدي ، أبو العباس ، وقيل : أبو يحيى . ذكر لطائف إسناده : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين والإخبار بصيغة الجمع في موضع وبصيغة الإفراد ، وفيه العنعنة في موضع ، وفيه حدثنا يحيى مجردا في رواية الأكثرين ، وفي رواية الكشميهني يحيى بن موسى ، وقال ابن السكن : هو يحيى بن موسى ، وقيل : هو يحيى بن جعفر البيكندي . وقال الكرماني : ويحتمل أن يراد به يحيى بن معين ؛ لأنه سمع من عبد الرزاق .
قلت : الأصح ما قاله ابن السكن ، وفيه أن رواته ما بين بلخي وصنعاني ومكي ومدني . ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري أيضا في الطلاق عن إسماعيل بن عبد الله ، وفي التفسير عن عبد الله بن يوسف ؛ كلاهما عن مالك ، وفي الاعتصام عن آدم عن ابن أبي ذئب ، وفي الأحكام وفي المحاربين عن علي بن عبد الله عن سفيان ، وفي التفسير عن أبي الربيع الزهراني عن فليح ، وعن إسحاق عن الفريابي عن الأوزاعي ، وفي الطلاق أيضا عن يحيى عن عبد الرزاق . وأخرجه مسلم في اللعان عن يحيى بن يحيى عن مالك ، وعن حرملة عن ابن وهب ، وعن محمد بن رافع عن عبد الرزاق .
وأخرجه أبو داود في الطلاق عن القعنبي عن مالك مطولا ، وعن أبي الربيع الزهراني ببعضه ، وعن مسدد ووهب بن بيان وأحمد بن عمرو بن السرح وعمرو بن عثمان ، وعن محمود بن خالد ، وعن أحمد بن صالح ، وعن محمد بن جعفر الوركاني . وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن سلمة عن ابن القاسم عن مالك به ، وأخرجه ابن ماجه فيه عن أبي مروان محمد بن عثمان . ذكر معناه وما يستنبط منه : قوله ( أن رجلا ) اختلفوا فيه ؛ فقيل : إنه هلال بن أمية ، وقيل : عاصم بن عدي ، وقيل : عويمر العجلاني .
قلت : روى الطحاوي من حديث الزهري عن سهل بن سعد الساعدي أن عويمرا جاء إلى عاصم بن عدي فقال : أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا فقتله ، أتقتلونه ؟ سل يا عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم . الحديث ، وفي حديث أنس رضي الله تعالى عنه هلال بن أمية ، روى الطحاوي من حديث ابن سيرين عن أنس بن مالك أن هلال بن أمية قذف شريك بن سمحاء بامرأته فرفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : ائت بأربعة شهداء وإلا فحد في ظهرك . الحديث ، وفيه : فنزلت آية اللعان .
وأخرجه مسلم والنسائي أيضا ، وفي حديث ابن عباس : عويمر العجلاني ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لاعن بين العجلاني وامرأته . الحديث ، رواه الطحاوي وأحمد في مسنده والبيهقي في سننه ، ووقع في حديث عبد الله بن مسعود : وكان رجلا من الأنصار جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلاعن امرأته . وقال المهلب : الصحيح أن القاذف عويمر ، والذي ذكر في حديث ابن عباس من قوله العجلاني هو عويمر ، وكذا في قول عبد الله بن مسعود : وكان رجلا ، وهلال بن أمية خطأ ، وأظنه غلطا من هشام بن حسان وذلك لأنها قصة واحدة ، والدليل على ذلك توقفه - صلى الله عليه وسلم - فيها حتى نزلت الآية الكريمة ، ولو أنهما قضيتان لم يتوقف على الحكم في الثانية بما نزل عليه في الأولى .
قلت : كأنه تبع في هذا الكلام محمد بن جرير ، فإنه قال في التهذيب يستنكر قوله في الحديث هلال بن أمية : وإنما القاذف عويمر بن الحارث بن زيد بن الجد بن عجلان . وفيما قالاه نظر ؛ لأن قضية هلال وقذفه زوجته بشريك ثابتة في صحيح البخاري في موضعين : الشهادات والتفسير ، وفي صحيح مسلم من حديث أنس ، وقال ابن التين : الصحيح أن هلالا لاعن قبل عويمر . وقال الماوردي في الحاوي : الأكثرون على أن قصة هلال أسبق من قصة عويمر .
وفي الشامل لابن الصباغ : قصة هلال تبين أن الآية الكريمة نزلت فيه أولا . قوله ( أرأيت رجلا ) ، الهمزة فيه للاستفهام ؛ أي أخبرني بحكمه في أنه هل يجوز قتله أو لا ؟ قوله ( فتلاعنا ) فيه حذف كثير ، وقد بين ذلك في غيره من الأحاديث التي أخرجها البخاري مكررة كما ذكرنا ، والمحذوف بعد قوله أيقتله أم كيف يفعل ؟ فأنزل الله في شأنه ما ذكر في القرآن من أمر المتلاعنين ، ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : قد قضى الله فيك وفي امرأتك . قال : فتلاعنا في المسجد وأنا شاهد ، فلما فرغا قال : كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها ! فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين فرغا من التلاعن ، ففارقها عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : ذاك تفريق بين كل متلاعنين الحديث ، وسيأتي أحكام اللعان مستقصاة في كتاب اللعان ، وإنما ذكر البخاري هذا الحديث مختصرا لأجل جواز القضاء في المسجد وهو جائز عند عامة العلماء ، وقال مالك : جلوس القاضي في المسجد للقضاء من الأمر القديم المعمول به .
وقال ابن حبيب : وكان من مضى من القضاة لا يجلسون إلا في رحاب المساجد خارجا . وقال أشهب : لا بأس أن يقضي في بيته أو حيث أحب ، واستحب بعضهم الرحاب . وفي المعونة : الأولى أن يقضي في المسجد ، وكان شريح وابن أبي ليلى يقضيان فيه ، وروي عن سعيد بن المسيب كراهية ذلك ؛ قال : لو كان لي من الأمر شيء ما تركت اثنين يختصمان في المسجد .
وعن الشافعي كراهيته في المسجد إذا أعده لذلك دون ما إذا اتفقت له حكومة فيه ، إذ فيه حديث جنبوا مساجدكم رفع أصواتكم وخصوماتكم ، ولا يعترض على هذا باللعان لأنها أيمان ويراد بها الترهيب ليرجع المبطل . قلت : قال أصحابنا جميعا : والمستحب أن يجلس في مجلس الحكم في الجامع ، فإن كان مسجدا بجنب داره فله ذلك ، وإن قضى في داره جاز ، والجامع أرفق المواضع بالناس وأجدر أن لا يخفى على أحد جلوسه ولا يوم حكمه ، وقد كان الشعبي يقضي في الجامع وشريح يقضي في المسجد ويخطب بالسواد ، وقد قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - في مسجده بين الأنصار في مواريث تقادمت ، وكانت الأئمة يقضون في المساجد ، وعثمان رضي الله تعالى عنه في الحر يقيم في المسجد وقضى بين سقا وخصم له في المسجد ، وإن حضر في المسجد لغير الحكم فحضر خصمان لم يكره له أن يحكم بينهما ، وعن عمر بن عبد العزيز : لا يقعد القاضي في المسجد يدخل فيه المشركون ، فإنهم نجس ، وتلا الآية . وكان يحيى بن يعمر في الطريق وقصده رجل إلى منزله ، فقال : القاضي لا يؤتى في منزله .