حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب إنما جعل الإمام ليؤتم به

حدثنا عبد الله بن يوسف ، قال : أخبرنا مالك ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت : صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيته وهو شاك فصلى جالسا وصلى وراءه قوم قياما ، فأشار إليهم أن اجلسوا ، فلما انصرف قال : إنما جعل الإمام ليؤتم به ، فإذا ركع فاركعوا ، وإذا رفع فارفعوا ، وإذا قال : سمع الله لمن حمده ، فقولوا : ربنا ولك الحمد ، وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون . مطابقته للترجمة ظاهرة لأن الترجمة هي بعينها ، قوله صلى الله عليه وسلم : إنما جعل الإمام ليؤتم به . ورجاله قد ذكروا غير مرة ، وأخرجه البخاري أيضا في التفسير عن قتيبة ، وفي السهو عن إسماعيل ، وأخرجه أبو داود في الصلاة عن القعنبي عن مالك به .

( ذكر معناه ) قوله : ( في بيته ) أي في المشربة التي في حجرة عائشة كما بينه أبو سفيان عن جابر ، وهذا يدل على أن تلك الصلاة لم تكن في المسجد ، وكأنه صلى الله عليه وسلم عجز عن الصلاة بالناس في المسجد ، وكان يصلي في بيته بمن حضر لكنه لم ينقل أنه استخلف ، ومن ثمة قال عياض : إن الظاهر أنه صلى في حجرة عائشة وأتم به من حضر عنده ومن كان في المسجد ، وهذا الذي قاله يحتمل ، ويحتمل أيضا أن يكون استخلف ، وإن لم ينقل لكن يلزم على الأول أن تكون صلاة الإمام أعلى من صلاة المأمومين ، ومذهب عياض خلافه ، قلت : له أن يقول إنما يمنع كون الإمام أعلى من المأموم إذا لم يكن معه أحد ، وكان معه هنا بعض الصحابة ، قوله : ( وهو شاك ) بتخفيف الكاف ، وأصله شاكي نحو قاض ، أصله قاضي استثقلت الضمة على الياء فحذفت فصارت شاك ، وهو من الشكاية ، وهي المرض ، والمعنى هنا شاك عن مزاجه لانحرافه عن الصحة ، وقال ابن الأثير : الشكو ، والشكوى ، والشكاة ، والشكاية المرض ، قوله : ( فصلى جالسا ) أي حال كونه جالسا ، وقال عياض : يحتمل أن يكون أصابه من السقطة رض في الأعضاء منعه من القيام ، ورد هذا بأنه ليس كذلك ، وإنما كانت قدمه منفكة كما في رواية بشر بن المفضل عن حميد عن أنس عند الإسماعيلي ، وكذا لأبي داود ، وابن خزيمة من رواية أبي سفيان عن جابر قال : ركب رسول لله فرسا بالمدينة فصرعه على جذع نخلة فانفكت قدمه ، فأتيناه نعوده فوجدناه في مشربة لعائشة . الحديث ، وقد ذكرناه عن قريب ، وفي رواية يزيد بن حميد : جحش ساقه أو كتفه ، وفي رواية الزهري عن أنس : جحش شقه الأيمن ، والحاصل هنا أن عائشة أبهمت الشكوى ، وبين جابر وأنس السبب وهو السقوط عن الفرس ، وعين جابر العلة في الصلاة قاعدا وهي انفكاك القدم ؛ فإن قلت : وقعت المخالفة بين هذه الروايات فما التوفيق بينها ؟ قلت : يحتمل وقوع هذا كله ، قوله : ( فأشار عليهم ) ، كذا وقع في رواية الحموي بلفظ عليهم ، وفي رواية الأكثرين : فأشار إليهم ، وروى أيوب عن هشام بلفظ : فأومأ إليهم ، وروى عبد الرزاق عن معمر عن هشام بلفظ : فأخلف بيده يومئ بها إليهم ، قوله : ( فلما انصرف ) أي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الصلاة ، قوله : ( إنما جعل الإمام ليؤتم به ) أي ليقتدى به ويتبع ، ومن شأن التابع أن لا يسبق متبوعه ، ولا يتقدم عليه في موقفه ويراقب أحواله ، قوله : ( فإذا ركع ) أي الإمام فاركعوا الفاء فيه وفي قوله : ( فاسجدوا ) للتعقيب ، ويدل على أن المقتدي لا يسبق الإمام بالركوع والسجود حتى إذا سبق الإمام فيهما ، ولم يلحق الإمام فسدت صلاته ، والدليل على أن الفاء للتعقيب ما رواه مسلم من رواية الأعمش عن أبي هريرة رضي الله عنه : لا تبادروا الإمام إذا كبر فكبروا ، وفي رواية أبي داود من رواية مصعب بن محمد عن أبي صالح : لا تركعوا حتى يركع ، ولا تسجدوا حتى يسجد ، قوله : ( وإذا رفع ) أي الإمام رأسه فارفعوا رؤوسكم ؛ فإن قلت : الفاء التي للتعقيب هي الفاء العاطفة ، والفاء التي هنا للربط فقط لأنها وقعت جوابا للشرط فعلى هذا لا تقتضي تأخر أفعال المأموم عن الإمام ، قلت : وظيفة الشرط التقدم على الجزاء مع أن رواية أبي داود تصرح بانتفاء التقدم والمقارنة ، ولا اعتبار لقول من يقول : إن الجزاء يكون مع الشرط ، قوله : ( فإذا قال : سمع الله لمن حمده ) ، قوله : ( سمع الله ) مجاز عن الإجابة ، والإجابة مجاز عن القبول فصار هذا مجاز المجاز ، والهاء في حمده هاء السكتة والاستراحة لا للكناية ، قوله : ( ربنا ولك الحمد ) جميع الروايات في حديث عائشة بإثبات الواو ، وكذا في حديث أبي هريرة وأنس إلا في رواية الليث عن الزهري في باب إيجاب التكبير ، والكشميهني بحذف الواو ، ومنهم من رجح إثبات الواو لأن فيها معنى زائدا لكونها عاطفة على محذوف تقديره : يا ربنا استجب ، أو يا ربنا أطعناك ولك الحمد ، فيشتمل على الدعاء والثناء معا ، ومنهم من رجح حذفها لأن الأصل عدم التقدير فتصير عاطفة على كلام غير تام ، وقال ابن دقيق العيد : والأول أوجه ، وقال النووي : ثبتت الراوية بإثبات الواو وحذفها ، والوجهان جائزان بغير ترجيح ، قوله : ( وإذا صلى جالسا ) أي حال كونه جالسا ، قوله : ( فصلوا جلوسا ) أي جالسين ، وهو أيضا حال ، قوله : ( أجمعون ) تأكيد للضمير الذي في صلوا ، كذا وقع بالواو في جميع الطرق في ( الصحيحين ) إلا أن الرواة اختلفوا في رواية همام عن أبي هريرة ، فقال بعضهم : أجمعين بالياء ، فوجهه أن يكون منصوبا على الحال أي جلوسا مجتمعين أو يكون تأكيدا له ، وقال بعضهم : يكون نصبا على التأكيد لضمير مقدر منصوب كأنه قال : أعنيكم أجمعين ، قلت : هذا تعسف جدا ليس في الكلام ما يصحح هذا التقدير . ( ذكر ما يستفاد منه ) وهو على وجوه : الأول : فيه جواز صلاة القائمين وراء الجالس ، وقد مر الكلام فيه مستوفى عن قريب ، الثاني : فيه وجوب متابعة المأموم الإمام حتى في الصحة والفساد ، وقال الشافعي : يتبع في الموافقة لا في الصحة والفساد ، وقال النووي : متابعة الإمام واجبة في الأفعال الظاهرة بخلاف النية ، وقال بعضهم : يمكن أن يستدل من هذا الحديث على عدم دخولها لأنه يقتضي الحصر في الاقتداء به في أفعاله لا في جميع أحواله كما لو كان محدثا أو حامل نجاسة ، فإن الصلاة خلفه تصح لمن لم يعلم حاله على الصحيح ، قلت : لا دلالة فيه على الحصر بل يدل الحديث على وجوب المتابعة مطلقا ، ثم قال هذا القائل : ثم مع وجود المتابعة ليس شيء منها شرطا في صحة القدوة إلا تكبيرة الإحرام ، واختلف في السلام ، والمشهور عند المالكية اشتراطه مع الإحرام ، والقيام من التشهد الأول انتهى ، قلنا : تكفي المقارنة لأن معنى الائتمام الامتثال ، ومن فعل مثل ما فعل إمامه صار ممتثلا ، الثالث : استدل أبو حنيفة بقوله : ( وإذا قال : سمع الله لمن حمده ، فقولوا : ربنا ولك الحمد ) على أن وظيفة الإمام التسميع ، ووظيفة المأموم التحميد لأنه صلى الله عليه وسلم قسم ، والقسمة تنافي الشركة ، وبه قال مالك وأحمد في رواية ، وقال أبو يوسف ، ومحمد ، والشافعي ، وأحمد في رواية : يأتي الإمام بهما ، والحديث حجة عليهم ، وأما المؤتم فلا يقول إلا ربنا ولك الحمد ليس إلا عندنا ، وقال الشافعي ومالك : يجمع بينهما .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث