باب إلصاق المنكب بالمنكب والقدم بالقدم في الصف
( باب إلصاق المنكب بالمنكب والقدم بالقدم في الصف ) . أي هذا باب في بيان إلصاق المنكب بالمنكب إلى آخره ، وأشار بهذا إلى المبالغة في تعديل الصفوف ، وسد الخلل فيه ، وقد وردت أحاديث كثيرة في ذلك ، منها : ما رواه أبو داود من حديث محمد بن مسلم بن السائب ، صاحب المقصورة ، قال : " صليت إلى جنب أنس بن مالك يوما ، فقال : هل تدري لم صنع هذا العود ؟ فقلت : لا والله ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يضع يده عليه ، ويقول : استووا وعدلوا صفوفكم " ، ثم قال : حدثنا مسدد ، حدثنا حميد الأسود ، حدثنا مصعب بن ثابت ، عن محمد بن مسلم ، عن أنس بن مالك بهذا الحديث ، قال : " إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا قام إلى الصلاة أخذه بيمينه ، ثم التفت ، فقال : اعتدلوا ، سووا صفوفكم ، ثم أخذه بيساره ، وقال : اعتدلوا سووا صفوفكم " وفي لفظ : " رصوا صفوفكم ، وقاربوا بينها ، وحاذوا الأعناق " .. . الحديث .
وفي لفظ : " أتموا الصف المقدم ، ثم الذي يليه ، فما كان من نقص فليكن في الصف المؤخر " ، ومنها : ما رواه ابن حبان في صحيحه ، عن البراء بن عازب : " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتخلل الصف من ناحية إلى ناحية يمسح صدورنا ومناكبنا ، ويقول : لا تختلفوا فتختلف قلوبكم " . وفي لفظ : " فيمسح عواتقنا وصدورنا " ، وعند السراج : " مناكبنا أو صدورنا " ، وفي لفظ : " كان يأتي من ناحية الصف إلى ناحيته القصوى بين صدور القوم ومناكبهم " . وفي لفظ : " يمسح عواتقنا ، أو قال مناكبنا ، أو قال صدورنا ، ويقول : لا تختلف صدوركم فتختلف قلوبكم " .
ومنها : ما رواه مسلم من حديث أبي مسعود : " كان يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول : استووا ، ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم " الحديث . ومنها : ما رواه أبو داود ، حدثنا عيسى بن إبراهيم الغافقي ، حدثنا ابن وهب ، وحدثنا قتيبة ، حدثنا الليث ، وحديث ابن وهب أتم من معاوية بن صالح ، عن أبي الزاهرية ، عن كثير بن مرة ، عن عبد الله بن عمر ، قال قتيبة عن أبي الزاهرية ، عن أبي شجرة ، لم يذكر ابن عمر ، أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم - قال : " أقيموا الصفوف وحاذوا بين المناكب ، وسدوا الخلل ، ولينوا بأيدي إخوانكم ، ولا تذروا فرجات للشيطان ، ومن وصل صفا وصله الله ، ومن قطع صفا قطعه الله " . ( قلت ) : ابن وهب هو عبد الله بن وهب ، وأبو الزاهرية : حدير بن كريب بضم الحاء المهملة ، وأبو شجرة هو كثير بن مرة ، قوله : " ولينوا بأيدي إخوانكم " ، قال أبو داود : معناه إذا جاء رجل إلى الصف ، فذهب يدخل فيه ، فينبغي أن يلين له كل رجل منكبه حتى يدخل في الصف ، قوله : " ولا تذروا " : أي ولا تتركوا .
( وقال النعمان بن بشير : رأيت الرجل يلزق كعبه بكعب صاحبه ) . النعمان بن بشير بن سعيد بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي ، أبو عبد الله المدني ، صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وابن صاحبه ، وهو أول مولود ولد في الأنصار بعد قدوم النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال يحيى بن معين : أهل المدينة يقولون : لم يسمع من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأهل العراق يصححون سماعه منه ، قتل فيما بين دمشق وحمص يوم راهط ، وكان زبيريا ، وعن أبي مسهر كان عاملا على حمص لابن الزبير ، فلما تمرد أهل حمص خرج هاربا ، فاتبعه خالد بن عدي فقتله ، وقيل : قتل في سنة ست وستين بسلمية ، وهذا التعليق طرف من حديث رواه أبو داود ، حدثنا عثمان بن أبي شيبة ، حدثنا وكيع ، عن زكريا بن أبي زائدة ، عن أبي القاسم الجدلي ، قال : سمعت النعمان بن بشير ، يقول : " أقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الناس بوجهه ، فقال : أقيموا صفوفكم ثلاثا ، والله لتقيمن صفوفكم ، أو ليخالفن الله بين قلوبكم ، فقال : فرأيت الرجل يلزق منكبه بمنكب صاحبه ، وركبته بركبة صاحبه وكعبه بكعبه " . وأخرجه ابن حبان أيضا في صحيحه ، وأبو القاسم الجدلي اسمه الحسين بن الحارث المنسوب إلى جديلة قيس الكوفي ، قوله : " لتقيمن " بضم الميم ؛ لأن أصله لتقيمون فلما دخلت عليه نون التأكيد حذفت الواو لالتقاء الساكنين ، قوله : " أو ليخالفن الله " اللام الأولى للتأكيد مفتوحة ، والفاء مفتوحة ، قوله : " يلزق " بضم الياء من الإلزاق ، أي : يلصق ، قوله : " كعبه بكعب صاحبه " : أي يلزق كعبه بكعب صاحبه الذي بحذائه .
وفيه دليل على أن الكعب ج٥ / ص٢٦٠هو العظم الناتئ في مفصل الساق والقدم ، وهو الذي يمكن إلزاقه ، وقال بعضهم خلافا لمن ذهب إلى أن المراد بالكعب مؤخر القدم ، وهو قول شاذ ينسب إلى بعض الحنفية . ( قلت ) هشام روى عن محمد بن الحسن هذا التفسير ، ولكنه ما أراد بهذا الذي في باب الوضوء ، وإنما مراده الذي في باب الحج ، فنسبة هذا إلى بعض الحنفية على هذا غير صحيحة . 113 - حدثنا عمرو بن خالد ، قال : حدثنا زهير ، عن حميد ، عن أنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : أقيموا صفوفكم ؛ فإني أراكم من وراء ظهري ، وكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه وقدمه بقدمه .