باب تسوية الصفوف عند الإقامة وبعدها
حدثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك ، قال : حدثنا شعبة ، قال : أخبرني عمرو بن مرة ، قال : سمعت سالم بن أبي الجعد ، قال : سمعت النعمان بن بشير يقول : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم . مطابقته للترجمة في لفظ التسوية ظاهرة ، وليس فيه ما يطابق ، قوله : ( عند الإقامة وبعدها ) ، ولكنه أشار بذلك إلى ما في بعض طرق الحديث ما يدل على ذلك ، وقد روى مسلم من حديث النعمان قال : ذلك ما كاد أن يكبر . ذكر رجاله وهم خمسة قد ذكروا ، وعمرو بن مرة بضم الميم ، وتشديد الراء أبو عبد الله الجهمي بضم الجيم المرادي بضم الميم ، وتخفيف الراء الكوفي الأعمش من الأئمة العاملين ، مات سنة عشرة ومائة ، والجعد بفتح الجيم ، وبشير بفتح الباء الموحدة ، وكسر الشين المعجمة مر في كتاب الإيمان في باب فضل من استبرأ .
( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وفيه السماع في موضعين ، وفيه القول في خمسة مواضع ، وفيه أن شيخه مذكور باسمه وكنيته صريحا ، وفيه أن رواته ما بين بصري وكوفي . ذكر من أخرجه غيره : أخرجه مسلم أيضا في الصلاة عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وابن المثنى ، وابن بشار عن غندر عن شعبة . ( ذكر معناه ) قوله : ( لتسون ) اللام فيه للتأكيد ، وقال البيضاوي : هذه اللام هي التي يتلقى بها القسم ، والقسم هنا مقدر ، ولهذا أكده بالنون المشددة ، وقد أبرزه أبو داود في ( سننه ) ، حدثنا عثمان بن أبي شيبة ، حدثنا وكيع عن زكريا بن أبي زائدة عن أبي القاسم الجدلي ، قال : سمعت النعمان بن بشير يقول : أقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الناس بوجهه ، فقال : أقيموا صفوفكم ثلاثا ، والله لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن الله في قلوبكم .
الحديث ، وأصل لتسون لتسوون لأنه من التسوية ، تقول : تسوي تسويان تسوون بضم الواو الأولى ، وسكون الثانية ، والنون فيه علامة الجمع فلما دخلت عليه نون التأكيد الثقيلة حذفت نون الجمع وإحدى الواوين لالتقاء الساكنين ، فالمحذوف هو واو الجمع أو واو الكلمة ، فيه خلاف وقد علم في موضعه ، وفي رواية المستملي : لتسوون ، فالنون على هذه الرواية نون الجمع ؛ فإن قلت : ما معنى تسوية الصفوف ؟ قلت : اعتدال القائمين بها على سمت واحد ، ويراد بها أيضا سد الخلل الذي في الصف على ما سيأتي ، قوله : ( أو ليخالفن الله ) بفتح اللام الأولى لأنها لام التأكيد وبكسر اللام الثانية وفتح الفاء ، ولفظ الله مرفوع بالفاعلية ، وكلمة أو في الأصل موضوعة لأحد الشيئين أو الأشياء ، وقد تخرج إلى معنى بل وإلى معنى الواو ، وهي حرف عطف ، ذكر المتاخرون لها معاني كثيرة ، وهاهنا لأحد الأمرين لأن الواقع أحد الأمرين إما إقامة الصفوف وإما المخالفة ، والمعنى ليخالفن الله إن لم تقيموا الصفوف لأنه قابل بين الإقامة وبينه فيكون الواقع أحد الأمرين ، وهذا وعيد لمن لم يقم الصفوف بعذاب من جنس ذنبهم لاختلافهم في مقامهم ، وقيل : يوقع بينكم العداوة والبغضاء ، واختلاف القلوب ، يقال : تغير وجه فلان علي أي ظهر لي من وجهه كراهية في وتغير لأن مخالفتهم في الصفوف مخالفة في الظاهر ، واختلاف الظاهر سبب لاختلاف الباطن ، وقيل : هو على حقيقته ، والمراد تشويه الوجه بتحويل خلقه عن وضعه بجعله موضع القفا ، وهذا نظير الوعيد فيمن رفع رأسه قبل الإمام أن يجعل الله رأسه رأس حمار ، ويؤيد حمله على ظاهره ما رواه أحمد من حديث أبي أمامة بلفظ : لتسون الصفوف أو لتطمسن الوجوه ، قال القرطبي : معناه تفترقون فيأخذ كل واحد وجها غير الذي أخذ صاحبه لأن تقدم الشخص على غيره مظنة الكبر المفسد للقلب الداعي إلى القطيعة ، ويقال : المراد من الوجه إما الذات فالمخالفة بحسب المقاصد ، وإما العضو المخصوص فالمخالفة إما بحسب الصورة الإنسانية وغيرها ، وإما بحسب الصفة ، وإما بحسب القدام والوراء ، قوله : ( ليخالفن ) من باب المفاعلة ، ولكن لا يقتضي المشاركة لأن معناه ليوقعن الله المخالفة بقرينة لفظة بين .