حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب وقت العصر وقال أبو أسامة عن هشام من قعر حجرتها

( حدثنا قتيبة ، قال : حدثنا الليث ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى العصر والشمس في حجرتها لم يظهر الفيء من حجرتها ) . قتيبة هو ابن سعيد والليث بن سعد وابن شهاب محمد بن مسلم الزهري وعروة بن الزبير كلهم قد ذكروا غير مرة . وفيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، والعنعنة في ثلاثة مواضع ، ورواته ما بين بلخي وبصري ومدني .

قوله : ( والشمس في حجرتها ) ، أي : باقية ، والواو فيه للحال ، قوله : ( لم يظهر الفيء ) ، أي : الظل في الموضع الذي كانت الشمس فيه ، وقد مر في باب المواقيت والشمس في حجرتها قبل أن تظهر ، ومعنى الظهور هنا : الصعود . يقال : ظهرت على الشيء : إذا علوته وحجرة عائشة رضي الله تعالى عنها كانت ضيقة الرقعة والشمس تقلص عنها سريعا ، وما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي العصر قبل أن تصعد الشمس عنها ، فإن قلت : ما المراد بظهور الشمس وبظهور الفيء ، ( قلت ) : المراد بظهور الشمس : خروجها من الحجرة ، وبظهور الفيء : انبساطه في الحجرة ، وليس بين الروايتين اختلاف ؛ لأن انبساط الفيء لا يكون إلا بعد خروج الشمس ، واستدل به الشافعي ومن تبعه على تعجيل صلاة العصر في أول وقتها . وقال الطحاوي : لا دلالة فيه على التعجيل لاحتمال أن الحجرة كانت قصيرة الجدار ، فلم تكن الشمس تحتجب عنها إلا بقرب غروبها ، فيدل على التأخير لا على التعجيل .

وقال بعضهم : وتعقب بأن الذي ذكره من الاحتمال ، إنما يتصور مع اتساع الحجرة ، وقد عرف بالاستفاضة والمشاهدة أن حجر أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - لم تكن متسعة ، ولا يكون ضوء الشمس باقيا في قعر الحجرة الصغيرة إلا والشمس قائمة مرتفعة ، وإلا متى مالت جدا ارتفع ضوؤها عن قاع الحجرة ، ولو كانت الجدر قصيرة ، ( قلت ) : لا وجه للتعقب فيه ؛ لأن الشمس لا تحتجب عن الحجرة القصيرة الجدار إلا بقرب غروبها ، وهذا يعلم بالمشاهدة ، فلا يحتاج إلى المكابرة ، ولا دخل هنا لاتساع الحجرة ولا لضيقها ، وإنما الكلام في قصر جدرها ، وبالنظر على هذا فالحديث حجة على من يرى تعجيل العصر في أول وقتها ، فإن قلت : عقد البخاري بابا لوقت العصر ، وذكر فيه أحاديث لا يدل واحد منها على أن أول وقته بماذا يكون ، بصيرورة ظل كل شيء مثله أو مثليه ، ( قلت ) : قال بعضهم : لم يقع له حديث في شرطه على تعيين ذلك ، فذكر الأحاديث المذكورة الدالة على ذلك بطريق الاستنباط ، ( قلت ) : لا يلزم من عدم وقوعه له أن لا يقع لغيره في تعيين ذلك . وقد روى جماعة من الصحابة في هذا الباب ، منهم ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أمني جبريل عليه الصلاة والسلام عند البيت مرتين ، الحديث . وفيه : ( صلى بي العصر حين كان ظله مثله ) هذا في المرة الأولى .

وقال في الثانية : ( وصلى بي العصر حين كان ظله مثليه ) أخرجه أبو داود والترمذي . وقال : حديث حسن ، وأخرجه ابن حبان في ( صحيحه ) والحاكم في ( مستدركه ) . وقال : صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، ورواه ابن خزيمة في صحيحه .

وقال ابن عبد البر في ( التمهيد ) ، وقد تكلم بعض الناس في حديث ابن عباس هذا بكلام لا وجه له ، ورواته كلهم مشهورون بالعلم ، ( قلت ) : هذا الحديث هو العمدة في هذا الباب ، وقوله : ( حين كان ظله مثليه ) بالتثنية ، وهذا آخر وقت الظهر عند أبي حنيفة ؛ لأن عنده إذا صار ظل كل شيء مثليه سوى فيء الزوال يخرج وقت الظهر ويدخل وقت العصر ، وعند أبي يوسف ومحمد : إذا صار ظل كل شيء مثله يخرج وقت الظهر ويدخل وقت العصر ، وهي رواية الحسن بن زياد عنه ، وبه قال مالك والشافعي وأحمد والثوري وإسحاق ، ولكن قال الشافعي : آخر وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثليه لمن ليس له عذر ، وأما أصحاب العذر والضرورات فآخر وقتها لهم غروب الشمس . وقال القرطبي : خالف الناس كلهم أبا حنيفة فيما قاله حتى أصحابه ، ( قلت ) : إذا كان استدلال أبي حنيفة بالحديث فما يضره مخالفة الناس له ، ويؤيده ما قاله أبو حنيفة حديث علي بن شيبان قال : ( قدمنا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة ، فكان يؤخر العصر ما دامت الشمس بيضاء نقية ) رواه أبو داود وابن ماجه ، وهذا يدل على أنه كان يصلي العصر عند صيرورة ظل كل شيء مثليه ، وهو حجة على خصمه ، وحديث جابر ( صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العصر حين صار ظل كل شيء مثليه قدر ما يسير الراكب إلى ذي الحليفة العنق ) رواه ابن أبي شيبة بسند لا بأس به . ( وقال أبو أسامة ، عن هشام : من قعر حجرتها ) هذا التعليق وقع في رواية أبي ذر والأصيلي وكريمة على رأس الحديث الذي عقيب الباب ، والصواب وقوعه هاهنا ، وأسنده الإسماعيلي ، عن ابن ماجه وغيره ، عن أبي عبد الرحمن قال : حدثنا أبو أسامة ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي صلاة العصر والشمس في قعر حجرتي .

وأبو أسامة حماد بن أسامة الليثي وهشام بن عروة .

ورد في أحاديث3 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث