حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب إثم من لم يتم الصفوف

( باب إثم من لم يتم الصفوف ) .

112 - حدثنا معاذ بن أسد قال : أخبرنا الفضل بن موسى قال : أخبرنا سعيد بن عبيد الطائي ، عن بشير بن يسار الأنصاري ، عن أنس بن مالك أنه قدم المدينة ، فقيل له : ما أنكرت منا منذ يوم عهدت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ما أنكرت شيئا إلا أنكم لا تقيمون الصفوف .

مطابقة هذا الأثر للترجمة من حيث إن أنسا حصل منه الإنكار على عدم إقامتهم الصفوف ، وإنكاره يدل على أنه يرى تسوية الصفوف واجبة ، فتارك الواجب آثم ، وظاهر ترجمة البخاري يدل على أنه أيضا يرى وجوب التسوية ، والصواب . ج٥ / ص٢٥٨هذا لورود الوعيد الشديد في ذلك ، قيل : الإنكار قد يقع على ترك السنة فلا يدل ذلك على حصول الإثم ( قلت ) الإنكار يستلزم المنكر ، وفاعل المنكر آثم ، على أنه – صلى الله عليه وسلم - أمر بالتسوية ، والأصل في الأمر الوجوب ، إلا إذا دلت قرينة على غيره ، ومع ورود الوعيد على تركها ، وإنكار أنس ظاهر في أنهم خالفوا ما كانوا عليه في زمن النبي – صلى الله عليه وسلم - من إقامة الصفوف ، فعلى هذا تستلزم المخالفة التأثيم ، وقال بعضهم وهو ضعيف : لأنه يفضي إلى أنه لا يبقى شيء مسنون ؛ لأن التأثيم إنما يحصل من ترك واجب . ( قلت ) قول هذا القائل ضعيف ، بل هو كلام ظاهر الفساد ؛ لأنا لا نسلم أن حصول التأثيم منحصر على ترك الواجب ، بل التأثيم يحصل أيضا عن ترك السنة ، ولا سيما إذا كانت مؤكدة ، ومع القول بوجوب التسوية فتركها لا يضر صلاته ؛ لأنها خارجة عن حقيقة الصلاة ، ألا ترى أن أنسا مع إنكاره عليهم لم يأمرهم بإعادة الصلاة ؟

ولا يعتبر ما ذهب إليه ابن حزم من بطلان صلاته مستدلا بما صح عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ، أنه ضرب قدم أبي عثمان النهدي لإقامة الصف
.

وبما صح عن سويد بن غفلة قال : كان بلال يسوي مناكبنا ، ويضرب أقدامنا في الصلاة
، فقال ابن حزم : ما كان عمر وبلال يضربان أحدا على ترك غير الواجب . قال بعضهم : فيه نظر ؛ لجواز أنهما كانا يريان التعزير على ترك السنة . ( قلت ) في هذا النظر نظر ؛ لأن قائله قد ناقض في قوله حيث قال فيما مر عن قريب التأثيم : إنما يحصل عن ترك واجب ، فإذا لم يكن تارك السنة آثما فكيف يستحق التعزير ؟ بل الظاهر أن ضربهما كان لترك الأمر الذي ظاهره الوجوب ، ولاستحقاق الوعيد الشديد في الترك .

( ذكر رجاله ) وهم خمسة : الأول : معاذ بضم الميم ابن أسد أبو عبد الله المروزي ، نزل البصرة . الثاني : الفضل بن موسى المروزي السيناني بكسر السين المهملة ، وسكون الياء آخر الحروف ، وتخفيف النون ، وبعد الألف نون أخرى نسبة إلى سينان قرية من قرى مرو ، ومات سنة إحدى أو اثنتين وتسعين ومائة . الثالث : سعيد بن عبيد الطائي أبو الهذيل الكوفي .

الرابع : بشير بضم الباء الموحدة ، وفتح الشين المعجمة ، وسكون الياء آخر الحروف ، وفي آخره راء ابن يسار بفتح الياء آخر الحروف ، وتخفيف السين المهملة ، وبعد الألف راء المدني ، مولى الأنصار . الخامس : أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع ، وبصيغة الإخبار كذلك في موضعين ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه أن شيخ البخاري من أفراده ، وفيه بشير المذكور ليس له في الكتب الستة عن أنس غير هذا الحديث ، والحديث أيضا من أفراد البخاري ، وفيه أن رواته ما بين مروزي ، وكوفي ، ومدني ، وتابع الفضل أبو معاوية ، وإسحاق الأزرقي ، عن سعيد ، كما أخرجه الإسماعيلي عنهما .

( ذكر معناه ) قوله : " أنه قدم المدينة " أي من بصرة ، قوله : " ما أنكرت " : أي أي شيء أنكرت منا منذ يوم عهدت ، وقد علمت أن منذ ومذ حرفا جر وهو الصحيح ، وقيل : اسمان مضافان ، فيكون بمعنى : " من " إن كان الزمان ماضيا ، وبمعنى " في " إن كان حاضرا ، وبمعنى " من وإلى " جميعا إن كان معدودا ، نحو : ما رأيته منذ يوم الخميس ، أو منذ يومنا أو عامنا ، أو منذ ثلاثة أيام . والمعنى هاهنا ما أنكرت منا من يوم عهدت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمذكور في المتن رواية الكشميهني والمستملي ، وفي رواية غيرهما : " ما أنكرت منذ يوم عهدت " بغير لفظ منا ، قوله : " ما أنكرت شيئا " إلى آخره يدل على أن إنكاره على ترك الواجب أو السنة المؤكدة فلذلك بوب البخاري بالترجمة المذكورة . ( وقال عقبة بن عبيد ، عن بشير بن يسار قدم علينا أنس بن مالك المدينة بهذا ) .

عقبة بضم العين المهملة ، وسكون القاف أخو سعيد بن عبيد راوي الإسناد الذي قبله ، وليس للبخاري عن عقبة إلا هذا المعلق ، ويكنى عقبة بأبي الرحال بفتح الراء ، وتشديد الحاء المهملة ، وقد وصل هذا المعلق أبو نعيم الحافظ ، عن أبي بكر بن مالك ، عن عبد الله بن أحمد ، عن أبيه قال : حدثنا أبو معاوية ، ويحيى بن سعيد قالا : حدثنا عقبة بن عبيد ، فذكره . ووصله أحمد أيضا في مسنده ، عن يحيى القطان ، عن عقبة بن عبيد الطائي ، حدثني بشير بن يسار ، قال : " جاء أنس إلى المدينة ، فقلنا : ما أنكرت منا من عهد رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - قال : ما أنكرت منكم شيئا غير أنكم لا تقيمون الصفوف " ، وهذه المقدمة لأنس غير المقدمة التي تقدم ذكرها في باب وقت العصر ، فإن ظاهر الحديث فيها أنه أنكر تأخير الظهر إلى أول وقت العصر ، وهذا الإنكار أيضا غير الإنكار الذي تقدم ذكره في باب تضييع الصلاة عن وقتها ، حيث قال : لا أعرف شيئا مما كان ج٥ / ص٢٥٩على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا الصلاة ، وقد ضيعت ، فإن ذلك كان بالشام ، وهذا بالمدينة ، فإن قلت : ما فائدة ذكر هذا المعلق ، وما الفرق بين الطريقين ؟ . ( قلت ) : الجواب عن الأول أن البخاري أراد بذكر الطريق الثاني بيان سماع بشير بن يسار له ، عن أنس رضي الله تعالى عنه ، وعن الثاني : أنه في الأول روى عن أنس وفي الثاني ما روى عنه ، بل شاهد بنفسه الحال .

ورد في أحاديث4 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث