باب إنما جعل الإمام ليؤتم به
( باب إنما جعل الإمام ليؤتم به ) . ( وصلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في مرضه الذي توفي فيه بالناس وهو جالس ) .
( وقال ابن مسعود : إذا رفع قبل الإمام يعود فيمكث بقدر ما رفع ثم يتبع الإمام ) . مطابقته للترجمة تؤخذ من لفظ الترجمة على ما لا يخفى ، وهذا التعليق ،
وصله ابن أبي شيبة بسند صحيح عن هشيم ، أخبرنا حصين ، عن هلال بن يسار ، عن أبي حيان الأشجعي ، وكان من أصحاب عبد الله قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا تبادروا أئمتكم بالركوع ولا بالسجود ، وإذا رفع أحدكم رأسه والإمام ساجد فليسجد ، ثم ليمكث قدر ما سبقه به الإمام.
وروى عبد الرزاق عن عمر نحو قول ابن مسعود بإسناد صحيح ، ولفظه : أيما رجل رفع رأسه قبل الإمام في ركوع أو سجود فليضع رأسه بقدر رفعه إياه، ورواه البيهقي من طريق ابن لهيعة ، وقال البيهقي : ورويناه عن إبراهيم والشعبي أنه يعود فيسجد ، وحكى ابن سحنون عن أبيه نحوه ، ومذهب مالك أن من خفض أو رفع قبل إمامه أنه يرجع فيفعل ما دام إمامه لم يرفع من ذلك ، وبه قال أحمد ، وإسحاق ، والحسن ، والنخعي ، وروي نحوه عن عمر رضي الله تعالى عنه ، وقال ابنه : من ركع أو سجد قبل إمامه لا صلاة له ، وهو قول أهل الظاهر ، وقال الشافعي وأبو ثور : إذا ركع أو سجد قبله فإن إدركه الإمام فيهما أساء ويجزيه . حكاه ابن بطال ، ولو أدرك الإمام في الركوع فكبر مقتديا به ووقف حتى رفع الإمام رأسه فركع لا يجزيه عندنا خلافا لزفر . ( وقال الحسن فيمن يركع مع الإمام ركعتين ، ولا يقدر على السجود يسجد للركعة الآخرة سجدتين ثم يقضي الركعة الأولى بسجودها ، وفيمن نسي سجدة حتى قام يسجد ) .
78 - حدثنا أحمد بن يونس ، قال : حدثنا زائدة ، عن موسى بن أبي عائشة ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، قال : دخلت على عائشة فقلت : ألا تحدثيني عن مرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قالت : بلى ، ثقل النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : أصلى الناس ؟ قلنا : لا ، هم ينتظرونك .
قال : ضعوا لي ماء في المخضب ، قالت : ففعلنا ، فاغتسل فذهب لينوء فأغمي عليه ثم أفاق ، فقال صلى الله عليه وسلم : أصلى الناس ؟ قلنا : لا ، هم ينتظرونك يا رسول الله ، قال : ضعوا لي ماء في المخضب ، قالت : فقعد فاغتسل ثم ذهب لينوء ج٥ / ص٢١٥فأغمي عليه ثم أفاق ، فقال : أصلى الناس ؟ فقلنا : لا ، وهم ينتظرونك يا رسول الله ، فقال : ضعوا لي ماء في المخضب ، فقعد فاغتسل ، ثم ذهب لينوء فأغمي عليه ، ثم أفاق ، فقال : أصلى الناس ؟ فقلنا : لا ، هم ينتظرونك يا رسول الله ، والناس عكوف في المسجد ينتظرون النبي - صلى الله عليه وسلم - لصلاة العشاء الآخرة ، فأرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أبي بكر بأن يصلي بالناس ، فأتاه الرسول فقال : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمرك أن تصلي بالناس ، فقال أبو بكر ، وكان رجلا رقيقا : يا عمر صل بالناس ، فقال له عمر : أنت أحق بذلك ، فصلى أبو بكر تلك الأيام ، ثم إن النبي - صلى الله عليه وسلم - وجد من نفسه خفة فخرج بين رجلين أحدهما العباس لصلاة الظهر ، وأبو بكر يصلي بالناس ، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر ، فأومأ إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن لا يتأخر ، قال : أجلساني إلى جنبه ، فأجلساه إلى جنب أبي بكر ، قال : فجعل أبو بكر يصلي وهو يأتم بصلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، والناس بصلاة أبي بكر ، والنبي صلى الله عليه وسلم قاعد ، قال عبيد الله : فدخلت على عبد الله بن عباس ، فقلت له : ألا أعرض عليك ما حدثتني عائشة عن مرض النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟ قال : هات ، فعرضت عليه حديثها فما أنكر منه شيئا غير أنه قال : أسمت لك الرجل الذي كان مع العباس ؟ قلت : لا ، قال : هو علي . مطابقته للترجمة في قوله : ( فجعل أبو بكر يصلي وهو يأتم بصلاة النبي - عليه الصلاة والسلام - ) وكون الإمام جعل ليؤتم به ظاهر هاهنا . ( ذكر رجاله ) ، وهم خمسة .
الأول : أحمد بن يونس هو أحمد بن عبد الله التميمي اليربوعي الكوفي ، الثاني : زائدة بن قدامة البكري الكوفي ، الثالث : موسى بن أبي عائشة الهمداني أبو بكر الكوفي ، الرابع : عبيد الله بتصغير العبد ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود أبو عبد الله الهذلي أحد الفقهاء السبعة ، مات سنة ثمان وتسعين . الخامس : أم المؤمنين عائشة . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه القول في ثلاثة مواضع ، وفيه أن الثلاثة الأول من الرواة كوفيون ، وفيه شيخ البخاري مذكور باسم جده .
( ذكر تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره ) أما البخاري فإنه أخرج هذا الحديث مقطعا ومطولا ومختصرا في مواضع عديدة قد ذكرنا أكثرها ، وأخرجه هنا عن أحمد بن يونس ووافقه في ذلك مسلم ، وأخرجه عن زائدة عن موسى بن أبي عائشة به ، وأخرجه النسائي في الصلاة عن ابن عباس العنبري عن ابن مهدي عن زائدة به ، وفي الوفاة عن سويد بن نصر عن ابن المبارك عن زائدة . ( ذكر معناه ) ، قوله : ( ألا ) للعرض والاستفتاح ، قوله : ( بلى ) بمعنى نعم أحدثك ، قوله : ( لما ثقل ) بضم القاف يعني لما اشتد مرضه ، وقد استقصينا الكلام فيه في باب الغسل ، والوضوء في المخضب ، وفي حد المريض أن يشهد الجماعة وغيرهما ، ونذكر هاهنا بعض شيء مما يحتاج إليه لسرعة الوقوف عليه ، قوله : ( أصلى الناس ) ؟ الهمزة فيه للاستفهام والاستخبار ، قوله : ( فقلنا : لا ) ، ويروى : " قلنا " بدون الفاء ، قوله : ( وهم ينتظرونك ) الواو فيه للحال ، قوله : ( ضعوا لي ماء ) باللام ، وفي رواية المستملي والسرخسي : ضعوني بالنون ، والكرماني ذهل عن رواية الجمهور التي هي باللام وسأل على رواية النون ، فقال : القياس باللام لا بالنون لأن الماء مفعول وهو لا يتعدى إلى مفعولين ، ثم أجاب بأن الوضع ضمن معنى الإيتاء أو لفظ الماء تمييز عن المخضب مقدم عليه إن جوزنا التقديم أو هو منصوب بنزع الخافض ، قلت : كل هذا تعسف إلا معنى التضمين فله وجه ، قوله : ( في المخضب )بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الضاد المعجمة وفي آخره باء موحدة ، وهو المركن أي الإجانة ، قوله : ( ففعلنا فاغتسل ) ، ويروى : ففعلنا فقعد فاغتسل ، قوله : ( فذهب ) بالفاء ، وفي رواية الكشميهني : ثم ذهب ، قوله : ( لينوء ) بضم النون بعدها همزة أي لينهض بجهد ، وقال الكرماني : وينوء كيقوم ج٥ / ص٢١٦لفظا ومعنى ، قوله : ( فأغمي عليه ) فيه أن الإغماء جائز على الأنبياء لأنه شبيه بالنوم ، وقال النووي : لأنه مرض من الأمراض بخلاف الجنون فإنه لم يجز عليهم لأنه نقص ، قلت : العقل في الإغماء يكون مغلوبا ، وفي المجنون يكون مسلوبا ، قوله : ( قلنا لا ) يعني لم يصلوا ، قوله : ( هم ينتظرونك ) جملة اسمية ، وقعت حالا بلا واو ، وهو جائز ، وقد وقع في القرآن نحو قوله تعالى : وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وكذلك هم ينتظرونك ، الثاني : قوله : ( لصلاة العشاء ) ، كذا باللام في رواية الأكثرين ، وفي رواية المستملي والكشميهني : الصلاة العشاء الآخرة ، قوله : ( عكوف ) بضم العين جمع العاكف أي مجتمعون ، وأصل العكف اللبث ، ومنه الاعتكاف لأنه لبث في المسجد ، قوله : ( تلك الأيام ) أي التي كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها مريضا غير قادر على الخروج ، قوله : ( لصلاة الظهر ) هو صريح في أن الصلاة المذكورة كانت صلاة الظهر ، وزعم بعضهم أنها الصبح ، قوله : ( أجلساني ) من الإجلاس ، قوله : ( وهو يأتم بصلاة النبي - عليه الصلاة والسلام - ) هذه رواية المستملي ، والسرخسي ، ورواية الأكثرين : فجعل أبو بكر يصلي وهو قائم من القيام ، قوله : ( بصلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ) ويروى بصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقد قال الشافعي بأنه عليه الصلاة والسلام لم يصل بالناس في مرض موته في المسجد إلا مرة واحدة ، وهي هذه التي صلى فيها قاعدا ، وكان أبو بكر فيها إماما ثم صار مأموما يسمع الناس التكبير ، قوله : ( ألا ) أعرض الهمزة للاستفهام ، ولا للنفي ، وليس حرف التنبيه ، ولا حرف التحضيض بل هو استفهام للعرض . ( ذكر ما يستفاد منه ) وقد ذكرنا أكثر فوائد هذا الحديث في باب حد المريض أن يشهد الجماعة ، ونذكر أيضا ما لم نذكره هناك فيه دليل على أن استخلاف الإمام الراتب إذا اشتكى أولى من صلاته بالقوم قاعدا لأنه صلى الله عليه وسلم استخلف أبا بكر ، ولم يصل بهم قاعدا غير مرة واحدة ، وفيه صحة إمامة المعذور لمثله ، وفيه دليل على صحة إمامة القاعد للقائم أيضا خلافا لما روي عن مالك في المشهور عنه ، ولمحمد بن الحسن ، وقالا في ذلك أن الذي نقل عنه صلى الله عليه وسلم كان خاصا به ، واحتج محمد أيضا
بحديث جابر عن الشعبي مرفوعا : لا يؤمن أحد بعدي جالسا ، أخرجه الدارقطني ثم البيهقي ، وقال الدارقطني : لم يروه عن الشعبي غير جابر الجعفي ، وهو متروك ، والحديث مرسل لا تقوم به حجة، وقال ابن بزيزة : لو صح لم يكن فيه حجة لأنه يحتمل أن يكون المراد منه الصلاة بالجالس ، قلت : يعني يجعل جالسا مفعولا لا حال ، وهذا خلاف ظاهر التركيب في زعم المحتج به ، وزعم عياض ناقلا عن بعض المالكية أن الحديث المذكور يدل على نسخ الأمر المتقدم لهم بالجلوس لما صلوا خلفه قياما ، ورد بأن ذلك على تقدير صحته يحتاج إلى تاريخ ثم اعلم أن جواز صلاة القائم خلف القاعد هو مذهب أبي حنيفة ، وأبي يوسف ، والشافعي ، ومالك في رواية ، والأوزاعي ، واحتجوا في ذلك بحديث عائشة المذكور ، فإن قلت : روى البخاري ومسلم والأربعة عن أنس قال : سقط رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن فرس .
الحديث ، وفيه : إذا صلى قاعدا فصلوا قعودا . وروى البخاري أيضا ، ومسلم عن عائشة قالت : اشتكى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدخل عليه ناس من أصحابه . الحديث ، وفيه : إذا صلى جالسا فصلوا جلوسا ، قلت : هؤلاء يجعلون هذين الحديثين منسوخين بحديث عائشة المتقدم أنه صلى آخر صلاته قاعدا والناس خلفه قيام ، وأيضا أن تلك الصلاة كانت تطوعا ، والتطوعات يحتمل فيها ما لا يحتمل في الفرائض ، وقد صرح بذلك في بعض طرقه كما أخرجه أبو داود في سننه عن أبي سفيان عن جابر قال : ركب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرسا له في المدينة فصرعه على جذع نخلة ، فانفكت قدمه ، فأتيناه نعوده ، فوجدناه في مشربة لعائشة يسبح جالسا ، قال : فقمنا خلفه فسكت عنا ، ثم أتيناه مرة أخرى نعوده ، فصلى المكتوبة جالسا ، فقمنا خلفه فأشار إلينا فقعدنا ، قال : فلما قضى الصلاة ، قال : إذا صلى الإمام جالسا فصلوا جلوسا ، فإذا صلى قائما فصلوا قياما ولا تفعلوا كما يفعل أهل الفارس بعظمائها .
ورواه ابن حبان في صحيحه كذلك ثم قال : وفي هذا الخبر دليل على أن ما في حديث حميد عن أنس أنه صلى بهم قاعدا وهم قيام أنه إنما كانت الصلاة سبحة ، فلما حضرت الفريضة أمرهم بالجلوس فجلسوا فكان أمر فريضة لا فضيلة ، قلت : ومما يدل على أن التطوعات يحتمل فيها ما لا يحتمل في الفرائض
ما أخرجه الترمذي عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن أنس قال : قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إياك والالتفات في الصلاة فإنه هلكة ، فإن كان لا بد ففي التطوع لا في الفريضة . وقال : حديث حسن.