باب سترة الإمام سترة من خلفه
حدثنا أبو الوليد ، قال : حدثنا شعبة ، عن عون بن أبي جحيفة ، قال : سمعت أبي أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم بالبطحاء ، وبين يديه عنزة ، الظهر ركعتين ، والعصر ركعتين ، تمر بين يديه المرأة ، والحمار . مطابقته للترجمة من الوجه الذي ذكرناه في الحديث السابق . ( ذكر رجاله ) : وهم أربعة ، الأول : أبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي البصري .
الثاني : شعبة بن الحجاج . الثالث : عون بفتح العين المهملة ، وسكون الواو ، وبالنون . الرابع : أبوه أبو جحيفة بضم الجيم ، وفتح الحاء ، مر في كتاب العلم ، واسمه وهب بن عبد الله السوائي ، بضم السين المهملة .
( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في موضع واحد ، وفيه السماع ، وفيه التحديث بصيغة المضارع المفرد ، وفيه أن رواته ما بين بصري وكوفي . ( ذكر تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في الصلاة عن آدم ، وأخرجه مطولا ومختصرا في باب استعمال وضوء الناس ، وفي ستر العورة ، وفي الأذان ، وفي صفة النبي صلى الله عليه وسلم في موضعين ، وفي اللباس في موضعين ، وأخرجه أيضا بعد بابين في باب الصلاة إلى العنزة ، وفي باب السترة بمكة ، وغيرها ، وأخرجه مسلم في الصلاة ، وكذلك أبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه ، وقد ذكرناه في باب الصلاة في الثوب الأحمر . ( ذكر معناه ) : قوله : ( بالبطحاء ) ، أي : بطحاء مكة ، ويقال لها : الأبطح أيضا .
قوله : ( وبين يديه عنزة ) جملة وقعت حالا . قوله : ( الظهر ) منصوب ؛ لأنه مفعول صلى . قوله : ( ركعتين ) نصب إما على أنه حال ، وإما على أنه بدل من الظهر ، وكذلك الكلام في قوله : ( والعصر ركعتين ) .
قوله : ( تمر بين يديه المرأة ، والحمار ) جملة وقعت حالا ، والجملة الفعلية إذا وقعت حالا ، وكان فعلها مضارعا ، يجوز فيها الواو وتركها . ( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه جعل السترة بين يديه إذا كان في الصحراء ، وفيه أن مرور المرأة ، والحمار لا يقطع الصلاة ، وهو قول عامة العلماء ، وروي عن أنس ومكحول ، وأبي الأحوص ، والحسن ، وعكرمة : يقطع الصلاة الكلب ، والحمار ، والمرأة ، وعن ابن عباس : يقطع الصلاة الكلب الأسود ، والمرأة الحائض ، وعن عكرمة : يقطع الصلاة الكلب ، والحمار ، والخنزير ، والمرأة ، واليهودي ، والنصراني ، والمجوسي ، وعن عطاء : لا يقطع الصلاة إلا الكلب الأسود ، والمرأة الحائض ، وعن أحمد في المشهور عنه : يقطع الصلاة مرور الكلب الأسود البهيم ، وفي رواية : يقطعها أيضا الحمار ، والمرأة ، والكلب البهيم الذي لا يخالط لونه لون آخر ، وفي ( جامع شمس الأئمة ) تفسد الصلاة بمرور المرأة بين يديه ، وفي ( الكافي ) عند أهل العراق : تفسد بمرور الكلب ، والمرأة ، والحمار ، والخنزير ، والحديث المذكور حجة على من يقول بقطع الصلاة بمرور المرأة ، والحمار ، والحجة على من يرى بقطع الصلاة بالأشياء المذكورة من هؤلاء المذكورين ما رواه أبو داود في سننه ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا يقطع الصلاة شيء وادرءوا ما استطعتم ، فإنما هو شيطان ) ، وفي الباب عن ابن عمر ، وأبي أمامة ، وأنس ، وجابر ، فحديث ابن عمر عند الدارقطني في ( سننه ) وحديث أبي أمامة ، وأنس أيضا عنده ، وحديث جابر عند الطبراني في ( الأوسط ) ، ( قلت ) : أما حديث الخدري ، ففيه مقال ، وأما حديث ابن عمر ، وأبي أمامة ، وأنس ، فقال ابن الجوزي : لا يصح منها شيء ، وأما حديث جابر ، ففيه عيسى بن ميمون ، قال ابن حبان : لا يحل الاحتجاج به ومستند المذكورين ما رواه مسلم عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( تقطع صلاة الرجل إذا لم يكن بين يديه كأخرة الرحل المرأة ، والحمار ، والكلب الأسود . قلت : ما بال الأسود من الأحمر ؟ قال : يا ابن أخي سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سألتني ، فقال : الكلب الأسود شيطان ) وحجة العامة ما رواه البخاري ، ومسلم عن عروة عن عائشة ، قالت : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وأنا معترضة بين يديه كاعتراض الجنازة ) ، وقد روي هذا بوجوه مختلفة منها فيه : وأنا حذاءه ، وأنا حائض ، وجه الاستدلال به أن اعتراض المرأة -خصوصا الحائض- بين المصلي ، وبين القبلة لا يقطع الصلاة ، فالمارة بطريق الأولى ، وبوب عليه أبو داود في ( سننه ) باب من قال : الحمار لا يقطع الصلاة ، وبوب أيضا باب من قال : الكلب لا يقطع الصلاة ، ثم روى عن الفضل بن عباس ، قال : ( أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في بادية ، ومعه عباس ، فصلى في صحراء ليس بين يديه سترة ، وحمارة لنا ، وكلبة تعبثان بين يديه ، فما بالى ذلك ) ، وأخرجه النسائي أيضا ، وقال النووي : وتأول الجمهور القطع المذكور في الأحاديث المذكورة على قطع الخشوع جمعا بين الأحاديث ، ( قلت ) : هذا جيد فيما إذا كانت الأحاديث التي رويت في هذا الباب مستوية الأقدام ، وأما إذا قلنا : أحاديث الجمهور أقوى وأصح من أحاديث من خالفهم ، فالأخذ بالأقوى أولى وأقوى .
( فإن قلت ) : قال ابن القصار : من قال : إن الحمار يقطع الصلاة ، قال : إن مرور حمار عبد الله كان خلف الإمام بين يدي بعض الصف ، والإمام سترة لمن خلفه ، ( قلت ) : رد هذا بما رواه البزار أن المرور كان بين يديه صلى الله عليه وسلم ، ( فإن قلت ) : روى أبو داود من حديث سعيد بن غزوان ، عن أبيه أنه نزل بتبوك وهو حاج ، فإذا برجل مقعد ، فسأله عن أمره ، فقال : سأحدثك بحديث ، فلا تحدث به ما سمعت أني حي ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل بتبوك إلى نخلة ، فقال : هذه قبلتنا ، ثم صلى إليها ، قال : فأقبلت وأنا غلام أسعى حتى مررت بينه وبينها ، فقال : قطع صلاتنا قطع الله أثره ، فما قمت عليها إلى يومي هذا ، ( قلت ) : قوله : عليها ، أي : على رجلي ، وليس بإضمار قبل الذكر لوجود القرينة ، ( قلت ) : أبو داود سكت عنه ، وقال غيره : هذا حديث واه ، ولئن سلمنا صحته ، فهو منسوخ بحديث ابن عباس ؛ لأن ذلك كان بتبوك ، وحديثه كان في حجة الوداع بعدها ، والله أعلم ، وفيه جواز قصر الصلاة الرباعية ، بل هو أفضل من الإتمام ، وهل هو رخصة ، أو عزيمة ؟ فيه خلاف بيننا وبين الشافعي على ما يأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى . [كذا في المطبوع ، والصواب : ( يحيى بن ميمون ) كما في الأوسط للطبراني وينظر ترجمته في التهذيبين . والله أعلم]