باب وقت المغرب
( باب وقت المغرب ) ( وقال عطاء : يجمع المريض بين المغرب والعشاء ) .
عطاء هو ابن أبي رباح ، وهذا التعليق وصله عبد الرزاق في مصنفه ، عن ابن جريج عنه ، وبقوله قال أحمد وإسحاق وبعض الشافعية ، وهذا بناء على أن وقت المغرب والعشاء واحد عنده . وقال عياض : الجمع بين الصلوات المشتركة في الأوقات تكون تارة سنة ، وتارة رخصة ، فالسنة الجمع بعرفة والمزدلفة ، وأما الرخصة : فالجمع في السفر والمرض والمطر ، فمن تمسك بحديث صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - مع جبريل عليه الصلاة والسلام ، وقد أمه ، لم ير الجمع في ذلك ، ومن خصه أثبت جواز الجمع في السفر بالأحاديث الواردة فيه ، وقاس المرض عليه ، فنقول : إذا أبيح للمسافر الجمع بمشقة السفر ، فأحرى أن يباح للمريض ، وقد قرن الله تعالى المريض بالمسافر في الترخيص له في الفطر والتيمم ، وأما الجمع في المطر ، فالمشهور من مذهب مالك إثباته في المغرب والعشاء ، وعنه قولة شاذة : إنه لا يجمع إلا في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم . ومذهب المخالف : جواز الجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء في المطر .
فإن قلت : ما وجه مطابقة هذا الأثر للترجمة ، ( قلت ) : من حيث إن وقت المغرب يمتد إلى العشاء ، والترجمة في بيان وقت المغرب . ج٥ / ص٥٥36 - ( حدثنا محمد بن مهران ، قال : حدثنا الوليد ، قال : حدثنا الأوزاعي ، قال : حدثنا أبو النجاشي ، مولى رافع بن خديج ، وهو عطاء بن صهيب ، قال : سمعت رافع بن خديج يقول : كنا نصلي المغرب مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فينصرف أحدنا ، وإنه ليبصر مواقع نبله . مطابقته للترجمة من حيث إنه يدل بالإشارة لا بالتصريح ، فإن المفهوم منه ليس إلا مجرد المبادرة إلى صلاة المغرب خوفا أن تتأخر إلى اشتباك النجوم ، وقد روى ابن خزيمة والحاكم من حديث العباس بن عبد المطلب : لا تزال أمتي على الفطرة ما لم يؤخروا المغرب إلى النجوم .
( ذكر رجاله ) وهم خمسة : الأول محمد بن مهران الجمال ، بالجيم ، الحافظ الرازي أبو جعفر ، مات سنة ثمان وثلاثين ومائتين . الثاني : الوليد بن مسلم بكسر اللام الخفيفة أبو العباس الأموي ، عالم أهل الشام ، مات سنة خمس وتسعين ومائة . الثالث : عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي ، وقد مر في باب الخروج في طلب العلم .
الرابع : أبو النجاشي بفتح النون وتخفيف الجيم وبالشين المعجمة ، واسمه عطاء بن صهيب بضم الصاد المهملة مولى رافع بن خديج . الخامس : رافع بالفاء ابن خديج بفتح الخاء المعجمة وكسر الدال المهملة وبالجيم ، الأنصاري الأوسي المدني . ( بيان لطائف إسناده ) فيه : التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وفيه التحديث بصيغة الإفراد من الماضي في موضع واحد ، وفيه القول في خمسة مواضع ، وفيه السماع ، وفيه أن رواته ما بين رازي وشامي ومدني .
( ذكر من أخرجه غيره ) أخرجه مسلم أيضا في الصلاة ، عن محمد بن مهران به ، وعن إسحاق بن إبراهيم ، عن شعيب بن إسحاق ، عن الأوزاعي به ، وأخرجه ابن ماجه فيه عن دحيم ، عن الوليد به . ( ذكر معناه ) قوله : ( ليبصر ) بضم الياء آخر الحروف من الإبصار ، واللام فيه للتأكيد ، قوله : ( مواقع نبله ) ، المواقع جمع موقع ، وهو موضع الوقوع ، والنبل بفتح النون وسكون الباء الموحدة : السهام العربية ، وهي مؤنثة . وقال ابن سيده : لا واحد له من لفظه ، وقيل : واحدتها نبلة ، مثل تمر وتمرة ، وفي ( المغيث ) لأبي موسى : هو سهم عربي لطيف غير طويل ، لا كسهام النشاب والحسيان أصغر من النبل ، يرمى بها على القسي الكبار في مجاري الخشب .
ومعنى الحديث : أنه يبكر بالمغرب في أول وقتها بمجرد غروب الشمس ، حتى ينصرف أحدنا ويرمي النبل عن قوسه ، ويبصر موقعه لبقاء الضوء . ( ذكر ما يستفاد منه ) دل الحديث المذكور على أنه - صلى الله عليه وسلم - صلى المغرب عند غروب الشمس ، وبادر بها بحيث إنه لما فرغ منها كان الضوء باقيا ، وهو مذهب الجمهور . وذهب طاوس وعطاء ووهب بن منبه : إلى أن أول وقت المغرب حين طلوع النجم ، واحتجوا في ذلك بحديث أبي بصرة الغفاري قال : صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العصر بالمحمض ، فقال : إن هذه الصلاة عرضت على من كان قبلكم فضيعوها ، فمن حافظ عليها كان له أجره مرتين ، ولا صلاة بعدها حتى يطلع الشاهد ، والشاهد : النجم .
أخرجه مسلم والنسائي والطحاوي ، وأجاب الطحاوي عنه بأن قوله : ( ولا صلاة بعدها حين يرى الشاهد ) ، يحتمل أن يكون هو آخر قول النبي - صلى الله عليه وسلم - كما ذكره الليث ، ولكن الذي رواه غيره تأول أن الشاهد هو النجم ، فقال ذلك برأيه ، لا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - على أن الآثار قد تواترت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يصلي المغرب إذا توارت الشمس بالحجاب ، وأبو بصرة بفتح الباء الموحدة وسكون الصاد المهملة ، واسمه جميل بضم الحاء المهملة ، وفتح الميم وسكون الياء آخر الحروف ، وقيل : جميل بالجيم ، والأول أصح ، والمحمض بفتح الميمين وسكون الحاء المهملة ، وفي آخره ضاد معجمة ، وهو الموضع الذي ترعى فيه الإبل الحمض ، وهو ما حمض وملح وأمر من النبات ، كالرمث والأثل والطرفا ونحوها ، والخلة من النبت : ما كان حلوا ، تقول العرب : الخلة : خبز الإبل ، والحمض : فاكهتها . ذكر اختلاف ألفاظ هذا الحديث ، واختلاف رواته ، رواه أبو داود من حديث أنس - رضي الله عنه : كنا نصلي المغرب ، ثم نرمي فيرى أحدنا موقع نبله ،
وعن كعب بن مالك : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي المغرب ، ثم يرجع الناس إلى أهليهم ببني سلمة وهم يبصرون مواقع النبل ، حين يرمى بها . قال أبو حاتم : صحيح مرسل، وعن أبي طريف : كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - حين حاصر الطائف ، فكان يصلي بنا صلاة البصر ، حتى لو أن رجلا رمى بسهم لرأى موضع نبله .
قال أحمد بن ج٥ / ص٥٦حنبل : صلاة البصر المغرب ، وعند أحمد من حديث جابر رضي الله عنه ، ولفظه : نأتي بني سلمة ونحن نبصر مواقع النبل ، وعند الشافعي من حديثه ، عن إبراهيم : ثم نخرج نتناضل حتى ندخل بيوت بني سلمة ، فننظر مواقع النبل من الإسفار .
وعند النسائي بسند صحيح ، عن رجل من أسلم : أنهم كانوا يصلون مع النبي - صلى الله عليه وسلم - المغرب ، ثم يرجعون إلى أهليهم إلى أقصى المدينة ، ثم يرمون فيبصرون مواقع نبلهم. وعند الطبراني في ( المعجم الكبير ) من حديث زيد بن خالد : كنا نصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - المغرب ، ثم ننصرف حتى نأتي السوق ، وإنا لنرى مواضع النبل .
وعن أم حبيبة بنت أبي سفيان نحوه ، ذكره أبو علي الطوسي في ( الأحكام ) ، فإن قلت : وردت أحاديث تدل على تأخيره إلى قرب سقوط الشفق ، ( قلت ) : هذه لبيان جواز التأخير . ثم اختلفوا في خروج وقت المغرب ، فقال الثوري وابن أبي ليلى وطاوس ومكحول والحسن بن حي والأوزاعي ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وداود : إذا غاب الشفق ، وهو الحمرة خرج وقتها ، وممن قال ذلك أبو يوسف ومحمد . وقال عمر بن عبد العزيز وعبد الله بن المبارك والأوزاعي في رواية ، ومالك في رواية ، وزفر بن الهذيل ، وأبو ثور والمبرد والفراء : لا يخرج حتى يغيب الشفق الأبيض ، وروي ذلك عن أبي بكر الصديق وعائشة وأبي هريرة ومعاذ بن جبل ، وأبي بن كعب وعبد الله بن الزبير ، وإليه ذهب أبو حنيفة .
وقال ابن المنذر : وكان مالك والشافعي والأوزاعي يقولون : لا وقت لها إلا وقتا واحدا ، إذا غابت الشمس ، وقد روينا عن طاوس أنه قال : لا تفوت المغرب والعشاء حتى الفجر .