باب إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة
( باب إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة ) أي هذا باب ترجمته : إذا أقيمت إلى . آخره ، وهذه الترجمة بعينها لفظ حديث أخرجه مسلم في كتاب الصلاة من طرق كثيرة عن عمرو بن دينار المكي ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي هريرة ، وأخرجه أبو داود عن أحمد بن حنبل ، وأخرجه الترمذي عن أحمد بن منيع ، وأخرجه النسائي عن أحمد بن عبد الله بن الحكم ، وأخرجه ابن ماجه عن أبي بشر بن خلف . ( فإن قلت ) : ما كان المانع للبخاري جعل هذا ترجمة ولم يخرجه .
( قلت ) : اختلف هذا على عمرو بن دينار في رفعه ووقفه ، فلذلك لم يخرجه ولكن الحديث الذي ذكره في الباب يغني عن ذلك كما نذكره إن شاء الله تعالى . 55 - حدثنا عبد العزيز بن عبد الله قال : حدثنا إبراهيم بن سعد ، عن أبيه ، عن حفص بن عاصم ، عن عبد الله بن مالك بن بحينة قال : مر النبي صلى الله عليه وسلم برجل . قال : وحدثني عبد الرحمن قال : حدثنا بهز بن أسد قال : حدثنا شعبة قال : أخبرني سعد بن إبراهيم قال : سمعت حفص بن عاصم قال : سمعت رجلا من الأزد يقال له : مالك بن بحينة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا وقد أقيمت الصلاة يصلي ركعتين ، فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم لاث به الناس ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : آلصبح أربعا ؟ آلصبح أربعا ؟ .
مطابقته للترجمة في قوله : " آلصبح أربعا " حيث أنكر صلى الله تعالى عليه وسلم على الرجل الذي كان يصلي ركعتين بعد أن أقيمت صلاة الصبح ، فقال : " آلصبح أربعا " أي : الصبح تصلى أربعا ، لأنه إذا صلى ركعتين بعد أن أقيمت الصلاة ثم يصلي مع الإمام ركعتين صلاة الصبح ، فيكون في معنى من صلى الصبح أربعا ، فدل هذا على أن لا صلاة بعد الإقامة إلا الصلاة المكتوبة . ( فإن قلت ) : حديث الترجمة أعم لأنه يشمل سائر الصلوات ، وحديث الباب في صلاة الصبح . ( قلت ) : كلاهما في المعنى واحد لأن الحكم في الإنكار فيه أن يتفرغ المصلي للفريضة من أولها حتى لا تفوته فضيلة الإحرام مع الإمام ، فهذا يعم الكل في الحقيقة ، وقال بعضهم : يحتمل أن تكون اللام في حديث الترجمة عهدية فيتفقان .
( قلت ) : لا حاجة إلى ذكر الاحتمال لأن الأصل في اللام أن تكون للعهد في الأصل ، فحين قال صلى الله عليه وسلم : " إذا أقيمت الصلاة " لا نزاع أنه كان ذلك في وقت صلاة من الصلوات . ( ذكر رجاله ) وهم تسعة الأول : عبد العزيز بن عبد الله بن يحيى أبو القاسم القرشي العامري الأوسي المدني . الثاني : إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أبو إسحاق الزهري المدني .
الثالث : أبوه سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف . الرابع : حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب . الخامس : عبد الله بن مالك بن بحينة ، وبحينة بضم الباء الموحدة وفتح الحاء المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفتح النون وفي آخره هاء ، وهي بنت الحارث بن المطلب بن عبد مناف ، وهو اسم أم عبد الله ، وقال أبو نعيم الأصفهاني : بحينة أم أبيه مالك بن القشب بكسر القاف وسكون الشين المعجمة ، وفي آخره باء موحدة ، وهو لقب واسمه جندب بن نضلة بن عبد الله بن رافع الأزدي ، وقال ابن سعد : بحينة عبدة بنت الحارث لها صحبة ، وقال : قدم مالك بن القشب مكة في الجاهلية فحالف بني المطلب بن عبد مناف وتزوج بحينة بنت الحارث بن المطلب ، وأدركت بحينة الإسلام فأسلمت وصحبت ، وأسلم ابنها عبد الله قديما ، وحكى ابن عبد البر خلافا لبحينة : هل هي أم عبد الله أو أم مالك ؟ والصواب أنها أم عبد الله كما قلنا .
السادس : عبد الرحمن بن بشر بن الحكم بن محمد النيسابوري ، مات في سنة ستين ومائتين . السابع : بهز بفتح الباء الموحدة وسكون الهاء ، وفي ج٥ / ص١٨٣آخره زاي ابن أسد العمي أبو الأسود البصري . الثامن : شعبة بن الحجاج .
التاسع : مالك بن بحينة ، قال ابن الأثير : له صحبة ، وقال الذهبي في تجريد الصحابة : مالك بن بحينة والد عبد الله ورد عنه حديث وصوابه لعبد الله ، وقال ابن عساكر في ترجمته : مالك بن بحينة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها وهم ، وقال ابن معين : عبد الله هو الذي روى عن النبي صلى الله عليه وسلم وليس يروي أبوه عن النبي صلى الله عليه وسلم شيئا نقله عنه الغسائي . ( ذكر لطائف إسناده ) هنا إسنادان : الأول : عن عبد العزيز ، عن إبراهيم بن سعد ، عن أبيه ، عن حفص بن عاصم ، عن عبد الله بن مالك . الإسناد الثاني : عن عبد الرحمن ، عن بهز ، عن شعبة ، عن سعد ، عن حفص ، عن مالك بن بحينة ، هكذا يقول شعبة في هذا الصحابي ، وتابعه على ذلك أبو عوانة وحماد بن سلمة وحكم الحفاظ يحيى بن معين وأحمد ومسلم والنسائي والإسماعيلي والدارقطني وأبو مسعود وآخرون عليهم بالوهم في موضعين : أحدهما : أن بحينة والدة عبد الله لا والدة مالك ، والآخران الصحبة والرواية لعبد الله لا لمالك ، وجنح الداودي إلى أن مالكا له صحبة حيث قال : وهذا الاختلاف لا يضر ، فأي الرجلين كان فهو صاحب .
( فإن قلت ) : لم لم يسق البخاري لفظ رواية إبراهيم بن سعد وتحول إلى رواية شعبة ؟ ( قلت ) : كأنه أوهم أنهما متوافقتان وليس كذلك ، وقد ساق مسلم رواية إبراهيم بن سعد بالسند المذكور ، ولفظه " مر برجل يصلي وقد أقيمت صلاة الصبح فكلمه بشيء لا ندري ما هو ، فلما انصرفنا أحطنا نقول : ماذا قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : قال لي : " يوشك أحدكم أن يصلي الصبح أربعا " ففي هذا السياق مخالفة لسياق شعبة في كونه صلى الله عليه وسلم كلم الرجل وهو يصلي ، ورواية شعبة تقتضي أنه كلمه بعدما فرغ . ( قلت ) : يمكن الجمع بينهما أنه كلمه أولا سرا ، ولهذا احتاجوا أن يسألوه ، ثم كلمه ثانيا جهرا فسمعوه ، وفائدة التكرار تقرير الإنكار . وفيه التحديث بصيغة الجمع في أربعة مواضع ، وبصيغة الإفراد في موضعين .
وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع . وفيه السماع في موضعين . وفيه القول في سبعة مواضع .
وفيه أن رواته ما بين نيسابوري وبصري ومدني وواسطي . وفيه أن شيخه عبد العزيز من أفراده . وفيه اثنان من الصحابة على قول من يقول : مالك بن بحينة من الصحابة .
وفيه اثنان من التابعين أحدهما سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف كان من أجلة التابعين ، والآخر حفص بن عاصم . ( ذكر من أخرجه غيره ) أخرجه مسلم في الصلاة عن القعنبي ، عن إبراهيم بن سعد ، عن أبيه ، وعن قتيبة ، عن أبي عوانة ، عن سعد بن إبراهيم ، عن حفص بن عاصم ، عن ابن بحينة به قال : وقوله : عن أبيه خطأ بحينة هي أم عبد الله ، قال أبو مسعود : وهذا يخطئ فيه القعنبي بقوله : عن أبيه ، وأسقط مسلم من أوله : عن أبيه ثم قال : في عقبه ، وقال القعنبي : عن أبيه ، وأهل العراق منهم شعبة وحماد بن سلمة وأبو عوانة يقولون : عن سعد ، عن حفص ، عن مالك بن بحينة ، وأهل الحجاز قالوا في نسبة عبد الله بن مالك بن بحينة وهو الأصح ، وأخرجه النسائي فيه عن قتيبة به ، وعن محمود بن غيلان ، عن وهب بن جرير ، عن شعبة بإسناد نحوه ، وقال هذا خطأ ، والصواب عبد الله بن بحينة ، وأخرجه ابن ماجه فيه عن أبي مروان محمد بن عثمان العثماني ، عن إبراهيم بن سعد به . ( ذكر معناه ) قوله : " من الأزد " بسكون الزاي ، ويقال له : الأسد أيضا ، وهم أزد شنوءة وبالسين رواية الأصيلي .
قوله : " رأى رجلا " هو عبد الله الراوي كما رواه أحمد من طريق محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عنه " أن النبي صلى الله عليه وسلم مر به وهو يصلي " ، وفي رواية " خرج وابن القشب يصلي " وأخرج ابن خزيمة وابن حبان والبزار والحاكم وغيرهم ، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : " كنت أصلي وأخذ المؤذن بالإقامة فجذبني النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال : أتصلي الصبح أربعا ؟ " ( فإن قلت ) : يحتمل أن يكون الرجل هو ابن عباس ؟ ( قلت ) : لا بل هما قضيتان . قوله : " وقد أقيمت " هو ملتقى الإسنادين ، والقدر المشترك بين الطريقين إذ تقديره مر النبي صلى الله عليه وسلم برجل ، وقد أقيمت ، ومعناه وقد نودي للصلاة بالألفاظ المخصوصة . قوله : " فلما انصرف " أي : من الصلاة .
قوله : " لاث به الناس " بالثاء المثلثة الخفيفة أي : دار وأحاط ، وقال ابن قتيبة : أصل اللوث الطي ، ويقال : لاث عمامته أي : أدارها ، ويقال : فلان يلوث بي أي : يلوذ بي ، والمقصود أن الناس أحاطوا به والتفوا حوله ، والضمير في " به " يرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، ولكن طريق إبراهيم بن سعد المتقدمة تقتضي أنه يرجع إلى الرجل . قوله : " آلصبح أربعا " بهمزة ممدودة في أوله ويجوز قصرها وهو استفهام للإنكار التوبيخي ، والصبح منصوب بإضمار فعل ج٥ / ص١٨٤مقدر تقديره : أتصلي الصبح ؟ وقال الكرماني : ويجوز الصبح بالرفع أي : الصبح تصلى أربعا . ( قلت ) : يكون الصبح على هذا التقدير مبتدأ ، وقوله : " تصلي أربعا " جملة وقعت خبرا ، والضمير محذوف لأن تقديره تصليه أربعا ، والضمير الذي يقع مفعولا حذفه شائع ذائع ، وانتصاب أربعا على الحال قاله ابن مالك ، وقال الكرماني : على البدلية .
( قلت ) : يكون بدل الكل من الكل لأن الصبح صار في معنى الأربع ، ويجوز أن يكون بدل الكل من البعض لأن الأربع ضعف صلاة الصبح ، ويجوز أن يكون بدل الاشتمال لأن الذي صلاها الرجل أربع ركعات في المعنى . ( ذكر ما يستنبط منه ) وهو على وجوه : الأول : اختلف العلماء فيمن دخل المسجد لصلاة الصبح فأقيمت الصلاة : هل يصلي ركعتي الفجر أم لا ؟ فكرهت طائفة أن يركع ركعتي الفجر في المسجد والإمام في صلاة الفجر محتجين بهذا الحديث ، وروي ذلك عن ابن عمر وأبي هريرة وسعيد بن جبير وعروة وابن سيرين وإبراهيم وعطاء والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور ، وقالت طائفة : لا بأس أن يصليهما خارج المسجد إذا تيقن أنه يدرك الركعة الأخيرة مع الإمام وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والأوزاعي ، إلا أن الأوزاعي أجاز أن يركعهما في المسجد ، وقال الثوري : إن خشي فوت ركعة دخل معه ولم يصلهما وإلا صلاهما في المسجد ، وقال صاحب الهداية : ومن انتهى إلى الإمام في صلاة الفجر وهو لم يصل ركعتي الفجر ، إن خشي أن تفوته ركعة يعني من صلاة الفجر لاشتغاله بالسنة ويدرك الركعة الأخرى وهي الثانية يصلي ركعتي الفجر عند باب المسجد ثم يدخل المسجد ، لأنه أمكنه الجمع بين الفضيلتين يعني : فضيلة السنة وفضيلة الجماعة ، وإنما قيد بقوله عند باب المسجد لأنه لو صلاهما في المسجد كان متنفلا فيه مع اشتغال الإمام بالفرض وأنه مكروه لقوله صلى الله عليه وسلم : " إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة " وخصت سنة الفجر بقوله صلى الله عليه وسلم : " لا تدعوهما وإن طردتكم الخيل " رواه أبو داود عن أبي هريرة ، هذا إذا كان عند باب المسجد موضع لذلك وإن لم يكن يصليهما في المسجد خلف سارية من سواريه خلف الصفوف ، وذكر فخر الإسلام وأشدها كراهة أن يصلي مخالطا للصف مخالفا للجماعة ، والذي يلي ذلك خلف الصف من غير حائل بينه وبين الصف ، وفي الذخيرة السنة في سنة الفجر - يعني : ركعتي الفجر - أن يأتي بهما في بيته ، فإن لم يفعل فعند باب المسجد إذا كان الإمام يصلي فيه ، فإن لم يمكنه ففي المسجد الخارج إذا كان الإمام في المسجد الداخل ، وفي الداخل إذا كان الإمام في الخارج وفي المحيط ، وقيل : يكره ذلك كله لأن ذلك بمنزلة مسجد واحد ، وعند الظاهرية أنه يقطع الصلاة إذا أقيمت الصلاة ، وفي الجلاب يصليهما . وإن فاتته الصلاة مع الإمام إذا كان الوقت واسعا واستدل من كره صلاتهما بحديث الباب وبما في مسلم من حديث عبد الله بن سرجس " جاء رجل والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي الصبح ، فصلى ركعتين ثم دخل مع النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة ، فلما انصرف قال له : يا فلان أيتهما صلاتك التي صليتها وحدك أو التي صليت معنا " وبما ذكره ابن خزيمة في صحيحه من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال : " كنت أصلي " الحديث وقد ذكرناه عن قريب ، وعند ابن خزيمة عن أنس " خرج النبي صلى الله عليه وسلم حين أقيمت الصلاة فرأى ناسا يصلون ركعتين بالعجلة فقال : صلاتان معا ، فنهى أن تصليا في المسجد إذا أقيمت الصلاة .
( فإن قلت ) : قد روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي عند الإقامة في بيت ميمونة . ( قلت ) : هذا الحديث وهاه ابن القطان وغيرهوفي كتاب الصلاة للدكيني عن سويد بن غفلة كان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يضرب على الصلاة قبل الإقامة ، ورأى ابن جبير رجلا يصلي حين أقيمت الصلاة ، فقال : ليست هذه ساعة صلاة ، وعن صفوان بن موهب أنه سمع مسلم بن عقيل يقول للناس وهم يصلون وقد أقيمت الصلاة : ويلكم إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة ، وعند البيهقي رأى ابن عمر رجلا يصلي الركعتين والمؤذن يقيم فحصبه ، وقال : أتصلي الصبح أربعا وذكر ، أبو أمية محمد بن إبراهيم الطرسوسي في كتابه مسند ابن عمر رفعه من حديث قدامة بن موسى ، عن رجل من بني حنظلة ، عن أبي علقمة عن يسار بن نمير مولى ابن عمر قال : " رآني ابن عمر وأنا أصلي الفجر فقال : يا يسار إن النبي صلى الله عليه وسلم خرج علينا ونحن نصلي هذه الصلاة فتغيظ علينا ، وقال : ليبلغ شاهدكم غائبكم لا صلاة بعد الفجر إلا ركعتين " وذكر ابن حزم نحوه عن ابن سيرين وإبراهيم ، وعند أبي نعيم الفضل عن طاوس : " إذا أقيمت الصلاة وأنت في الصلاة فدعها ، وعند عبد الرزاق ج٥ / ص١٨٥قال سعيد بن جبير : " اقطع صلاتك عند الإقامة " ، وعند ابن أبي شيبة قال سفيان : كان قيس بن أبي حازم يؤمنا ، فأقام المؤذن الصلاة وقد صلى ركعة فتركها ، ثم تقدم فصلى بنا ، وكذا قاله الشعبي . واستدل من أجاز ذلك بقوله تعالى : وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ وبما
رواه البيهقي من طريق حجاج بن نصير ، عن عباد بن كثير ، عن ليث ، عن عطاء ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة إلا ركعتي الفجر " قال البيهقي : هذه الزيادة لا أصل لها ، وحجاج وعباد ضعيفان.
( قلت ) : قال يعقوب بن شيبة : سألت ابن معين عن حجاج بن نصير الفساطيطي البصري ، فقال : صدوق ، وذكره ابن حبان في الثقات ، وعباد بن كثير كان من الصالحين ، وعن ابن مسعود أنه دخل المسجد وقد أقيمت صلاة الصبح ، فركع ركعتي الفجر إلى أسطوانة بمحضر حذيفة وأبي موسى ، قال ابن بطال : وروي مثله عن عمر بن الخطاب وأبي الدرداء وابن عباس رضي الله تعالى عنهم ، وعن ابن عمر أنه أتى المسجد لصلاة الصبح فوجد الإمام يصلي فدخل بيت حفصة فصلى ركعتين ثم دخل في صلاة الإمام ، وعند ابن أبي شيبة عن إبراهيم كان يقول : إن بقي من صلاتك شيء فأتممه ، وعنه إذا افتتحت الصلاة تطوعا وأقيمت الصلاة فأتم . الثاني : من الوجوه في حكمة إنكار النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة عند إقامة الفرض ، فقال عياض : لئلا يتطاول الزمان فيظن وجوبها ، ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم من حديث إبراهيم بن سعد : " يوشك أحدكم أن يصلي الصبح أربعا " وقد ذكرناه عن قريب ، وعلى هذا إذا حصل الأمن لا يكره ذلك ، وقال بعضهم : وهو متعقب بعموم حديث الترجمة . ( قلت ) : قوله تعالى : وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ يخص هذا العام مع ما روي عن هؤلاء الصحابة المذكورين آنفا ، وقال هذا القائل أيضا وقيل : لئلا تلتبس صلاة الفرض بالنفل ، وإلى هذا جنح الطحاوي واحتج له ، ومقتضاه أنه لو كان خارج المسجد أو في زاوية منه لم يكره ، وهو متعقب أيضا بما ذكر .
انتهى . ( قلت ) : دعواه التعقب متعقبة لأن الأصل في النصوص التعليل وهو وجه الحكمة ، فالعلة في حديث الترجمة هي كونه جامعا بين الفرض والنفل في مكان واحد ، فإذا صلى خارج المسجد أو في زاوية منه لا يلزم ذلك وهو كنهيه صلى الله عليه وسلم من صلى الجمعة أن يصلي بعدها تطوعا في مكان واحد ، كما نهى من صلى الجمعة أن يتكلم أو يتقدم ، وقال هذا القائل هذا أيضا ، وذهب بعضهم إلى أن سبب الإنكار عدم الفصل بين الفرض والنفل لئلا يلتبسا وإلى هذا جنح الطحاوي ، واحتج له بالأحاديث الواردة بالأمر بذلك ، ومقتضاه أنه لو كان في زاوية من المسجد لم يكره وهو متعقب بما ذكره ، إذ لو كان المراد مجرد الفصل بين الفرض والنفل لم يحصل إنكار أصلا لأن ابن بحينة سلم من صلاته قطعا ثم دخل في الفرض . انتهى .
( قلت ) : ذكر شيئا لا يجدي لرده ما قاله الطحاوي ، فلو نقل ما رواه الطحاوي أيضا لكان علم أن رده ليس بشيء ، وهو أنه روى بسنده " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بابن بحينة وهو يصلي بين يدي نداء الصبح ، فقال : لا تجعلوا هذه الصلاة كصلاة الظهر واجعلوا بينهما فصلا " فبان بهذا أن الذي كرهه النبي صلى الله عليه وسلم لابن بحينة وصله إياها بالفريضة في مكان واحد دون أن يفصل بينهما بشيء يسير . ( قلت ) : فعلم بذلك أنه ما اعتبر الفصل اليسير والسلام منه ، وكان سبب الكراهة الوصل بين الفرض والنفل في مكان واحد ، ولا اعتبار بالفصل بالسلام ، فمقتضى ذلك أن لا يكره خارج المسجد ولا في زاوية منه ، وهذا هو التحقيق في استنباط الأحكام من النصوص ، وليس ذلك بالتحسيس من الخارج ، وقال النووي : الحكمة في الإنكار المذكور أن يتفرغ للفضيلة من أولها فيشرع فيها عقيب شروع الإمام والمحافظة على مكملات الفريضة أولى من التشاغل بالنافلة . ( قلت ) : الاشتغال بسنة الفجر الذي ورد فيه التأكيد بالمحافظة عليها مع العلم بإدراكه الفريضة أولى .
( فإن قلت ) : في حديث الترجمة منع عن التنفل بعد الشروع في إقامة الصلاة سواء كان من الرواتب أو لا ، لما روى مسلم بن خالد عن عمرو بن دينار في هذا الحديث " قيل : يا رسول الله ولا ركعتي الفجر ، قال : ولا ركعتي الفجر " أخرجه ابن عدي في ترجمة يحيى بن نصر بن حاجب . ( قلت ) : روى البخاري ومسلم وأبو داود من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن على شيء من النوافل أشد تعاهدا منه على ركعتين قبل الصبح " ، وروى أبو داود من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تدعوهما وإن طردتكم الخيل " أي : لا تتركوهما وإن طردتكم الفرسان ، فهذا كناية عن المبالغة وحث عظيم على مواظبتهما ، وعن هذا أصحابنا ذهبوا فيه إلى ما ذكرنا عنهم على أن فيه الجمع بين الأمرين . ج٥ / ص١٨٦فافهم .
الوجه الثالث : أن قوله في الترجمة : " إلا المكتوبة " أي : المفروضة يشمل الحاضرة والفائتة ، ولكن المراد الحاضرة وصرح بذلك أحمد والطحاوي من طريق أخرى عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة بلفظ " إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا التي أقيمت " وقد مر وجه الإنكار فيه مستقصى . ( تابعه غندر ومعاذ عن شعبة عن مالك ) أي تابع بهذا غندر وهو محمد بن جعفر أبو عبد الله ابن امرأة شعبة ، وغندر بضم الغين المعجمة وسكون النون وفتح الدال المهملة ، وقد تقدم غير مرة ، وقد وصل أحمد طريق غندر عنه كذلك . قوله : " ومعاذ " أي : وتابعه معاذ أيضا وهو معاذ بن معاذ أبو المثنى البصري قاضيها ، ووصل طريقه الإسماعيلي من رواية عبيد الله بن معاذ ، عن أبيه .
قوله : " في مالك " أي : في الرواية عن مالك بن بحينة . ويروى عن مالك وهي أوضح وهي رواية الكشميهني . ( وقال ابن إسحاق عن سعد عن حفص عن عبد الله بن بحينة ) ابن إسحاق هو محمد بن إسحاق صاحب المغازي ، عن سعد بن إبراهيم ، عن حفص بن عاصم ، وهذه الرواية موافقة لرواية إبراهيم بن سعد ، عن أبيه وهي الراجحة ، وقال أبو مسعود : أهل المدينة يقولون : عبد الله بن بحينة ، وأهل العراق يقولون : مالك بن بحينة ، والأول هو الصواب ، ورواه القعنبي عن إبراهيم بن سعد ، عن عبد الله بن مالك بن بحينة ، عن أبيه قال مسلم في صحيحه : قوله عن أبيه خطأ ، وأسقط مسلم في كتابه من هذا الإسناد قوله : عن أبيه من رواية القعنبي ولم يذكره ، لكنه نبه عليه ، وقال يحيى بن معين ذكر أبيه خطأ ليس يروي أبوه عن النبي صلى الله عليه وسلم شيئا .
( وقال حماد : أخبرنا سعد عن حفص عن مالك )