باب من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب
( حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا أبو أسامة ، عن بريد ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استأجر قوما يعملون له عملا إلى الليل ، فعملوا إلى نصف النهار ، فقالوا : لا حاجة لنا إلى أجرك ، فاستأجر آخرين ، فقال : أكملوا بقية يومكم ، ولكم الذي شرطت ، فعملوا حتى إذا كان حين صلاة العصر قالوا : لك ما عملنا فاستأجر قوما فعملوا بقية يومهم ، حتى غابت الشمس ، واستكملوا أجر الفريقين ) . مطابقة هذا الحديث للترجمة بطريق الإشارة لا بالتصريح ، بيان ذلك أن وقت العمل ممتد إلى غروب الشمس ، وأقرب الأعمال المشهورة بهذا الوقت صلاة العصر ، وإنما قلنا بطريق الإشارة ؛ لأن هذا الحديث قصد به بيان الأعمال لا بيان الأوقات . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة : الأول أبو كريب بضم الكاف ، واسمه محمد بن العلا .
الثاني : أبو أسامة حماد بن أسامة . الثالث بريد ، بضم الباء الموحدة ابن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري الكوفي ، ويكنى أبا بردة . الرابع أبو بردة واسمه عامر ، وهو جد بريد المذكور .
الخامس : أبو موسى عبد الله بن قيس الأشعري . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في أربعة مواضع ، وفيه القول ، وفيه رواية الرجل عن جده ، ورواية الابن عن أبيه ، وفيه أن رواته ما بين كوفي وبصري ، وفيه ثلاثة بالكنى . وهذا الحديث أخرجه البخاري في الإجارة أيضا .
( ذكر معناه ) قوله : ( مثل المسلمين ) ، المثل بفتح الميم في الأصل بمعنى المثل بكسر الميم ، وهو النظير ، يقال : مثل ومثل ومثيل كشبه وشبه وشبيه ، ثم قيل للقول السائر : الممثل مضربه بمورده ، مثل : ولم يضربوا مثلا إلا لقول فيه غرابة ، وهذا تشبيه المركب بالمركب ، فالمشبه والمشبه به هما المجموعان الحاصلان من الطرفين ، وإلا كان القياس أن يقال : كمثل أقوام استأجرهم رجل ، ودخول كاف التشبيه على المشبه به في تشبيه المفرد بالمفرد وهذا ليس كذلك ، قوله : ( لا حاجة لنا إلى أجرك ) ، الخطاب إنما هو للمستأجر ، والمراد منه لازم هذا القول ، وهو ترك العمل ، قوله : ( فقال : أكملوا ) ، من الإكمال بهمزة القطع ، وكذا وقع في رواية البخاري في الإجارة ، ووقع هنا في رواية الكشميهني : اعملوا ، بهمزة الوصل من العمل ، قوله : ( حين ) منصوب ؛ لأنه خبر كان ، أي : كان الزمان زمان الصلاة ، ويجوز أن يكون مرفوعا بأنه اسم كان ، وتكون تامة ، وحاصل المعنى من قوله : ( وقالوا : لا حاجة لنا في أجرك ) ، إلى آخره . لا حاجة لنا في أجرتك التي شرطت لنا وما عملنا باطل ، فقال لهم : لا تفعلوا اعملوا بقية يومكم وخذوا أجرتكم كاملا ، فأبوا وتركوا ذلك كله عليه فاستأجر قوما آخرين ، فقال لهم : اعملوا بقية يومكم ولكم الذي شرطت لهؤلاء من الأجر فعملوا حتى حان العصر قالوا : لك ما عملنا ، باطل ذلك الأجر الذي جعلت لنا ، لا حاجة لنا فيه ، فقال لهم : اكملوا بقية عملكم فإنما بقي من النهار شيء يسير وخذوا أجركم ، فأبوا عليه فاستأجر قوما آخرين فعملوا بقية يومهم حتى إذا غابت الشمس واستكملوا أجر الفريقين كله ، ذلك مثل اليهود والنصارى تركوا ما أمرهم الله تعالى ، ومثل المسلمين الذين قبلوا هدى الله وما جاء به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمقصود من هذا الحديث : ضرب المثل للناس الذين شرع لهم دين موسى عليه الصلاة والسلام ليعملوا الدهر كله بما يأمرهم به وينهاهم ، إلى أن بعث الله عيسى عليه الصلاة والسلام ، فأمرهم باتباعه ، فأبوا وتبرؤوا مما جاء به ، وعمل آخرون بما جاء به عيسى عليه السلام ، فأمرهم على أن يعملوا بما يؤمرون به باقي الدهر ، فعملوا حتى بعث سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدعاهم إلى العمل بما جاء به ، فأبوا وعصوا ، فجاء الله تعالى بالمسلمين فعملوا بما جاء به واستكملوا إلى قيام الساعة ، فلهم أجر من عمل الدهر كله بعبادة الله تعالى كإتمام النهار الذي استؤجر عليه كله أول طبقة ، وفي حديث ابن عمر : قدر لهم مدة أعمال اليهود ولهم أجرهم إلى أن نسخ الله تعالى شريعتهم بعيسى عليه الصلاة والسلام . وقال عند مبعث عيسى عليه السلام : من يعمل إلى مدة هذا الشرع وله أجر قيراط فعملت النصارى إلى أن نسخ الله تعالى ذلك بمحمد صلى الله عليه وسلم ، ثم قال متفضلا على المسلمين : من يعمل بقية النهار إلى الليل وله قيراطان ، فقال المسلمون : نحن نعمل إلى انقطاع الدهر ، فمن عمل من اليهود إلى أن آمن بعيسى عليه السلام وعمل بشريعته له أجره مرتين ، وكذلك النصارى ، إذا آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم كما جاء في الحديث ، ورجل آمن بنبيه وآمن بي يؤتى أجره مرتين ، فإن قلت : حديث أبي موسى دل على أن الفريقين لم يأخذا شيئا ، وحديث ابن عمر دل على أن كلا منهما أخذ قيراطا ، ( قلت ) : ذلك فيمن ماتوا منهم قبل النسخ ، وهذا فيمن حرف أو كفر بالنبي الذي بعث بعد نبيه .
وقال ابن رشد ما محصله : إن حديث ابن عمر ذكر مثالا لأهل الأعذار لقوله : ( فعجزوا ) ، فأشار إلى أن من عجز عن استيفاء العمل من غير أن يكون له صنيع في ذلك أن الأجر يحصل له تاما فضلا من الله تعالى ، وذكر حديث أبي موسى مثالا لمن أخر من غير عذر ، وإلى ذلك أشار بقوله عنهم : لا حاجة لنا إلى أجرك ، فأشار بذلك إلى أن من أخر عامدا لا يحصل له ما حصل لأهل الأعذار . وقال الخطابي : دل حديث ابن عمر أن مبلغ أجرة اليهود لعمل النهار كله قيراطان وأجرة النصارى للنصف الباقي من النهار إلى الليل قيراطان ، ولو تمموا العمل إلى آخر النهار لاستحقوا تمام الأجرة وأخذوا قيراطين ، إلا أنهم انخذلوا ولم يفوا بما ضمنوه فلم يصيبوا إلا ما خص كل فريق منهم من الأجرة وهو قيراط ، ثم إن المسلمين لما استوفوا أجرة الفريقين معا حاسدوهم وقالوا : إلخ ، يعني : قولهم أي ربنا ، أعطيت هؤلاء قيراطين إلخ ، ولو لم تكن صورة الأمر على هذا لم يصح هذا الكلام ، وفي طريق أبي موسى زيادة بيان له ، وقولهم : لا حاجة لنا إشارة إلى أن تحريفهم الكتب وتبديلهم الشرائع وانقطاع الطريق بهم عن بلوغ الغاية ، فحرموا تمام الأجرة لجنايتهم على أنفسهم حين امتنعوا من تمام العمل الذي ضمنوه .