حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب إثم من رفع رأسه قبل الإمام

( باب إثم من رفع رأسه قبل الإمام ) أي هذا باب في بيان إثم من رفع رأسه في الصلاة قبل رفع الإمام رأسه ، قال بعضهم : أي من السجود ، قلت : ومن الركوع أيضا فلا وجه لتخصيص السجود لأن الحديث أيضا يشمل الاثنين بحسب الظاهر كما يجيء ؛ فإن قلت : لهذا القائل أن يقول : إنما قلت : أي من السجود لأنه في رواية أبي داود عن حفص بن عمرو ، عن شعبة ، عن محمد بن زياد قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أما يخشى أو لا يخشى أحدكم إذا رفع رأسه والإمام ساجد . الحديث . فتبين أن المراد الرفع من السجود ، قلت : رواية البخاري تتناول المنع من تقدم المأموم على الإمام في الرفع من الركوع والسجود معا ، ولا يجوز أن تخصص رواية البخاري برواية أبي داود لأن الحكم فيهما سواء ، ولو كان الحكم مقصورا على الرفع من السجود لكان لدعوى التخصيص وجه ، ومع هذا فالقائل المذكور ذكر الحديث عن البراء من رواية مليح بن عبد الله السعدي عن أبي هريرة مرفوعا الذي يخفض ويرفع قبل الإمام إنما ناصيته بيد الشيطان ، وهذا ينقض عليه ما قاله ويرده عليه ، وأعجب من هذا أنه رد على ابن دقيق العيد حيث قال : إن الحديث نص في المنع من تقدم المأموم على الإمام في الرفع من الركوع والسجود معا ، فهذا دقيق الكلام الذي قاله ابن الدقيق ، ومستنده في الرد عليه هو قوله : ( وإنما هو نص في السجود ) ، ويلتحق به الركوع لأنه في معناه ، وهذا كلام ساقط جدا لأن الكلام هاهنا في رواية البخاري ، وليس فيها نص في السجود بل هو نص عام في السجود والركوع ، ودعوى ج٥ / ص٢٢٣التخصيص لا تصح كما ذكرنا ، نعم لو ذكر النكتة في رواية أبي داود في تخصيص السجدة بالذكر لكان له وجه ، وهي أن رواية أبي داود من باب الاكتفاء فاكتفى بذكر حكم السجدة عن ذكر حكم الركوع لكون العلة واحدة وهي السبق على الإمام كما في قوله تعالى : سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ أي : والبرد أيضا ، وإنما لم يعكس الأمر لأن السجدة أعظم من الركوع في إظهار التواضع ، والتذلل ، والعبد أقرب ما يكون إلى الرب ، وهو ساجد .

82 - حدثنا حجاج بن منهال ، قال : حدثنا شعبة ، عن محمد بن زياد ، سمعت أبا هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : أما يخشى أحدكم ، أو ألا يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يجعل الله رأسه رأس حمار أو يجعل الله صورته صورة حمار . مطابقته للترجمة من حيث إن فيه وعيدا شديدا وتهديدا ومرتكب الشيء الذي فيه الوعيد آثم بلا نزاع . ذكر رجاله وهم أربعة : الأول : حجاج بن منهال السلمي الأنماطي البصري أبو محمد ، وقد مر ذكره في باب ما جاء : إن الأعمال بالنية في آخر كتاب الإيمان ، الثاني : شعبة بن الحجاج ، الثالث : محمد بن زياد بكسر الزاي وتخفيف الياء آخر الحروف الجمحي المدني سكن البصرة ، الرابع : أبو هريرة رضي الله عنه .

( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه السماع ، وفيه القول في ثلاثة مواضع ، وفيه أن رواته ما بين بصري وواسطي ومدني ، وفيه أنه من رباعيات البخاري . ذكر من أخرجه غيره : هذا الحديث أخرجه الأئمة الستة ، ولكن بهذا الإسناد أخرجه مسلم عن عبد الله بن معاذ عن أبيه عن شعبة ، وأخرجه أبو داود عن حفص بن عمرو عن شعبة ، وأخرجه الترمذي عن قتيبة عن حماد بن زيد عن محمد بن زياد عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ، وأخرجه النسائي عن قتيبة عن حماد بن زيد عن محمد بن زياد ، وأخرجه ابن ماجه عن حميد بن مسعدة ، وسويد بن سعيد عن حماد بن زيد عن محمد بن زياد ، وروى الطبراني في ( معجمه الكبير ) من حديث موسى بن عبد الله بن يزيد عن أبيه أنه كان يصلي بالناس هاهنا ، وكان الناس يضعون رؤوسهم قبل أن يضع رأسه ويرفعون رؤوسهم قبل أن يرفع رأسه ، فلما انصرف التفت إليهم ، فقال : يا أيها الناس لم تأثمون وتؤثمون ؟ صليت بكم صلاة رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - لا أخرم عنها ، وروى أيضا من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال : ما يأمن الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يعود رأسه رأس كلب ، ولينتهين أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء أو لتخطفن أبصارهم ، وروى أيضا في ( الأوسط ) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال : صلى رجل خلف النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - ، فجعل يركع قبل أن يركع ويرفع قبل أن يرفع ، فلما قضى النبي - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - صلاته ، قال : من الفاعل هذا ؟ قال : رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال : اتقوا خداج الصلاة ، إذا ركع الإمام فاركعوا وإذا رفع فارفعوا . ( ذكر معناه ) قوله : ( أما يخشى أحدكم ) ، وفي رواية الكشميهني : أولا يخشى ، قلت : اختلفت ألفاظ هذا الحديث ، فرواية مسلم والترمذي وابن ماجه : أما يخشى الذي يرفع رأسه ؟ وفي رواية النسائي : ألا يخشى ؟ وفي رواية البخاري وأبي داود من رواية شعبة : أما يخشى أو ألا يخشى ؟ بالشك قال الكرماني : الشك من أبي هريرة ، وكلمة أما بتخفيف الميم حرف استفتاح مثل ألا وأصلها ما النافية دخلت عليها همزة الاستفهام ، وهو هاهنا استفهام توبيخ وإنكار ، قوله : ( إذا رفع رأسه قبل الإمام ) ، زاد ابن خزيمة من رواية حماد بن زيد عن محمد بن زياد في صلاته ، وفي رواية أبي داود عن حفص بن عمر الذي يرفع رأسه والإمام ساجد ، قوله : ( أن يجعل الله رأسه رأس حمار ) ، وهاهنا أيضا اختلفت ألفاظ الحديث ، ففي رواية يونس بن عبيد عند مسلم : ما يأمن الذي يرفع رأسه في صلاته أن يحول الله صورته في صورة حمار ، وفي رواية الربيع بن مسلم عند مسلم : أن يجعل الله وجهه وجه حمار ، وفي رواية لابن حبان من رواية محمد بن ميسرة عن محمد بن زياد : أن يحول الله رأسه رأس كلب ، وفي رواية الطبراني في ( الأوسط ) من رواية محمد بن عمرو عن أبي سلمة ج٥ / ص٢٢٤عن أبي هريرة مرفوعا : ما يؤمن من يرفع رأسه قبل الإمام ويضعه ، وفي رواية الدارقطني من رواية مليح السعدي عن أبي هريرة قال : الذي يرفع رأسه قبل الإمام ويخفضه قبل الإمام فإنما ناصيته بيد شيطان .

ورواه البزار أيضا كما ذكرنا ، وذكرنا الآن أيضا عن ابن مسعود : أن يعود رأسه رأس كلب . وهو موقوف ولكنه لا يدرك بالرأي فحكمه حكم المرفوع ، قوله : ( أو يجعل صورته حمار ) ، قال الكرماني أيضا : الشك فيه من أبي هريرة ، وقال بعضهم : الشك من شعبة ثم أكد هذا بقوله : فقد رواه الطيالسي عن حماد بن سلمة وابن خزيمة من رواية حماد بن زيد ، ومسلم من رواية يونس بن عبيد ، والربيع بن مسلم كلهم عن محمد بن زياد بغير تردد ، قلت : لا يلزم من إخراجهم بغير تردد أن لا يخرج غيرهم بغير تردد ، وإذا كان الأمر كذلك يحتمل أن يكون التردد من شعبة أو من محمد بن زياد أو من أبي هريرة ، فمن ادعى تعيين واحد منهم فعليه البيان ، وأما اختلافهم في الرأس أو الصورة ففي رواية حماد بن زيد وحماد بن سلمة : رأس ، وفي رواية يونس : صورة ، وفي رواية الربيع : وجه ، وقال بعضهم : الظاهر أنه من تصرف الرواة ، قلت : كيف يكون من تصرفهم ولكل واحد من هذه الألفاظ معنى في اللغة يغاير معنى الآخر ؟ ! أما الرأس فإنه اسم لعضو يشتمل على الناصية والقفاء والفودين ، والصورة الهيئة ، ويقال : صورته حسنة ؛ أي هيئته وشكله ، ويطلق على الصفة أيضا ، يقال : صورة الأمر كذا وكذا أي صفته ، ويطلق على الوجه أيضا ، يقال : صورته حسنة ؛ أي وجهه ، ويطلق على شكل الشيء وعلى الخلقة ، والوجه اسم لما يواجهه الإنسان وهو من منبت الناصية إلى أسفل الذقن طولا ، ومن شحمة الأذن إلى شحمة الأذن عرضا ، والظاهر أن هذا الاختلاف من اختلاف تعدد القضية ، ورواة الرأس أكثر ، وعليه العمدة ، وقال عياض : هذه الروايات متفقة لأن الوجه في الرأس ومعظم الصورة فيه ، وفيه نظر لأن الوجه خلاف الرأس لغة وشرعا . ثم العلماء تكلموا في معنى أن يجعل رأسه رأس حمار أو صورته صورة حمار ، قال الكرماني : قيل : هذا مجاز عن البلادة لأن المسخ لا يجوز في هذه الأمة ، وقال القاضي أبو بكر بن العربي : ليس قوله " أن يحول الله رأسه رأس حمار في هذه الأمة بموجود فإن المسخ فيها مأمون ، وإنما المراد به معنى الحمار من قلة البصيرة وكثرة العناد ؛ فإن من شأنه إذا قيد حزن وإذا حبس طفر لا يطيع قائدا ولا يعين حابسا ، قلت : في كلامهما إن المسخ لا يجوز في هذه الأمة وإن المسخ فيها مأمون نظر ، وقد روي وقوع ذلك في آخر الزمان عن جماعة من الصحابة ، فرواه الترمذي من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يكون في آخر هذه الأمة خسف ومسخ وقذف .

الحديث ، وروي أيضا عن علي ، وأبي هريرة ، وعمران بن حصين ، وروى ابن ماجه من حديث ابن مسعود ، وابن عمر ، وعبد الله بن عمرو ، وسهل بن سعد ، وروى أحمد والطبراني من حديث أبي أمامة ، وروى عبد الله بن أحمد في ( زوائد المسند ) من حديث عبادة بن الصامت وابن عباس ، وروى أبو يعلى والبزار من حديث أنس ، وروى الطبراني أيضا من حديث عبد الله بن بشر وسعيد بن أبي راشد ، وروى الطبراني أيضا في ( الصغير ) من حديث أبي سعيد الخدري وابن عباس أيضا : ولكن أسانيدها لا تخلو من مقال ، وقال الشيخ تقي الدين : إن الحديث يقتضي تغيير الصورة الظاهرة ، ويحتمل أن يرجع إلى أمر معنوي مجازا فإن الحمار موصوف بالبلادة ، قال : ويستعار هذا المعنى للجاهل بما يجب عليه من فروض الصلاة ومتابعة الإمام ، وربما يرجح هذا المجاز بأن التحويل في الصورة الظاهرة لم يقع مع كثرة رفع المأمومين قبل الإمام ، وقد بينا أن الحديث لا يدل على وقوع ذلك ، وإنما يدل على كون فاعله متعرضا لذلك بكون فعله صالحا لأن يقع ذلك الوعيد ، ولا يلزم من التعرض للشيء وقوع ذلك الشيء ، قلت : وإن سلمنا ذلك فلم لا يجوز أن يؤخر العقاب إلى وقت يريده الله تعالى كما وقفنا في بعض الكتب ، وسمعنا من الثقات أن جماعة من الشيعة الذين يسبون الصحابة قد تحولت صورتهم إلى صورة حمار وخنزير عند موتهم ، وكذلك جرى على من عق والديه وخاطبهما باسم الحمار أو الخنزير أو الكلب . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه كمال شفقته صلى الله عليه وسلم بأمته وبيانه لهم الأحكام وما يترتب عليها من الثواب والعقاب ، وفيه الوعيد المذكور لمن رفع رأسه قبل الإمام ، ونظر ابن مسعود إلى من سبق إمامه ، فقال : لا وحدك صليت ، ولا بإمامك اقتديت . وعن ابن عمر نحوه ، وأمره بالإعادة ، والجمهور على عدم الإعادة ، وقال القرطبي : من خالف الإمام فقد خالف ج٥ / ص٢٢٥سنة المأموم ، وأجزأته صلاته عند جميع العلماء .

وفي ( المغني ) لابن قدامة : وإن سبق إمامه فعليه أن يرفع ليأتي بذلك مؤتما بالإمام ، فإن لم يفعل حتى لحقه الإمام سهوا أو جهلا فلا شيء عليه ، فإن سبقه عالما بتحريمه ، فقال أحمد في رسالته : ليس لمن سبق الإمام صلاة لقوله : ( أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام ) . الحديث ، ولو كان له صلاة لرجي له الثواب ولم يخش عليه العقاب ، وقال ابن بزيزة : استدل بظاهره قوم لا يعقلون على جواز التناسخ ، قلت : هذا مذهب مردود ، وقد بنوه على دعاوى باطلة بغير دليل وبرهان .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث