حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب من انتظر الإقامة

( باب من انتظر الإقامة )

22 - حدثنا أبو اليمان قال: أخبرنا شعيب ، عن الزهري قال : أخبرني عروة بن الزبير ، أن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سكت المؤذن بالأولى من صلاة الفجر قام فركع ركعتين خفيفتين قبل صلاة الفجر بعد أن يستبين الفجر ، ثم اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن للإقامة . مطابقته للترجمة في قوله : " ثم اضطجع على شقه الأيمن " إلى آخره .

( ذكر رجاله ) وهم خمسة : الأول : أبو اليمان الحكم بن نافع . الثاني : شعيب بن أبي حمزة . الثالث : محمد بن مسلم بن شهاب الزهري .

الرابع : عروة بن الزبير بن العوام . الخامس : عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنهم . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع والإخبار كذلك في موضعين ، وفيه العنعنة في موضع واحد ، وفيه القول في موضعين ، وفي رواته حمصيان ومدنيان .

وأخرجه النسائي في الصلاة أيضا عن عمرو بن منصور عن علي بن عياش كلاهما عن شعيب به . ( ذكر معناه ) قوله : " إذا سكت المؤذن " أي : إذا فرغ من الأذان بالسكوت عنه هكذا في رواية الجمهور المعتمدة بالتاء المثناة من فوق ، وحكى ابن التين بالباء الموحدة ، ومعناه صب الأذان في الآذان جمع الأذان ، واستعير الصب للإفاضة في الكلام ، وقال ابن قرقول : ورويناه عن الخطابي : " سكب المؤذن " بالباء الموحدة قال : ورأيت بخط أبي علي الجياني عن أبي مروان سكب وسكت بمعنى وابن الأثير لم يذكر غير الباء الموحدة ، وقال : أرادت إذا أذن فاستعير السكب للإفاضة في الكلام كما يقال : أفرغ في أذني حديثا ، أي : ألقى وصب ، وقال الصاغاني في ( العباب ) أيضا بالباء الموحدة ، وذكر أن المحدثين صحفوها بالمثناة ، وقال بعضهم : وليس كما قال . ( قلت ) : لم يبين وجه الرد عليه وليس الصاغاني ممن يرد عليه في مثل هذا ، وقال ابن بطال والسفاقسي : إن هذه رواية ابن المبارك عن الأوزاعي ، عن الزهري قالا : ولها وجه من الصواب .

( قلت ) : بل هو عين الصواب لأن سكت بالتاء المثناة من فوق لا يستعمل بالباء الموحدة بل يستعمل بكلمة من أو عن ، وسكب بالباء الموحدة استعمل هنا بالباء . ( فإن قلت ) : الباء تجيء بمعنى عن كما في قوله تعالى : فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا أي : عنه . ( قلت ) : الأصل أن يستعمل كل حرف في بابه ولا يستعمل في غير بابه إلا لنكتة وأي نكتة هنا ؟ قوله : " بالأولى " مراده الأذان الأول لأنه أول بالنسبة إلى الإقامة ، ولكنه أنثه باعتبار المناداة ، والأذان الأول الذي يؤذن به عند دخول الوقت وهو أول بالنسبة إلى الإقامة وثان بالنسبة إلى الأذان الذي قبل الفجر ، ويجوز أن يؤول الأولى بالمرة الأولى وبالساعة الأولى .

قوله : " بعد أن يستبين الفجر " من الاستبانة وهو الظهور ، ويروى يستنير من الاستنارة ، ويروى يستيقن . قوله : " على شقه " أي : على جنبه الأيمن قال ج٥ / ص١٤١الكرماني : والحكمة فيه أن لا يستغرق في النوم لأن القلب من جهة اليسار متعلق حينئذ غير مستقر ، وإذا نام على اليسار كان في دعة واستراحة فيستغرق ، وأيضا يكون انحدار الثقل إلى سفل أسهل وأكثر فيصير سببا لدغدغة قضاء الحاجة ، فينتبه في أسرع وقت . ( قلت ) : لا يستحسن هذا الكلام في حقه عليه الصلاة والسلام ، وإنما يمشي في حق غيره والنبي صلى الله عليه وسلم كان يحب التيامن في كل شيء وجميع ما صدر عنه من قول وفعل كان على أحسن الوجوه وأفضلها وأكملها ، وأيضا النوم على اليمين نوم الصالحين وعلى اليسار نوم الحكماء ، وعلى الظهر نوم الجبارين والمتكبرين ، وعلى الوجه نوم الكفار .

( ذكر ما يستنبط منه ) فيه استحباب التخفيف في سنة الفجر ، واستحب قوم تخفيفها وهو مذهب مالك والشافعي في آخرين ، وقال النخعي واختاره الطحاوي : لا بأس بإطالتها ، ولعله أراد بذلك غير محرم ، وفي ( مصنف ) ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ربما أطال ركعتي الفجر " وقال مجاهد : لا بأس أن يطيل ركعتي الفجر ، وبالغ قوم فقالوا : لا قراءة فيها ، حكاه عياض والطحاوي

والحديث الصحيح يرد ذلك وهو : كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الأولى بفاتحة الكتاب ، و قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ وفي الثانية بالفاتحة ، و قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
وفي رواية ابن عباس كان يقرأ فيهما قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وبقوله : قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ واستحب مالك الاقتصار على الفاتحة على ظاهر قول عائشة كان يخففهما حتى إني لأقول قد قرأ فيهما بأم الكتاب ، وفي ( فضائل القرآن العظيم ) لأبي العباس الغافقي : " أمر رجلا شكا إليه شيئا أن يقرأ في الأولى بفاتحة الكتاب وسورة ألم نشرح ، وفي الثانية بالفاتحة وسورة ألم تر كيف " . وفيه استحباب الاضطجاع على الأيمن عند النوم وهو سنة عند البعض واجب عند الحسن البصري ، وذكر القاضي عياض أن عند مالك وجمهور العلماء وجماعة من الصحابة بدعة . ( قلت ) : يعني الاضطجاع بعد ركعتي الفجر
وفي ( سنن أبي داود ) والترمذي بإسناد صحيح على شرط الشيخين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع على يمينه
" واعلم أنه ثبت في الصحيح " أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة يوتر منها بواحدة ، فإذا فرغ منها اضطجع على شقه حتى يأتيه المؤذن فيصلي ركعتين خفيفتين " فهذا الاضطجاع كان بعد صلاة الليل وقبل صلاة ركعتي الفجر ، ولم يقل أحد : إن الاضطجاع قبلهما سنة فكذا بعدهما ، وقد روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : " إن كنت مستيقظة حدثني وإلا اضطجع " فهذا يدل على أنه ليس بسنة وأنه تارة كان يضطجع قبل وتارة بعد وتارة لا يضطجع .

وفيه : استحباب إتيان المؤذن إلى الإمام الراتب وإعلامه بحضور الصلاة . وفيه : دلالة على أن الانتظار للصلاة في البيت كالانتظار في المسجد إذ لو لم يكن كذلك لخرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد ليأخذ لنفسه بحظها من فضيلة الانتظار . وفيه : أن مراعاة الوقت للمؤذن ، وأن الإمام يجعل إليه ذلك ، وقال الداودي : في حديث عائشة دلالة أن المؤذن لا يكون إلا عالما بالأوقات أو يكون له من يعرفه بها .

وفيه تعجيل ركعتي الفجر عند طلوع الفجر وقد كره جماعة من العلماء منهم أصحابنا التنفل بعد أذان الفجر إلى صلاة الفجر بأكثر من ركعتي الفجر لما في مسلم عن حفصة " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا طلع الفجر لا يصلي إلا ركعتين خفيفتين "

وعند أبي داود عن يسار مولى ابن عمر قال : رآني عبد الله وأنا أصلي بعد طلوع الفجر فقال : يا يسار إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج علينا ونحن نصلي هذه الصلاة فقال : لا تصلوا بعد الفجر إلا ركعتين ، وقال أبو عيسى : حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث قدامة بن موسى
، وهذا مما أجمع عليه أهل العلم ، كرهوا أن يصلي الرجل بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر ، وإلى هذا ذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد ، ولأصحاب الشافعي فيه ثلاثة أوجه : أحدها : مثل الجماعة . الثاني : لا تدخل الكراهة حتى يصلي سنة الفجر . الثالث : لا تدخل الكراهة حتى يصلي الصبح ، وقال النووي : وهو الصحيح والله تعالى أعلم .

ورد في أحاديث3 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث