باب فضل الصلاة لوقتها
( باب فضل الصلاة لوقتها ) 6 - حدثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك ، قال : حدثنا شعبة ، قال : الوليد بن العيزار أخبرني قال : سمعت أبا عمرو الشيباني يقول : حدثنا صاحب هذه الدار ، وأشار إلى دار عبد الله ، قال : سألت النبي - صلى الله عليه وسلم ، أي : العمل أحب إلى الله ؟ قال : الصلاة على وقتها . قال : ثم أي ؟ قال : ثم بر الوالدين ، قال : ثم أي ؟ قال : الجهاد في سبيل الله .
قال : حدثني بهن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولو استزدته لزادني . مطابقة هذا الحديث للترجمة ظاهرة وتقدم الكلام في على واللام . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة : الأول أبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي البصري .
الثاني شعبة بن الحجاج . الثالث الوليد بن العيزار بفتح العين المهملة وسكون الياء آخر الحروف وبالزاي قبل الألف وبالراء بعدها ، ابن حريث بضم الحاء المهملة الكوفي . الرابع أبو عمرو الشيباني ، وهو سعيد بن إياس بكسر الهمزة وتخفيف الياء آخر الحروف المخضرم ، أدرك الجاهلية والإسلام عاش مائة وعشرين سنة .
قال : أذكر أني سمعت بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وأنا أرعى إبلا لأهلي بكاظمة بالظاء المعجمة ، وتكامل شبابي يوم القادسية فكنت ابن أربعين سنة يومئذ ، وكان من أصحاب عبد الله بن مسعود . الخامس هو عبد الله . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وفيه السماع ، وفيه الإخبار بلفظ الإفراد في الماضي ، وفيه القول والسماع والسؤال ، وفيه أن رواته ما بين بصري وكوفي ، وفيه قوله قال الوليد بن العيزار أخبرني تقديم وتأخير ، تقديره : حدثنا شعبة ، قال : أخبرني الوليد بن العيزار ، قال : سمعت أبا عمرو .
( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في الأدب ، عن أبي الوليد ، وفي التوحيد ، عن سليمان بن حرب ، وفي الجهاد ، عن الحسن بن الصباح ، وفي التوحيد أيضا ، عن عباد بن العوام ، وأخرجه مسلم في الإيمان ، عن عبيد الله بن معاذ ، وعن محمد بن يحيى ، وعن أبي بكر بن أبي شيبة ، وعن عثمان بن أبي شيبة ، وأخرجه الترمذي في الصلاة ، عن قتيبة ، وفي البر والصلة ، عن أحمد بن محمد المروزي ، وأخرجه النسائي في الصلاة ، عن عمرو بن علي ، وعن عبد الله بن محمد . ( ذكر معناه ) قوله : " حدثنا صاحب هذه الدار " لم يصرح فيه شعبة باسم عبد الله بل رواه مبهما . ورواه مالك بن مغول ، عن البخاري في الجهاد ، وأبو إسحاق الشيباني في التوحيد ، عن الوليد وصرحا باسم عبد الله ، وكذا رواه النسائي من طريق أبي معاوية ، عن أبي عمرو الشيباني وأحمد من طريق أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود ، عن أبيه ومع هذا في قوله : ( وأشار بيده إلى دار عبد الله اكتفاء ) ، عن التصريح ؛ لأن المراد من عبد الله هو ابن مسعود ، قوله : ( أي العمل أحب إلى الله ) ، وفي رواية مالك بن مغول ، أي العمل أفضل ، وكذا الأكثر الرواة ، قوله : ( على وقتها ) استعمال لفظة على هاهنا بالنظر إلى إرادة الاستعلاء على الوقت والتمكن على أدائها في أي جزء من أجزائها واتفق أصحاب شعبة على اللفظ المذكور ، وخالفهم علي بن حفص ، فقال : " الصلاة في أول وقتها " .
وقال الحاكم : روى هذا الحديث جماعة ، عن شعبة ولم يذكر هذه اللفظة غير حجاج ، عن علي بن حفص وحجاج حافظ ثقة ، وقد احتج مسلم بعلي بن حفص ، قوله : ( قال ثم أي ) قال الفاكهاني : إنه غير منون ؛ لأنه غير موقوف عليه في الكلام والسائل ينتظر الجواب والتنوين لا يوقف عليه ، فتنوينه ووصله بما بعده خطأ فيوقف ج٥ / ص١٤عليه وقفة لطيفة ، ثم يؤتى بما بعده . وقال ابن الجوزي : في هذا الحديث ، أي : مشدد منون ، كذلك سمعت من ابن الخشاب . وقال : لا يجوز إلا تنوينه ؛ لأنه معرب غير مضاف .
وقال بعضهم : وتعقب بأنه مضاف تقديرا ، والمضاف إليه محذوف والتقدير : ثم أي العمل أحب فيوقف عليه بلا تنوين ، ( قلت ) : قال النحاة : إن أيا الموصولة والشرطية والاستفهامية معربة دائما ، فإذا كانت أي هذه معربة عند الإفراد فكيف يقال إنها مبنية عند الإضافة ، ولما نقل عن سيبويه هذا هكذا أنكر عليه الزجاج ، فقال : ما تبين لي أن سيبويه غلط إلا في موضعين هذا أحدهما ، فإنه يسلم أنها تعرب إذا أفردت فكيف يقول ببنائها إذا أضيفت ، قوله : ( قال بر الوالدين ) هكذا هو عند أكثر الرواة ، وفي رواية المستملي قال ، ثم بر الوالدين بزيادة كلمة ، ثم والبر بكسر الباء الإحسان وبر الوالدين الإحسان إليهما والقيام بخدمتهما وترك العقوق والإساءة إليهما من بر يبر فهو بار وجمعه بررة ، قوله : ( الجهاد في سبيل الله ) ، وهو المحاربة مع الكفار لإعلاء كلمة الله وإظهار شعائر الإسلام بالنفس والمال ، فإن قلت : ما الحكمة في تخصيص الذكر بهذه الأشياء الثلاثة ، ( قلت ) : هذه الثلاثة أفضل الأعمال بعد الإيمان من ضيع الصلاة التي هي عماد الدين مع العلم بفضيلتها كان لغيرها من أمر الدين أشد تضييعا وأشد تهاونا واستخفافا ، وكذا من ترك بر والديه فهو لغير ذلك من حقوق الله أشد تركا ، وكذا الجهاد من تركه مع قدرته عليه عند تعينه فهو لغير ذلك من الأعمال التي يتقرب بها إلى الله تعالى أشد تركا ، فالمحافظ على هذه الثلاثة حافظ على ما سواها والمضيع لها كان لما سواها أضيع ، قوله : ( حدثني بهن ) مقول عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه ، أي : بهذه الأشياء الثلاثة وأنه تأكيد وتقرير لما تقدم ، إذ لا ريب أن اللفظ صريح في ذلك ، وهو أرفع درجات التحمل ، قوله : ( ولو استزدته ) ، أي : ولو طلبت منه الزيادة في السؤال لزادني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الجواب ، ثم طلبه الزيادة يحتمل أن يكون أرادها من هذا النوع وهي مراتب . أفضل الأعمال ويحتمل أن يكون أرادها من مطلق المسائل المحتاج إليها ، وفي رواية الترمذي من طريق المسعودي ، عن الوليد " فسكت عني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولو استزدته لزادني " فكأنه فهم منه السآمة فلذلك قال ما قاله ويؤيده ما في رواية مسلم : " فما تركت أن أستزيده إلا إرعاء عليه " أي : شفقة عليه لئلا يسأم . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه أن أعمال البر تفضل بعضها على بعض عند الله تعالى ، فإن قلت : ورد أن إطعام الطعام خير أعمال الإسلام ، وورد : إن أحب الأعمال إلى الله أدومه ، وغير ذلك ، فما وجه التوفيق بينهما ؟ قلت : أجاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لكل من سأل بما يوافق غرضه أو بما يليق به أو بحسب الوقت ، فإن الجهاد كان في ابتداء الإسلام أفضل الأعمال ؛ لأنه كان كالوسيلة إلى القيام بها والتمكن من أدائها أو بحسب الحال ، فإن النصوص تعاضدت على فضل الصلاة على الصدقة وربما تجدد حال يقتضي مواساة مضطر فتكون الصدقة حينئذ أفضل ، ويقال : إن أفعل في أفضل الأعمال ليس على بابه بل المراد به الفضل المطلق ، ويقال : التقدير : إن من أفضل الأعمال فحذفت كلمة من وهي مرادة ، ( قلت ) : وفيه نظر ، وفيه ما قال ابن بطال : إن البدار إلى الصلاة في أول وقتها أفضل من التراخي فيها ؛ لأنه إنما شرط فيها أن تكون أحب من الأعمال إذا أقيمت لوقتها المستحب ، ( قلت ) : لفظ الحديث لا يدل على ما ذكره على ما لا يخفى .
وقال ابن دقيق العيد : ليس في هذا اللفظ ما يقتضي أولا ولا آخرا فكان المقصود به الاحتراز عما إذا وقعت قضاء . وقال بعضهم : وتعقب بأن إخراجها عن وقتها محرم ، ولفظ أحب يقتضي المشاركة في الاستحباب فيكون المراد الاحتراز ، عن إيقاعها آخر الوقت ، ( قلت ) : الذي يدل ظاهر اللفظ أن الصلاة مشاركة لغيرها من الأعمال في المحبة ، فإذا وقعت الصلاة في وقتها كانت أحب إلى الله تعالى من غيرها فيكون الاحتراز عن وقوعها خارج الوقت ، فإن قلت : روى الترمذي من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الوقت الأول من الصلاة رضوان الله ، والوقت الآخر عفو الله ، والعفو لا يكون إلا عند التقصير ، ( قلت ) : قال ابن حبان : لما رواه في ( كتاب الضعفاء ) وتفرد به يعقوب بن الوليد ، وكان يضع الحديث . وقال أبو حاتم الرازي : هو موضوع .
وقال الميموني : سمعت أبا عبد الله يقول : لا أعرف شيئا يثبت في أوقات الصلاة أولها كذا وآخرها كذا ، يعني : مغفرة ورضوانا ، وفيه تعظيم الوالدين وبيان فضله ، ويجب الإحسان إليهما ولو كانا كافرين ، وفيه السؤال عن مسائل شتى في وقت واحد وجواز تكرير السؤال ، وفيه الرفق بالعالم والتوقف ، عن الإكثار عليه خشية ملاله ، وفيه ج٥ / ص١٥أن الإشارة تنزل منزلة التصريح إذا كانت معينة للمشار إليه مميزة عن غيره ، ألا ترى أن الأخرس إذا طلق امرأته بالإشارة المفهمة يقع طلاقه بحسب الإشارة ، وكذا سائر تصرفاته .