باب وقت العصر وقال أبو أسامة عن هشام من قعر حجرتها
( حدثنا محمد بن مقاتل ، قال : أخبرنا عبد الله ، قال : أخبرنا عوف ، عن سيار بن سلامة ، قال : دخلت أنا وأبي على أبي برزة الأسلمي ، فقال له أبي : كيف كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي المكتوبة ، فقال : كان يصلي الهجير التي تدعونها الأولى حين تدحض الشمس ويصلي العصر ، ثم يرجع أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة والشمس حية ، ونسيت ما قال في المغرب ، وكان يستحب أن يؤخر العشاء التي تدعونها العتمة ، وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها ، وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه ويقرأ بالستين إلى المائة ) . مطابقته للترجمة في قوله : ( ويصلي العصر ، ثم يرجع أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة ) وأخرج البخاري هذا الحديث أيضا في باب وقت الظهر عند الزوال ، عن حفص بن عمر ، عن شعبة ، عن أبي المنهال ، وهو سيار بن سلامة وهاهنا ، عن محمد بن مقاتل ، عن عبد الله بن المبارك ، عن عوف الأعرابي ، عن سيار بن سلامة ، عن أبي برزة نضلة بن عبيد ، وفيه تقديم وتأخير وزيادة ونقصان ، ويظهر ذلك بالمقابلة ، وقد ذكرنا هناك ما فيه الكفاية ، ونذكر هاهنا ما لم نذكر هناك ، قوله : ( قال دخلت أنا وأبي ) القائل هو سيار ، وأبوه سلامة ، وحكى عنه ابنه هنا ، ولابنه عنه رواية في الطبراني ( الكبير ) في ذكر الحوض ، وكان دخولهما على أبي برزة زمن أخرج ابن زياد من البصرة ، قاله الإسماعيلي ، وكان ذلك في سنة أربع وستين . وقال الإسماعيلي : لما كان زمن أخرج ابن زياد ووثب مروان بالشام ، قال أبو المنهال : انطلق أبي إلى أبي برزة ، وانطلقت معه ، فإذا هو قاعد في ظل علوله من قصب في يوم شديد الحر ، فذكر الحديث .
قوله : ( المكتوبة ) ، أي : الصلوات المفروضة التي كتبها الله تعالى على عباده . وقال بعضهم : استدل به على أن الوتر ليس من المكتوبة لكون أبي برزة لم يذكره ، ( قلت ) : عدم ذكره إياه لا يستلزم نفي وجوب الوتر ، وقد ثبت وجوبه بدلائل أخرى ، قوله : ( يصلي الهجير ) ، وهو الهاجرة ، أي : صلاة الهجير ، وهو وقت شدة الحر ، وسمي الظهر بذلك ؛ لأن وقتها يدخل حينئذ ، قوله : ( التي تدعونها الأولى ) وتأنيث الضمير إما باعتبار الهاجرة وإما باعتبار الصلاة ، ويروى : يصلي الهجيرة ، وإنما قيل لها الأولى ؛ لأنها أول صلاة صليت عند إمامة جبريل - صلى الله عليه وسلم . وقال البيضاوي : لأنها أول صلاة النهار ، قوله : ( حين تدحض ) ، أي : حين تزول عن وسط السماء إلى جهة المغرب من الدحض ، وهو الزلق ، ومقتضى ذلك أنه كان يصلي الظهر في أول وقتها ، ولكن لا يعارض حديث الأمر بالإبراد لما ذكرنا وجه ذلك مستقصى ، قوله : ( إلى رحله ) بفتح الراء وسكون الحاء المهملة ، وهو مسكن الرجل وما يستصحبه من الأثاث ، قوله : ( في أقصى المدينة ) صفة لرحل وليس بظرف للفعل ، قوله : ( والشمس حية ) ، أي : بيضاء نقية ، والواو فيه للحال ، وفي ( سنن أبي داود ) بإسناد صحيح ، عن خيثمة التابعي ، قال : حياتها أن تجد حرها ، قوله : ( ونسيت ما قال ) قائل ذلك هو سيار بينه أحمد في روايته ، عن حجاج ، عن شعبة به ، قوله : ( وكان ) ، أي : رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قوله : ( أن يؤخر العشاء ) ، أي : صلاة العشاء ، قوله : ( التي تدعونها العتمة ) ، بفتح العين المهملة والتاء المثناة من فوق ، والعتمة من الليل بعد غيبوبة الشفق ، وقد أعتم الليل ، أي : أظلم ، وفيه إشارة إلى ترك تسميتها بذلك ، قوله : ( والحديث بعدها ) ، أي : التحدث ، قوله : ( وكان ينفتل ) ، أي : ينصرف من الصلاة أو يلتفت إلى المأمومين ، قوله : ( صلاة الغداة ) ، أي : الصبح ، وفيه أنه لا كراهة في تسمية الصبح بذلك ، قوله : ( يقرأ ) ، أي : في الصبح بالستين إلى المائة ، أي : من الآي ، وقدرها الطبراني بسورة الحاقة ونحوها .
وقال النووي : هذا الحديث حجة على الحنفية ، حيث قالوا : لا يدخل وقت العصر حتى يصير ظل كل شيء مثليه ، ( قلت ) : لا نسلم أن الحنفية قالوا ذلك ، وإنما هو رواية أسد بن عمرو ، عن أبي حنيفة وحده ، وروى الحسن عنه أن أول وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثله ، وهو قول أبي يوسف ومحمد وزفر ، واختاره الطحاوي ، وروى المعلى ، عن أبي يوسف ، عن أبي حنيفة : إذا صار الظل أقل من قامتين يخرج وقت الظهر ولا يدخل وقت العصر حتى يصير قامتين ، وصححه الكرخي ، وفي رواية الحسن أيضا : إذا صار ظل كل شيء قامة خرج وقت الظهر ولا يدخل وقت العصر حتى يصير قامتين وبينهما وقت مهمل ، وهو الذي يسميه الناس بين الصلاتين ، وحكى ابن قدامة في ( المغنى ، عن ربيعة : أن وقت الظهر والعصر إذا زالت الشمس ، وعن عطاء وطاوس : إذا صار ظل كل شيء مثله دخل وقت الظهر وما بينهما وقت لهما على سبيل الاشتراك حتى تغرب الشمس . وقال ابن راهويه والمزني وأبو ثور والطبراني : إذا صار ظل كل شيء مثله دخل وقت العصر ، ويبقى وقت الظهر قدر ما يصلي أربع ركعات ، ثم يتمحض الوقت للعصر ، وبه قال مالك .