باب يرد المصلي من مر بين يديه
( باب يرد المصلي من مر بين يديه ) ( ورد ابن عمر المار بين يديه في التشهد ، وفي الكعبة ، وقال : إن أبى إلا أن تقاتله فقاتله ) ج٤ / ص٢٨٩الكلام فيه على أنواع ، الأول : في وجه مطابقته للترجمة ، وهي ظاهرة ؛ لأن ابن عمر رد المار من بين يديه وهو في الصلاة . الثاني : في معنى التركيب ، فقوله : ورد ابن عمر ، أي : رد عبد الله بن عمر بن الخطاب المار بين يديه حال كونه في التشهد ، وكان هذا المار هو عمرو بن دينار ، نبه عليه عبد الرزاق ، وابن أبي شيبة في مصنفيهما .
قوله : ( وفي الكعبة ) ، أي : ورد أيضا في الكعبة ، قال الكرماني : هو عطف على مقدر ، أي : رد المار بين يديه عند كونه في الصلاة ، وفي غير الكعبة ، وفي الكعبة أيضا ، ويحتمل أن يراد به كون الرد في حالة واحدة جمعا بين كونه في التشهد ، وفي الكعبة ، فلا حاجة إلى مقدر ، وقال أبو محمد الإشبيلي في كتابه ( الجمع بين الصحيحين ) كذا وقع ، وفي الكعبة ، وقال ابن قرقول : ورد ابن عمر في التشهد ، وفي الكعبة ، وقال القابسي : وفي الركعة بدلا من الكعبة أشبه ، وكذا وقع في بعض الأصول الركعة ، وقال صاحب ( التلويح ) والظاهر أنه وفي الكعبة ، وهو الصواب كما في كتاب الصلاة لأبي نعيم ، حدثنا عبد العزيز بن الماجشون عن صالح بن كيسان ، قال : رأيت ابن عمر يصلي في الكعبة ، فلا يدع أحدا يمر بين يديه يبادره ، قال بردة : حدثنا مطر بن خليفة ، حدثنا عمرو بن دينار ، قال : مررت بابن عمر بعدما جلس في آخر صلاته حتى أنظر ما يصنع ، فارتفع من مكانه فدفع في صدري ، وقال ابن أبي شيبة : أخبرنا ابن فضيل ، عن مطر ، عن عمرو بن دينار ، قال : مررت بين يدي ابن عمر وهو في الصلاة ، فارتفع من قعوده ، ثم دفع في صدري ، وفي كتاب ( الصلاة ) لأبي نعيم : فانتهرني بتسبيحة ، وقال بعضهم : رواية الجمهور متجهة ، وتخصيص الكعبة بالذكر لئلا يتخيل أنه يغتفر فيها المرور لكونها محل المزاحمة ، ( قلت ) : الواقع في نفس الأمر عن ابن عمر في الرد في غير الكعبة ، وفي الكعبة أيضا ، فلا يقال : فيه التخصيص ، والتعليل فيه بكون محل المزاحمة غير موجه ؛ لأن في غير الكعبة أيضا توجد المزاحمة ، سيما في أيام الجمع في الجوامع ، ونحو ذلك . قوله : ( وقال ) أي : ابن عمر ( إن أبى ) ، أي : المار ، أي : امتنع بكل وجه إلا بأن يقاتل المصلي المار قاتله . قوله : ( إلا أن يقاتله ) .
وقوله : ( قاتله ) على وجهين ، أحدهما : أن يكون لفظ قاتله بصيغة الفعل الماضي ، وهذا عند كون لفظ إلا أن يقاتله بصيغة الفعل المضارع المعلوم ، والضمير المرفوع فيه يرجع إلى المار الذي هو فاعل لفظة أبى ، والمنصوب يرجع إلى المصلي ، والضمير المرفوع في قاتله يرجع إلى المصلي ، والمنصوب يرجع إلى المار ، والوجه الآخر : أن يكون لفظة إلا أن تقاتله بصيغة المخاطب ، أي : إلا أن تقاتل المار فقاتله بكسر التاء ، وسكون اللام على صيغة الأمر للحاضر ، وهذه رواية الكشميهني ، والأول : رواية الأكثرين ، ( فإن قلت ) : لفظة قاتله في الوجه الثاني جملة أمرية ، والجملة الأمرية إذا وقعت جزاء للشرط ، فلا بد فيها من الفاء ، ( قلت ) : تقدير الكلام : فأنت قاتله ، قال الكرماني : ويجوز حذف الفاء منها نحو:
الثالث : أمره بالمقاتلة عند عدم امتناع المار من المرور بين يدي المصلي ، وقد وصله عبد الرزاق ، ولفظه عن ابن عمر ، قال : لا تدع أحدا يمر بين يديك وأنت تصلي ، فإن أبى إلا أن تقاتله فقاتله ، وهذا موافق لرواية الكشميهني . 158 - حدثنا أبو معمر ، قال : حدثنا عبد الوارث ، قال : حدثنا يونس ، عن حميد بن هلال ، عن أبي صالح ، أن أبا سعيد قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم ( ح ) وحدثنا آدم بن أبي إياس ، قال : حدثنا سليمان بن المغيرة ، قال : حدثنا حميد بن هلال العدوي ، قال : حدثنا أبو صالح السمان ، قال : رأيت أبا سعيد الخدري في يوم جمعة يصلي إلى شيء يستره من الناس ، فأراد شاب من بني أبي معيط أن يجتاز بين يديه ، فدفع أبو سعيد في صدره ، فنظر الشاب ، فلم يجد مساغا إلا بين يديه ، فعاد ليجتاز ، فدفعه أبو سعيد أشد من الأولى ، فنال من أبي سعيد ، ثم دخل على مروان ج٤ / ص٢٩٠فشكا إليه ما لقي من أبي سعيد ، ودخل أبو سعيد خلفه على مروان ، فقال : ما لك ولابن أخيك يا أبا سعيد ؟ قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس ، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه ، فإن أبى فليقاتله ، فإنما هو شيطان . مطابقته للترجمة ظاهرة .
( ذكر رجاله ) : وهم ثمانية ، الأول : أبو معمر ، بفتح الميمين ، واسمه عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج ، المقعد البصري ، مات بالبصرة سنة أربع وعشرين ومائتين ، وقد تقدم في باب قول النبي صلى الله تعالى عليه وسلم : اللهم علمه الكتاب . الثاني : عبد الوارث بن سعيد ، تقدم أيضا في هذا الباب . الثالث : يونس بن عبيد ، بالتصغير ، ابن دينار ، أبو عبد الله البصري ، مات سنة تسع وثلاثين ومائتين .
الرابع : حميد ، بضم الحاء ، تصغير الحمد ، بن هلال ، بكسر الهاء ، وتخفيف اللام ، العدوي ، بفتح العين ، والدال المهملتين ، التابعي الجليل . الخامس : أبو صالح ، ذكوان السمان ، وقد تكرر ذكره . السادس : آدم بن أبي إياس .
السابع : سليمان بن المغيرة ، القيسي البصري . الثامن : أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه ، واسمه سعد بن مالك . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع من الماضي في سبعة مواضع ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه القول ، والرؤية ، وفيه رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي ، وفيه أن رواته كلهم بصريون إلا أبا صالح ، فإنه مدني وآدم ، فإنه عسقلاني ، وفيه أن آدم من أفراد البخاري ، وفيه أن البخاري لم يخرج لسليمان بن المغيرة شيئا موصولا إلا هذا الحديث ، ذكره أبو مسعود ، وغيره ، وفيه التحويل من إسناد إلى إسناد آخر قبل ذكر الحديث ، وعلامته حرف الحاء المفردة ، وفيه في الإسناد الأول حميد عن أبي صالح أن أبا سعيد ، وفي الثاني : قال أبو صالح : رأيت أبا سعيد ، والثاني أقوى ، وفيه أن في الثاني ذكر قصة ليست في الأول ، وقد ساق البخاري هذا الحديث في كتاب بدء الخلق بالإسناد الذي ساقه هناك من رواية يونس بعينه ، وهاهنا من لفظ سليمان بن المغيرة لا من لفظ يونس .
( ذكر تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا عن أبي معمر في صفة إبليس ، وأخرجه مسلم في الصلاة أيضا عن شيبان بن فروخ ، وأخرجه أبو داود فيه عن موسى بن إسماعيل . ( ذكر معناه ) : قوله : ( فأراد شاب من بني أبي معيط ) ووقع في ( كتاب الصلاة ) لأبي نعيم الفضل بن دكين ، قال : حدثنا عبد الله بن عامر عن زيد بن أسلم ، قال : ( بينما أبو سعيد قائم يصلي في المسجد ، فأقبل الوليد بن عقبة بن أبي معيط ، فأراد أن يمر بين يديه فرده ، فأبى إلا أن يمر فدفعه ولكمه ) فهذا يدل على أن هذا الشاب هو الوليد بن عقبة ، وفي ( المصنف ) لابن أبي شيبة ، حدثنا أبو معاوية عن عاصم ، عن ابن سيرين ، قال : كان أبو سعيد قائما يصلي ، فجاء عبد الرحمن بن الحارث بن هشام يمر بين يديه ، فمنعه ، فأبى إلا أن يجيء فدفعه أبو سعيد فطرحه ، فقيل له : تصنع هذا بعبد الرحمن ؟ فقال : والله لو أبى إلا أن آخذ بشعره لأخذت ، وروى عبد الرزاق حديث الباب عن داود بن قيس عن زيد بن أسلم عن عبد الرحمن بن أبي سعيد ، عن أبيه ، فقال فيه : إذ جاء شاب ، ولم يسمه ، وعن معمر عن زيد بن أسلم ، فقال فيه : فذهب ذو قرابة لمروان ، ومن طريق أبي العالية عن أبي سعيد ، فقال فيه : فمر رجل بين يديه من بني مروان ، وللنسائي من وجه آخر : فمر ابن لمروان ، وسماه عبد الرزاق من طريق سليمان بن موسى : داود بن مروان ، ولفظه : أراد داود بن مروان أن يمر بين يدي أبي سعيد ، ومروان يومئذ أمير بالمدينة ، فذكر الحديث ، وبه جزم ابن الجوزي ، وهذا ، كما رأيت ، الاختلاف في تسمية المبهم الذي في الصحيح ، والأحسن أن يقال بتعدد الواقعة لأبي سعيد مع غير واحد ؛ لأن في تعيين واحد من هؤلاء مع كون اتحاد الواقعة نظرا لا يخفى . قوله : ( من بني أبي معيط ) بضم الميم ، وفتح العين المهملة ، وسكون الياء آخر الحروف ، وفي آخره طاء مهملة ، وأبو معيط في قريش ، واسمه أبان بن أبي عمر ، وذكوان بن أمية الأكبر هو والد عقبة بن أبي معيط الذي قتله رسول الله صلى الله عليه وسلم صبرا ، ومعيط تصغير أمعط ، وهو الذي لا شعر عليه ، والأمعط ، والأمرط سواء .
قوله : ( أن يجتاز ) بالجيم من الجواز . قوله : ( فلم يجد مساغا ) بفتح الميم ، وبالغين المعجمة ، أي : طريقا يمكنه المرور منها ، يقال : ساغ الشراب في الحلق إذا نزل من غير الضرر وساغ الشيء طاب . قوله : ( من الأولى ) ، أي : من المرة ج٤ / ص٢٩١الأولى ، أو الدفعة الأولى .
قوله : ( فنال من أبي سعيد ) بالنون ، أي : أصاب من عرضه بالشتم ، وهو من النيل ، وهو الإصابة . قوله : ( ثم دخل على مروان ) ، وهو مروان بن الحكم ، بفتح الكاف ، الأموي ، أبو عبد الملك ، يقال : إنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم ، قاله الواقدي ، ولم يحفظ عنه شيئا ، وتوفي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وهو ابن ثمان سنين ، مات بدمشق لثلاث خلون من رمضان سنة خمس وستين وهو ابن ثلاث وستين سنة ، وقد تقدم ذكره في باب البزاق ، والمخاط . قوله : ( فقال ما لك ) ، أي : فقال مروان ، فكلمة ما مبتدأ ولك خبره ، ولابن أخيك عطف عليه بإعادة الخافض ، وأطلق الأخوة باعتبار أن المؤمنين إخوة ، وفيه تأييد لقول من قال : إن المار بين يدي أبي سعيد الذي دفعه غير الوليد ؛ لأن أباه عقبة قتل كافرا ، ( فإن قلت ) : لم لم يقل ولأخيك بحذف الابن ، ( قلت ) : نظرا إلى أنه كان شابا أصغر منه .
قوله : ( فليدفعه ) ، وفي رواية مسلم ( فليدفع في نحره ) ، قال القرطبي : أي : بالإشارة ولطيف المنع . قوله : ( فليقاتله ) بكسر اللام الجازمة ، وبسكونها . قوله : ( فإنما هو شيطان ) هذا من باب التشبيه حذف منه أداة التشبيه للمبالغة ، أي : إنما هو كشيطان ، أو يراد به شيطان الإنس ، وإطلاق الشيطان على المارد من الإنس سائغ شائع ، وقد جاء في القرآن قوله تعالى : شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ وقال الخطابي : معناه أن الشيطان يحمله على ذلك ويحركه إليه ، وقد يكون أراد بالشيطان المار بين يديه نفسه ، وذلك أن الشيطان هو المارد الخبيث من الجن ، والإنس ، وقال القرطبي : ويحتمل أن يكون معناه الحامل له على ذلك الشيطان ، يؤيده حديث ابن عمر عند مسلم ( لا يدع أحدا يمر بين يديه ، فإن أبى فليقاتله ، فإن معه القرين ) ، وعند ابن ماجه ( قال معه القرين ) ، وقال المنكدري ، فإنه معه العزى ، وقيل : معناه إنما هو فعل الشيطان لشغل قلب المصلي ، كما يخطر الشيطان بين المرء ونفسه .
( ذكر ما يستنبط منه من الأحكام ) : وهو على وجوه ، الأول : فيه اتخاذ السترة للمصلي ، وزعم ابن العربي أن الناس اختلفوا في وجوب وضع السترة بين يدي المصلي على ثلاثة أقوال ، الأول : أنه واجب ، فإن لم يجد وضع خطا ، وبه قال أحمد ، كأنه اعتمد
حديث ابن عمر الذي صححه الحاكم ( لا تصلي إلا إلى سترة ، ولا تدع أحدا يمر بين يديك )، وعن أبي نعيم في كتاب الصلاة ، حدثنا سليمان أظنه عن حميد بن هلال ، قال عمر بن الخطاب : لو يعلم المصلي ما ينقص من صلاته ما صلى إلا إلى شيء يستره من الناس ، وعند ابن أبي شيبة عن ابن مسعود ( إنه ليقطع نصف صلاة المرء المرور بين يديه ) . الثاني : أنها مستحبة ، ذهب إليه أبو حنيفة ، ومالك ، والشافعي . الثالث : جواز تركها ، وروي ذلك عن مالك ، ( قلت ) : قال أصحابنا : الأصل في السترة أنها مستحبة ، وقال إبراهيم النخعي : كانوا يستحبون إذا صلوا في الفضاء أن يكون بين أيديهم ما يسترهم ، وقال عطاء : لا بأس بترك السترة ، وصلى القاسم وسالم في الصحراء إلى غير سترة .
ذكر ذلك كله ابن أبي شيبة في ( مصنفه ) واعلم أن الكلام في هذا على عشرة أنواع ، الأول : أن السترة واجبة أولا ، وقد مر الآن . والثاني : مقدار موضع يكره المرور فيه ، فقيل : موضع سجوده ، وهو اختيار شمس الأئمة السرخسي وشيخ الإسلام قاضيخان ، وقيل : مقدار صفين ، أو ثلاثة ، وقيل : بثلاثة أذرع ، وقيل : بخمسة أذرع ، وقيل : بأربعين ذراعا ، وقدر الشافعي ، وأحمد بثلاثة أذرع ، ولم يحد مالك في ذلك حدا ، إلا أن ذلك بقدر ما يركع فيه ويسجد ويتمكن من دفع من مر بين يديه ، والثالث : أنه يستحب لمن صلى في الصحراء أن يتخذ أمامه سترة ،
وروى أبو داود من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئا ، فإن لم يجد فلينصب عصا ، فإن لم يكن له عصا فليخط خطا ، ولا يضره ما مر أمامه ) وخرجه ابن حبان في ( صحيحه ) ، وذكر عبد الحق أن ابن المديني ، وأحمد بن حنبل صححاه ، وقال عياض : هذا الحديث ضعيف ، وإن كان قد أخذ به أحمد ، وقال سفيان بن عيينة : لم نجد شيئا نشد به هذا الحديث ، وكان إسماعيل بن أمية إذا حدث بهذا الحديث يقول : عندكم شيء تشدون به ؟ وأشار الشافعي إلى ضعفه ، وقال النووي : فيه ضعف واضطراب ، وقال البيهقي : ولا بأس به في مثل هذا الحكم. والرابع : مقدار السترة قد ورد قدر ذراع ، وقد ذكرنا الكلام فيه مستوفى فيما مضى عن قريب ، والخامس : ينبغي أن يكون في غلظ الإصبع ؛ لأن ما دونه لا يبدو للناظر من بعيد ، والسادس : يقرب من السترة ، وقد مر الكلام فيه مستوفى في باب سترة الإمام سترة لمن خلفه ، والسابع : أن يجعل السترة على حاجبه الأيمن ، أو على الأيسر ، وأخرج أبو داود من حديث المقداد بن الأسود ، قال : ( ما رأيت سول الله صلى الله عليه وسلم يصلي إلى عود ، ولا عمود ، ولا شجرة إلا جعله على حاجبه الأيمن ، أو الأيسر ، ولا يصمد له صمدا ) ، يعني لم يقصده قصدا بالمواجهة ، ج٤ / ص٢٩٢والصمد هو القصد في اللغة ، والثامن : أن سترة الإمام سترة للقوم ، وقد مر الكلام فيه ، والتاسع : ذكر أصحابنا أن المعتمد الغرز دون الإلقاء ، والخط ؛ لأن المقصود هو الدرء ، فلا يحصل بالإلقاء ، ولا بالخط ، وفي ( مبسوط ) شيخ الإسلام إنما يغرز إذا كانت الأرض رخوة ، فإذا كانت صلبة لا يمكنه فيضع وضعا ؛ لأن الوضع قد روي كما روي الغرز ، لكن يضع طولا لا عرضا ، وروى أبو عصمة عن محمد : إذا لم يجد سترة ، قال : لا يخط بين يديه ، فإن الخط وتركه سواء ؛ لأنه لا يبدو للناظر من بعيد ، وقال الشافعي بالعراق : إن لم يجد ما يغرز يخط خطا طولا ، وبه أخذ بعض المتأخرين ، وفي ( المحيط ) الخط ليس بشيء ، وفي ( الذخيرة ) للقرافي : الخط باطل ، وهو قول الجمهور ، وجوزه أشهب في ( العتبية ) ، وهو قول سعيد بن جبير ، والأوزاعي ، والشافعي بالعراق ، ثم قال بمصر : لا يخط ، والمانعون أجابوا عن
المذكور أنه ضعيف ، وقال عبد الحق : ضعفه جماعة ، وقال ابن حزم في ( المحلى ) لم يصح في الخط شيء ، ولا يجوز القول به، والعاشر : أن السترة إذا كانت مغصوبة فهي معتبرة عندنا ، وعن أحمد : تبطل صلاته ، ومثله الصلاة في الثوب المغصوب عنده .
الثاني من الأحكام : أن الدرء ، وهو دفع المار بين يدي المصلي هل هو واجب ، أو ندب ، فقال النووي : هذا الأمر أعني قوله : ( فليدفعه ) أمر ندب متأكد ، ولا أعلم أحدا من الفقهاء أوجبه ، ( قلت ) : قال أهل الظاهر بوجوبه لظاهر الأمر ، فكأن النووي ما اطلع على هذا ، أو ما اعتد بخلافهم ، وقال ابن بطال : اتفقوا على دفع المار إذا صلى إلى سترة ، فأما إذا صلى إلى غير السترة ، فليس له ؛ لأن التصرف ، والمشي مباح لغيره في ذلك الموضع الذي يصلي فيه ، فلم يستحق أن يمنعه ، إلا ما قام الدليل عليه ، وهي السترة التي وردت السنة بمنعها . الثالث : أنه لا يجوز له المشي إليه من موضعه ليرده ، وإنما يدافعه ويرده من موضعه ؛ لأن مفسدة المشي أعظم من مروره بين يديه ، وإنما أبيح له قدر ما يناله من موقفه ، وإنما يرده إذا كان بعيدا منه بالإشارة ، والتسبيح ، ولا يجمع بينهما ، وقال إمام الحرمين : لا ينتهي دفع المار إلى منع محقق ، بل يومئ ويشير برفق في صدر من يمر به ، وفي الكافي للروياني : يدفعه ويصر على ذلك ، وإن أدى إلى قتله ، وقيل : يدفعه دفعا شديدا أشد من الدرء ، ولا ينتهي إلى ما يفسد صلاته ، وهذا هو المشهور عند مالك ، وأحمد ، وقال أشهب في ( المجموعة ) إن قرب منه درأه ، ولا ينازعه ، فإن مشى له ونازعه لم تبطل صلاته ، وإن تجاوزه لا يرده ؛ لأنه مرور ثان ، وكذا رواه ابن القاسم من أصحاب مالك ، وبه ، قال الشافعي ، وأحمد ، وقال أبو مسعود وسالم : يرده من حيث جاء ، وإذا مر بين يديه ما لا تؤثر فيه الإشارة كالهرة ، قالت المالكية : دفعه برجله ، أو ألصقه إلى السترة . الرابع : هل يقاتله ؟ فيه : فإن أبى فليقاتله ، قال عياض : أجمعوا على أنه لا تلزمه مقاتلته بالسلاح ، ولا بما يؤدي إلى هلاكه ، فإن دفعه بما يجوز فهلك من ذلك ، فلا قود عليه باتفاق العلماء ، وهل تجب ديته أم تكون هدرا ؟ فيه مذهبان للعلماء ، وهما قولان في مذهب مالك ، قال ابن شعبان : عليه الدية في ماله كاملة ، وقيل : هي على عاقلته ، وقيل : هدر ، ذكره ابن التين ، واختلفوا في معنى فليقاتله ، والجمهور على أن معناه الدفع بالقهر لا جواز القتل ، والمقصود المبالغة في كراهة المرور ، وأطلق جماعة من الشافعية أن له أن يقاتله حقيقة ، ورد ابن العربي ذلك ، وقال : المراد بالمقاتلة المدافعة ، وقال بعضهم : معنى فليقاتله فليلعنه ، قال الله تعالى : قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ أي : لعنوا ، وأنكره بعضهم ، وقال ابن المنذر يدفع في نحره أول مرة ، ويقاتله في الثانية ، وهي المدافعة ، وقيل : المقاتلة بعد الثالثة ، وقيل : يؤاخذه على ذلك بعد إتمام الصلاة ويؤنبه ، وقيل : يدفعه دفعا أشد من الرد منكرا عليه ، وفي ( التمهيد ) العمل القليل في الصلاة جائز ، نحو قتل البرغوث ، وحك الجسد ، وقتل العقرب بما خف من الضرب ما لم تكن المتابعة ، والطول ، والمشي إلى الفرج إذا كان ذلك قريبا ، ودرء المصلي ، وهذا كله ما لم يكثر ، فإن كثر فسد .
الخامس : فيه أن المار كالشيطان في أنه يشغل قلبه عن مناجاة ربه . السادس : فيه أنه يجوز أن يقال للرجل إذا فتن في الدين إنه شيطان . السابع : فيه أن الحكم للمعاني لا للأسماء ؛ لأنه يستحيل أن يصير المار شيطانا بمروره بين يديه .
الثامن : فيه أن دفع الأسوأ إنما هو بالأسهل ، فالأسهل . التاسع : فيه أن في المنازعات لا بد من الرفع إلى الحاكم ، ولا ينتقم الخصم بنفسه . العاشر : فيه أن رواية العدل مقبولة ، وإن كان الراوي له منتفعا به .