باب إنما جعل الإمام ليؤتم به
( قال أبو عبد الله : قال الحميدي : قوله : إذا صلى جالسا فصلوا جلوسا ، هو في مرضه القديم ثم صلى بعد ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - جالسا ، والناس خلفه قياما لم يأمرهم بالقعود ، وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ) . أبو عبد الله هو البخاري نفسه ، والحميدي هو شيخ البخاري وتلميذ الشافعي ، واسمه عبد الله بن الزبير بن عيسى بن عبيد الله بن الزبير بن عبيد الله بن حميد القرشي الأسدي المكي ، ويكنى أبا بكر ، وهو من أفراد البخاري ، مات سنة تسع عشرة ومائتين ، ويفهم من هذا الكلام أن ميل البخاري إلى ما قاله الحميدي ، وهو الذي ذهب إليه أبو حنيفة والشافعي ، والثوري ، وأبو ثور ، وجمهور السلف أن القادر على القيام لا يصلي وراء القاعد إلا قائما ، وقال المرغيناني : الفرض والنفل سواء ، وقوله : ( إنما يؤخذ ) إلى آخره إشارة إلى أن الذي يجب به العمل هو ما استقر عليه آخر الأمر من النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولما كان آخر الأمرين منه صلى الله عليه وسلم صلاته قاعدا والناس وراءه قيام دل على أن ما كان قبله من ذلك مرفوع الحكم ؛ فإن قلت : ابن حبان لم ير النسخ فإنه قال بعد أن روى حديث عائشة المذكور : وفي هذا الخبر بيان واضح أن الإمام إذا صلى قاعدا كان على المأمومين أن يصلوا قعودا ، وأفتى به من الصحابة جابر بن عبد الله ، وأبو هريرة ، وأسيد بن حضير ، وقيس بن فهد ، ولم يرو عن غيرهم من الصحابة خلاف هذا بإسناد متصل ولا منقطع فكان إجماعا ، والإجماع عندنا إجماع الصحابة ، وقد أفتى به أيضا من التابعين ، وأول من أبطل ذلك من الأمة المغيرة بن مقسم ، وأخذ عنه حماد بن أبي سليمان ، ثم أخذه عنه أبو حنيفة ، ثم عنه أصحابه ، وأعلى حديث احتجوا به
حديث رواه جابر الجعفي عن الشعبي ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم : لا يؤمن أحد بعدي جالسا ، وهذا لو صح إسناده لكان مرسلا ، والمرسل عندنا وما لم يرو سيان ؛ لأنا لو قبلنا إرسال تابعي وإن كان ثقة للزمنا قبول مثله عن أتباع التابعين ، وإذ قبلنا لزمنا قبوله من أتباع التابعين ، ويؤدي ذلك إلى أن نقبل من كل أحد إذا قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وفي هذا نقض الشريعة ، والعجب أن أبا حنيفة يخرج عن جابر الجعفي ويكذبه ، ثم لما اضطره الأمر جعل يحتج بحديثه ، وذلك ج٥ / ص٢٢٠كما أخبرنا به الحسين بن عبد الله بن يزيد القطان بالرقة ، حدثنا أحمد بن أبي الحوراء ، سمعت أبا يحيى الجمان ، سمعت أبا حنيفة يقول : ما رأيت فيمن لقيت أفضل من عطاء ، ولا لقيت فيمن لقيت أكذب من جابر الجعفي ، ما أثبته بشيء من رأيي إلا جاءني فيه بحديث ، قلت : أما إنكاره النسخ فليس له وجه على ما بيناه، وأما قوله : ( أفتى به من الصحابة جابر وغيره ) ، فقد قال الشافعي : إنهم لم يبلغهم النسخ ، وعلم الخاصة يوجد عند بعض ويعزب عن بعض ، انتهى . وكذا من أفتى به من التابعين لم يبلغهم خبر النسخ وأفتى بظاهر الخبر المنسوخ ، وأما قوله : ( والإجماع ) إجماع الصحابة فغير مسلم فإن الأدلة غير فارقة بين أهل عصر ، بل تتناول لأهل كل عصر كتناولها لأهل عصر الصحابة ؛ إذ لو كان خطابا للموجودين وقت النزول فقط يلزم أن لا ينعقد إجماع الصحابة بعد موت من كان موجودا وقت النزول ؛ لأنه حينئذ لا يكون إجماعهم أجماع جميع المخاطبين وقت النزول ، ويلزم أن لا يعتد بخلاف من أسلم أو ولد من الصحابة بعد النزول لكونهم خارجين عن الخطاب ، وقد اتفقتم معنا على إجماع هؤلاء فلا يختص بالمخاطبين ، والخطاب لا يختص بالموجودين كالخطاب بسائر التكاليف ، وهذا الذي قاله ابن حبان هو من مذهب داود وأتباعه ، وأما قوله : ( والمرسل عندنا وما لم يرو سيان ) إلى آخره ، فغير مسلم أيضا لأن إرسال العدل من الأئمة تعديل له إذ لو كان غير عدل لوجب عليه التنبيه على جرحه والإخبار عن حاله ، فالسكوت بعد الرواية عنه يكون تلبيسا أو تحميلا للناس على العمل بما ليس بحجة والعدل لا يتهم بمثل ذلك ، فيكون إرساله توثيقا له لأنه يحتمل أنه كان مشهورا عنده ، فروى عنه بناء على ظاهر حاله ، وفوض تعريف حاله إلى السامع حيث ذكر اسمه ، وقد استدل بعض أصحابنا لقبول المرسل باتفاق الصحابة فإنهم اتفقوا على قبول روايات ابن عباس مع أنه لم يسمع من النبي – عليه الصلاة والسلام - إلا أربع أحاديث لصغر سنه كما ذكره الغزالي أو بضع عشر حديثا كما ذكره شمس الأئمة السرخسي ، وقال ابن سيرين : ما كنا نسند الحديث إلى أن وقعت الفتنة ، وقال بعضهم : رد المراسيل بدعة حادثة بعد المائتين ، والشعبي والنخعي من أهل الكوفة ، وأبو العالية والحسن من أهل البصرة ، ومكحول من أهل الشام كانوا يرسلون ، ولا يظن بهم إلا الصدق فدل على كون المرسل حجة ، نعم وقع الاختلاف في مراسيل من دون القرن الثاني والثالث ، فعند أبي الحسن الكوفي يقبل إرسال كل عدل في كل عصر ، فإن العلة الموجبة لقبول المراسيل في القرون الثلاثة ، وهي العدالة والضبط تشمل سائر القرون ، فبهذا التقدير انتقض قوله : ( وفي هذا نقض للشريعة ) ، وأما قوله : ( والعجب من أبي حنيفة ) إلى آخره ، كلام فيه إساءة أدب وتشنيع بدون دليل جلي ، فإن أبا حنيفة من أين احتج بحديث جابر الجعفي في كونه ناسخا ومن نقل هذا من الثقات عن أبي حنيفة حتى يكون متناقضا في قوله : ( وفعله ) ، بل احتج أبو حنيفة في نسخ هذا الباب مثل ما احتج به غيره كالثوري ، والشافعي ، وأبي ثور ، وجمهور السلف كما مر مستوفى .