حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب إثم المار بين يدي المصلي

( باب إثم المار بين يدي المصلي )

ج٤ / ص٢٩٣159 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، قال : أخبرنا مالك ، عن أبي النضر ، مولى عمر بن عبيد الله ، عن بسر بن سعيد ، أن زيد بن خالد أرسله إلى أبي جهيم يسأله : ماذا سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم في المار بين يدي المصلي ؟ فقال أبو جهيم : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيرا له من أن يمر بين يديه ، قال أبو النضر : لا أدري أقال أربعين يوما ، أو شهرا ، أو سنة . مطابقته للترجمة ظاهرة .

( ذكر رجاله ) : وهم ستة ، قد ذكروا ، وأبو النضر بفتح النون ، وسكون الضاد المعجمة ، اسمه سالم ابن أبي أمية ، وبسر بضم الباء الموحدة ، وسكون السين المهملة ، الحضرمي المدني الزاهد ، مات سنة مائة ، ولم يخلف كفنا ، وزيد بن خالد الجهني الصحابي ، وأبو جهيم بضم الجيم ، وفتح الهاء ، واسمه عبد الله بن جهيم . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد ، والإخبار كذلك ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه تابعي وصحابيان ، وفيه أبو جهيم بالتصغير ، مر في باب التيمم في الحضر ، وقال ابن عبد البر : راوي حديث المرور هو غير راوي حديث التيمم ، وقال الكلاباذي : أبو جهيم ، ويقال : أبو جهم بن الحارث ، روى عنه البخاري في الصلاة ، والتيمم ، وقال النووي : أبو جهيم راوي حديث المرور وحديث التيمم غير أبي الجهم مكبرا المذكور في حديث الخميصة ، والأنبجانية ؛ لأن اسمه عبد الله ، وهو أنصاري ، واسم ذلك عامر ، وهو عدوي ، وقال الذهبي : أبو الجهيم يقال : أبو الجهم بن الحارث بن الصمة كان أبوه من كبار الصحابة ، ثم قال : أبو جهيم عبد الله بن جهيم جعله وابن الصمة واحدا أبو نعيم ، وابن منده ، وكذا قاله مسلم في بعض كتبه ، وجعلهما ابن عبد البر اثنين ، وهو أشبه ، لكن متن الحديث واحد . ( ذكر من أخرجه غيره ) أخرجه بقية الستة ، قال ابن ماجه : حدثنا هشام بن عمار ، حدثنا ابن عيينة عن أبي النضر عن بسر ، قال : ( أرسلوني إلى زيد بن خالد أسأله عن المرور بين يدي المصلي ، فأخبرني عن النبي عليه الصلاة والسلام ، قال : لأن يقوم أربعين خير له من أن يمر بين يديه ، قال سفيان : ولا أدري أربعين سنة ، أو شهرا ، أو صباحا ، أو ساعة ) ، وفي ( مسند البزار ) ، أخبرنا أحمد بن عبدة ، حدثنا سفيان به ، وفيه ( أرسلني أبو جهيم إلى زيد بن خالد ، فقال : لأن يقوم أربعين خريفا خير له من أن يمر بين يديه ) ، وقال أبو عمر في ( التمهيد ) رواه ابن عيينة مقلوبا ، والقول عندنا قول مالك ، ومن تابعه ، وقال ابن القطان في حديث البزار خطئ فيه ابن عيينة ، وليس خطؤه بمتعين لاحتمال أن يكون أبو جهيم بعث بسرا إلى زيد ، وزيد بعثه إلى أبي جهيم يستثبت كل واحد ما عند الآخر ، فأخبر كل منهما بمحفوظه ، فشك أحدهما وجزم الآخر ، واجتمع ذلك كله عند أبي النضر ، ( قلت ) : قول مالك في ( الموطأ ) لم يختلف عليه فيه أن المرسل هو زيد ، وأن المرسل إليه هو أبو جهيم ، وتابعه سفيان الثوري عن أبي النضر عند مسلم ، وابن ماجه ، وغيرهما ، وخالفهما ابن عيينة عن أبي النضر ، فقال : عن بسر بن سعيد ، قال ( أرسلني أبو جهيم إلى زيد بن خالد أسأله ) فذكر هذا الحديث ، ( قلت ) : هذا عكس متن ( الصحيحين ) ؛ لأن المسؤول فيهما هو أبو الجهيم ، وهو الراوي عن النبي عليه الصلاة والسلام ، وعند البزار : المسؤول زيد بن خالد .

( ذكر معناه ) : قوله : ( ماذا عليه ) ، أي : من الإثم ، والخطيئة ، وفي رواية الكشميهني ( ماذا عليه من الإثم ) ، وليست هذه الزيادة في شيء من الروايات غيره ، وكذا في ( الموطأ ) ليست هذه الزيادة ، وكذا في سائر المسندات ، وفي المستخرجات ، غير أنه وقع في ( مصنف ابن أبي شيبة ) ماذا عليه ، يعني من الإثم ، وعيب على المحب الطبري حيث عزا هذه الزيادة في الأحكام للبخاري . قوله : ( بين يدي المصلي ) ، أي : أمامه بالقرب منه ، وعبر باليدين لكون أكثر الشغل يقع بهما . قوله : ( أن يقف أربعين ) ، وقد ذكرنا أن في رواية ابن ماجه ( أربعين سنة ، أو شهرا ، أو صباحا ، أو ساعة ) ، وفي رواية البزار ( أربعين خريفا ) ، وفي ( صحيح ابن حبان ) عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لو يعلم أحدكم ما له في أن يمر بين يدي أخيه معترضا في الصلاة كان لأن يقيم مائة عام خيرا له من الخطوة التي خطا ، وفي ( الأوسط ) للطبراني عن عبد الله بن عمرو مرفوعا ( إن ج٤ / ص٢٩٤الذي يمر بين يدي المصلي عمدا يتمنى يوم القيامة أنه شجرة يابسة ) ، وفي المصنف عن عبد الحميد عامل عمر بن عبد العزيز ، قال صلى الله عليه وسلم : ( لو يعلم المار بين يدي المصلي ما عليه لأحب أن ينكسر فخذه ، ولا يمر بين يديه ) ، وقال ابن مسعود : ( المار بين يدي المصلي أنقص من الممر عليه ، وكان إذا مر أحد بين يديه التزمه حتى يرده ) ، وقال ابن بطال : قال عمر رضي الله عنه : لكان يقوم حولا خير له من مروره ، وقال كعب الأحبار : لكان أن يخسف به خيرا له من أن يمر بين يديه .

قوله : ( قال أبو النضر ) ، قال الكرماني : إما من كلام مالك ، فهو مسند ، وإما تعليق من البخاري ، ( قلت ) : هو كلام مالك ، وليس هو من تعليق البخاري ؛ لأنه ثابت في ( الموطأ ) من جميع الطرق ، وكذا ثبت في رواية الثوري ، وابن عيينة . قوله : ( أقال ) الهمزة فيه للاستفهام وفاعله بسر ، أو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كذا قاله الكرماني ، ( قلت ) : الظاهر أنه بسر بن أبي أمية . ( ذكر إعرابه ) : قوله : ( ماذا عليه ) كلمة ما استفهام ، ومحله الرفع على الابتداء ، وكلمة ذا إشارة خبره ، والأولى أن تكون ذا موصولة ، بدليل افتقاره إلى شيء بعده ؛ لأن تقديره : ماذا عليه من الإثم ، ثم إن ماذا عليه في محل النصب على أنه سد مسد المفعولين لقوله : لو يعلم ، وقد علق عمله بالاستفهام .

قوله : ( لكان ) جواب لو ، وكلمة أن مصدرية ، والتقدير : لو يعلم المار ما الذي عليه من الإثم من مروره بين يدي المصلي لكان وقوفه أربعين خيرا له من أن يمر ، أي : من مروره بين يديه ، وقال الكرماني : جواب لو ليس هو المذكور ، إذ التقدير : لو يعلم ماذا عليه لوقف أربعين ، ولو وقف أربعين لكان خيرا له ، ( قلت ) : لا ضرورة إلى هذا التقدير ، وهو تصرف فيه تعسف ، وحق التركيب ما ذكرناه . قوله : ( خيرا ) فيه روايتان النصب ، والرفع ، أما النصب فظاهر ؛ لأنه خبر لكان ، واسم كان هو قوله : أن يقف ؛ لأنا قلنا إن كلمة أن مصدرية ، وأن التقدير : لكان وقوفه أربعين خيرا له ، وأما وجه الرفع فقد قال ابن العربي هو اسم كان ، ولم يذكر خبره ما هو ، وخبره هو قوله : أن يقف ، والتقدير : لو يعلم المار ماذا عليه لكان خير وقوفه أربعين ، وتعسف بعضهم ، فقال : يحتمل أن يقال : اسمها ضمير الشأن ، والجملة خبرها . قوله : ( أقال أربعين يوما ، أو شهرا ، أو سنة ) ؛ لأنه ذكر العدد ، أعني أربعين ، ولا بد من مميز ؛ لأنه لا يخلو عن هذه الأشياء ، وقد أبهم ذلك هاهنا ، ( فإن قلت ) : ما الحكمة فيه ، ( قلت ) : قال الكرماني : وأبهم الأمر ليدل على الفخامة ، وأنه مما لا يقادر قدره ، ولا يدخل تحت العبارة .

انتهى ، ( قلت ) : الإبهام هاهنا من الراوي ، وفي نفس الأمر العدد معين ، ألا ترى كيف تعين فيما رواه ابن ماجه من حديث أبي هريرة ( لكان أن يقف مائة عام ) الحديث كما ذكرنا ، وكذا عين في مسند البزار من طريق سفيان بن عيينة ( لكان أن يقف أربعين خريفا ) ، وقال الكرماني : ( فإن قلت ) : هل للتخصيص بالأربعين حكمة معلومة ؟ ( قلت ) : أسرار أمثالها لا يعلمها إلا الشارع ، ويحتمل أن يكون ذلك ؛ لأن الغالب في أطوار الإنسان أن كمال كل طور بأربعين ، كأطوار النطفة ، فإن كل طور منها بأربعين ، وكمال عدل الإنسان في أربعين سنة ، ثم الأربعة أصل جميع الأعداد ؛ لأن أجزاءه هي عشرة ، ومن العشرات المئات ، ومنها الألوف ، فلما أريد التكثير ضوعف كل إلى عشرة أمثاله . انتهى ، ( قلت ) : غفل الكرماني عن رواية المائة حيث قصر في بيان الحكمة على الأربعين ، وقال بعضهم في التنكيت على الكرماني : بأن هذه الرواية تشعر بأن إطلاق الأربعين للمبالغة في تعظيم الأمر لا لخصوص عدد معين ، ( قلت ) : لا ينافي رواية المائة عن بيان وجه الحكمة في الأربعين ، بل ينبغي أن يطلب وجه الحكمة في كل منهما ؛ لأن لقائل أن يقول : لم أطلق الأربعين للمبالغة في تعظيم الأمر ، ولم لم يذكر الخمسين ، أو ستين ، أو نحو ذلك ، والجواب الواضح الشافي في ذلك أن تعيين الأربعين للوجه الذي ذكره الكرماني ، وأما وجه ذكر المائة فما ذكره الطحاوي أنه قيد بالمائة بعد التقييد بالأربعين للزيادة في تعظيم الأمر على المار ؛ لأن المقام مقام زجر وتخويف وتشديد ، ( فإن قلت ) : من أين علم أن التقييد بالمائة بعد التقييد بالأربعين ، ( قلت ) : وقوعهما معا مستبعد ؛ لأن المائة أكثر من الأربعين ، وكذا وقوع الأربعين بعد المائة لعدم الفائدة ، وكلام الشارع كله حكمة وفائدة ، والمناسبة أيضا تقتضي تأخير المائة عن الأربعين ، ( فإن قلت ) : قد علم فيما مضى وجه الحكمة في الأربعين ، فما وجه الحكمة في تعيين المائة ؟ ( قلت ) : المائة وسط بالنسبة إلى العشرات ، والألوف ، وخير الأمور أوساطها ، وهذا مما تفردت به . ( ذكر ما يستفاد منه من الأحكام ) فيه أن المرور بين يدي المصلي مذموم ، وفاعله مرتكب الإثم ، وقال النووي : فيه دليل على تحريم المرور ، فإن في الحديث النهي الأكيد ، والوعيد الشديد ، فيدل على ذلك ، ( قلت ) : فعلى ما ذكره ينبغي أن ج٤ / ص٢٩٥المرور بين يدي المصلي من الكبائر ، ويعد من ذلك ، واختلف في تحديد ذلك ، فقيل : إذا مر بينه وبين مقدار سجوده ، وقيل : بينه وبين الساتر ثلاث أذرع ، وقيل : بينهما قدر رمية بحجر ، وقد مر الكلام فيه مستوفى ، وفيه ، قال ابن بطال : يفهم من قوله : لو يعلم أن الإثم يختص بمن يعلم بالمنهي وارتكبه ، قال بعضهم : فيه بعد ، ( قلت ) : ليس فيه بعد ؛ لأن لو للشرط ، فلا يترتب الحكم المذكور إلا عند وجوده ، وفيه عموم النهي لكل مصل وتخصيص بعضهم بالإمام ، والمنفرد لا دليل عليه ، وفيه طلب العلم ، والإرسال لأجله ، وفيه جواز الاستنابة ، وفيه أخذ العلماء بعضهم من بعض ، وفيه الاقتصار على النزول مع القدرة على العلو لإرسال زيد بن خالد بسر بن سعيد إلى أبي جهيم ، ولو طلب العلو لسعى هو بنفسه إلى أبي جهيم ، وفيه قبول خبر الواحد .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث