حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب

( حدثنا عبد العزيز بن عبد الله ، قال : حدثني إبراهيم ، عن ابن شهاب ، عن سالم بن عبد الله ، عن أبيه أنه أخبره أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم ، كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس ، أوتي أهل التوراة التوراة فعملوا حتى إذا انتصف النهار عجزوا ، فأعطوا قيراطا قيراطا ، ثم أوتي أهل الإنجيل الإنجيل فعملوا إلى صلاة العصر ، ثم عجزوا ، فأعطوا قيراطا قيراطا ، ثم أوتينا القرآن فعملنا إلى غروب الشمس ، فأعطينا قيراطين ، فقال أهل الكتابين : أي ربنا أعطيت هؤلاء قيراطين قيراطين وأعطيتنا قيراطا قيراطا ، ونحن كنا أكثر عملا ، قال : قال الله عز وجل : هل ظلمتكم من أجركم من شيء ؟ قالوا : لا ، قال : فهو فضلي أوتيه من أشاء . مطابقة هذا الحديث للترجمة في قوله : ( إلى غروب الشمس ) ، فدل على أن وقت العصر إلى غروب الشمس ، وأن من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب ، فقد أدرك وقتها ، فليتم ما بقي ، وهذا المقدار بطريق الاستئناس الإقناعي ، لا بطريق الأمر البرهاني ، ولهذا قال ابن المنير : هذا الحديث مثال لمنازل الأمم عند الله تعالى ، وإن هذه الأمة أقصرها عمرا وأقلها عملا وأعظمها ثوابا . ويستنبط منه للبخاري بتكلف في قوله : فعملنا إلى غروب الشمس ، فدل أن وقت العمل ممتد إلى غروب الشمس ، وأنه لا يفوت وأقرب الأعمال المشهور بهذا الوقت صلاة العصر ، وهو من قبيل الأخذ بالإشارة لا من صريح العبارة ، فإن الحديث مثال ، وليس المراد عملا خاصا بهذا الوقت ، بل المراد سائر أعمال الأمة من سائر الصلوات وغيرها من سائر العبادات في سائر مدة بقاء الأمة إلى قيام الساعة ، وكذا قال أبو المعالي الجويني : بأن الأحكام لا تتعلق بالأحاديث التي تأتي لضرب الأمثال ، فإنه موضع تجوز .

وقال المهلب : إنما أدخل البخاري هذا الحديث والحديث الذي بعده في هذا الباب لقوله : ( ثم أوتينا القرآن فعملنا إلى غروب الشمس ) ، فأعطينا قيراطين قيراطين ، ليدل على أنه قد يستحق بعمل البعض أجر الكل مثل الذي أعطي من العصر إلى الليل أجر النهار كله ، فمثله كالذي أعطي على ركعة أدرك وقتها أجر الصلاة كلها في آخر الوقت . وقال صاحب ( التلويح ) : فيه بعد ؛ لأنه لو قال إن هذه الأمة أعطيت ثلاثة قراريط لكان أشبه ولكنها ما أعطيت إلا بعض أجر جميع النهار نعم عملت هذه الأمة قليلا وأخذت كثيرا ، ثم هو أيضا منفك عن محل الاستدلال ؛ لأن عمل هذه الأمة آخر النهار كان أفضل من عمل المتقدمين قبلها ، ولا خلاف أن صلاة العصر متقدمة أفضل من صلاتها متأخرة ، ثم هذا من الخصائص المستثناة عن القياس ، فكيف يقاس عليه ألا ترى أن صيام آخر النهار لا يقوم مقام جملته ، وكذا سائر العبادات انتهى ، ( قلت ) : كل ما ذكروا هاهنا لا يخلو عن تعسف ، وقوله : ( لا خلاف ) غير موجه ؛ لأن الخلاف موجود في تقديم صلاة العصر وتأخيرها وقياسه على الصوم كذلك ؛ لأن وقت الصوم لا يتجزأ بخلاف الصلاة . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة : الأول عبد العزيز الأويسي بضم الهمزة مر في كتاب الحرص على الحديث ونسبته إلى أويس أحد أجداده .

الثاني إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري القرشي المدني . الثالث محمد بن مسلم بن شهاب الزهري . الرابع سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب .

الخامس أبوه عبد الله بن عمر . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع وبصيغة الإفراد من الماضي في موضع ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه الإخبار بصيغة الإفراد من الماضي ، وفيه القول ، وفيه السماع ، وفيه أن رواته كلهم مدنيون ، وفيه أن شيخ البخاري من أفراده ، وفيه رواية التابعة ، عن التابعي وهما ابن شهاب وسالم . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في باب الإجارة إلى نصف النهار ، عن سليمان بن حرب ، عن حماد ، عن أيوب ، عن نافع به ، وأخرجه أيضا في باب فضل القرآن ، عن مسدد ، عن يحيى ، عن سفيان ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر ، وأخرجه أيضا في التوحيد ، عن أبي اليمان ، عن شعيب ، عن الزهري ، عن سالم بن عبد الله ، وأخرجه أيضا في باب ما ذكر ، عن بني إسرائيل ، عن قتيبة ، عن ليث ، عن نافع به ، وأخرجه مسلم والترمذي أيضا .

ذكر معناه ، قوله : ( إنما بقاؤكم فيما سلف من الأمم قبلكم ) ظاهره ليس بمراد ؛ لأن ظاهره أن بقاء هذه الأمة وقع في زمان الأمم السالفة وليس كذلك ، وإنما معناه أن نسبتكم إليهم كنسبة وقت العصر إلى تمام النهار ، وفي رواية الترمذي : إنما أجلكم في أجل من خلا من الأمم ، كما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس . قوله : ( إلى غروب الشمس ) كان القياس أن يقال : وغروب الشمس بالواو ؛ لأن بين يقتضي دخوله على متعدد ، ولكن المراد من الصلاة وقت الصلاة وله أجزاء ، فكأنه قال : بين أجزاء وقت صلاة العصر ، قوله : ( أوتي أهل التوراة ) أوتي على صيغة المجهول ، أي : أعطي فالتوراة الأولى مجرورة بالإضافة والثانية منصوبة على أنه مفعول ثان ، قيل : اشتقاق التوراة من الوري ووزنها تفعلة . وقال الزمخشري : التوراة والإنجيل اسمان أعجميان وتكلف اشتقاقهما من الوري والنجل ووزنهما تفعلة وإفعيل ، إنما يصح بعد كونهما عربيين وقرأ الحسن الأنجيل بفتح الهمزة ، وهو دليل على العجمة ؛ لأن أفعيل بفتح الهمزة عديم في أوزان العرب ، قوله : ( عجزوا ) ، قال الداودي : قاله أيضا في النصارى ، فإن كان المراد من مات منهم مسلما فلا يقال : عجزوا ؛ لأنه عمل ما أمر به ، وإن كان قاله فيمن آمن ثم كفر ، فكيف يعطى القيراط من حبط عمله بكفر ؟ وأجيب بأن المراد من مات منهم مسلما قبل التغيير والتبديل وعبر بالعجز لكونهم لم يستوفوا عمل النهار كله ، وإن كانوا قد استوفوا ما قدر لهم ، فقوله : ( عجزوا ) ، أي : عن إحراز الأجر .

الثاني دون الأول ، لكن من أدرك منهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وآمن به أعطي الأجر مرتين ، قوله : ( قيراطا ) هو نصف دانق ، والمراد منه : النصيب والحصة ، وقد استوفينا الكلام فيه في باب اتباع الجنائز من الإيمان ، وإنما كرر لفظ القيراط ليدل على تقسيم القراريط على جميعهم ، كما هو عادة كلامهم حيث أرادوا تقسيم الشيء على متعدد ، قوله : ( ثم أوتي أهل الإنجيل ) الإنجيل : الأول مجرور بالإضافة ، والثاني منصوب على المفعولية ، قوله : ( فقال : أهل الكتابين ) ، أي : التوراة والإنجيل ، قوله : ( أي ربنا ) ، كلمة أي من حروف النداء ، يعني : يا ربنا ، ولا تفاوت في إعراب المنادى بين حروفه ، قوله : ( ونحن كنا أكثر عملا ) ، قال الإسماعيلي : إنما قالت النصارى : نحن أكثر عملا ؛ لأنهم آمنوا بموسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام ، ( قلت ) : النصارى لم يؤمنوا بموسى صلى الله عليه وسلم على ذلك جماعة الإخباريين ، وأيضا قوله : ( ونحن كنا أكثر عملا ) ، حكاية عن قول أهل الكتابين . وقال الكرماني : قول اليهود ظاهر ؛ لأن الوقت من الصبح إلى الظهر أكثر من وقت العصر إلى المغرب ، وقول النصارى لا يصح إلا على مذهب الحنفية ، حيث يقولون : العصر هو مصير ظل الشيء مثليه ، وهذا من جملة أدلتهم على مذهبهم ، ( قلت ) : هذا الذي ذكره هو قول أبي حنيفة وحده ، وغيره من أصحابه يقولون مثله ، ويمكن أن يقال : إنما أسند الأكثرية إلى الطائفتين ، وإن كان في إحداهما بطريق التغليب ، ويقال : لا يلزم من كونهم أكثر عملا أكثر زمانا لاحتمال كون العمل أكثر في الزمان الأقل ، قوله : ( هل ظلمتكم ) ، أي : هل نقصتكم ، إذ الظلم قد يكون بزيادة الشيء ، وقد يكون بنقصانه ، وفي بعض النسخ ( أظلمتكم ) بهمزة الاستفهام ، وهو أيضا بمعنى : هل ظلمتكم ، أي : في الذي شرطت لكم شيئا . ( ذكر ما يستنبط منه ) فيه : تفضيل هذه الأمة وتوفر أجرها مع قلة العمل ، وإنما فضلت بقوة يقينها ومراعاة أصل دينها ، فإن زلت فأكثر زللها في الفروع ، بخلاف من كان قبلهم كقولهم : اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا وكامتناعهم من أخذ الكتاب حتى نتق الجبل فوقهم ، و فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا وفيه : ما استنبطه أبو زيد الدبوسي في ( كتاب الأسرار ) من أن وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثليه ؛ لأنه إذا كان كذلك كان قريبا من أول العاشرة ، فيكون إلى المغرب ثلاث ساعات غير شيء يسير ، وتكون النصارى أيضا عملوا ثلاث ساعات وشيئا يسيرا ، وهذا من أول الزوال إلى أول الساعة العاشرة ، وهو إذا صار ظل كل شيء مثليه ، واعترض على هذا بأن النصارى لم تقله ، إنما قاله الفريقان : اليهود والنصارى ، ووقتهم أكثر من وقتنا ، فيستقيم قولهم أكثر عملا ، وأجيب : بأن اليهود والنصارى لا يتفقان على قول واحد ، بل قالت النصارى : كنا أكثر عملا وأقل عطاء ، وكذا اليهود باعتبار كثرة العمل وطوله ، ونقل بعضهم كلام أبي زيد هكذا ، ثم قال : تمسك به بعض الحنفية كأبي زيد ، إلى أن وقت العصر من مصير ظل كل شيء مثليه ؛ لأنه لو كان ظل كل شيء مثله ، لكان مساويا لوقت الظهر ، وقد قالوا : كنا أكثر عملا ، فدل على أنه دون وقت الظهر ، ثم قال : وأجيب بمنع المساواة ، وذلك معروف عند أهل العلم بهذا الفن ، وهو أن المدة بين الظهر والعصر أطول من المدة التي بين العصر والمغرب ، انتهى .

قلت : لا يخفى على كل أحد أن وقت العصر لو كان بمصير ظل كل شيء مثله يكون وقت الظهر الذي ينتهي إلى مصير ظل كل شيء مثله ، مثل وقت العصر الذي نقول : وقته بمصير ظل كل شيء مثله ، ومع هذا أبو زيد ما ادعى المساواة بالتحقيق ، ثم قال هذا القائل وعلى التنزيل لا يلزم من التمثيل والتشبيه التسوية من كل جهة ، ( قلت ) : ما ادعى هو التسوية من كل جهة حتى يعترض عليه . وفيه : ما استنبطه بعضهم أن مدة المسلمين من حين ولد سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى قيام الساعة ألف سنة ، وذلك لأنه جعل النهار نصفين : الأول لليهود ، فكانت مدتهم ألف سنة وستمائة سنة ، وزيادة في قول ابن عباس رواه أبو صالح عنه ، وفي قول ابن إسحاق : ألف سنة وتسعمائة سنة وتسع عشرة سنة ، وللنصارى كذلك ، فجاءت مدة النصارى لا يختلف الناس أنه كان بين عيسى ونبينا صلوات الله على نبينا وعليه ستمائة سنة ، فبقي للمسلمين ألف سنة وزيادة ، وفيه نظر من حيث إن الخلاف في مدة الفترة فذكر الحاكم في ( الإكليل ) أنها مائة وخمسة وعشرون سنة ، وذكر أنها أربعمائة سنة ، وقيل : خمسمائة وأربعون سنة ، وعن الضحاك أربعمائة وبضع وثلاثون سنة ، وقد ذكر السهيلي ، عن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي أن جعفرا حدث بحديث مرفوع : إن أحسنت أمتي فبقاؤها يوم من أيام الآخرة ، وذلك ألف سنة ، وإن أساءت فنصف يوم ، وفي حديث زمل الخزاعي قال : رأيتك يا رسول الله على منبر له سبع درجات وإلى جنبك ناقة عجفاء ، كأنك تبعتها ، ففسر له النبي - صلى الله عليه وسلم - الناقة بقيام الساعة التي أنذر بها ودرجات المنبر عدة الدنيا سبعة آلاف سنة بعث في آخرها ألفا ، قال السهيلي : والحديث وإن كان ضعيف الإسناد ، فقد روي موقوفا على ابن عباس من طرق صحاح أنه قال : الدنيا سبعة أيام كل يوم ألف سنة ، وصحح الطبري هذا الأصل وعضده بآثار . وفيه : ما استدل به بعض أصحابنا على أن آخر وقت الظهر ممتد إلى أن يصير ظل كل شيء مثليه ، وذلك أنه جعل لنا من الزمان من الدنيا في مقابلة من كان قبلنا من الأمم بقدر ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس ، وهو يدل أن بينهما أقل من ربع النهار ؛ لأنه لم يبق من الدنيا ربع الزمان لقوله صلى الله عليه وسلم - : بعثت أنا والساعة كهاتين وأشار بالسبابة والوسطى .

فشبه ما بقي من الدنيا إلى قيام الساعة مع ما انقضى بقدر ما بين السبابة والوسطى من التفاوت ، قال السهيلي : وبينهما نصف سبع ؛ لأن الوسطى ثلاثة أسباع كل مفصل منها سبع ، وزيادتها على السبابة نصف سبع ، والدنيا على ما قدمناه عن ابن عباس سبعة آلاف سنة ، فلكل سبع ألف سنة ، وفضلت الوسطى على السبابة بنصف الأنملة ، وهو ألف سنة ، فيما ذكره أبو جعفر الطحاوي وغيره ، وزعم السهيلي : أن بحساب الحروف المقطعة أوائل السور تكون تسعمائة سنة وثلاث سنين ، وهل هي من مبعثه صلى الله عليه وسلم ، أو هجرته ، أو وفاته ، والله أعلم .

ورد في أحاديث4 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث