باب وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة
( باب وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة ) . 128 - حدثنا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد قال : كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة ، قال أبو حازم : لا أعلمه إلا ينمي ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - .
مطابقته للترجمة ظاهرة . ( ذكر رجاله ) وهم أربعة : عبد الله بن مسلمة القعنبي ، ومالك بن أنس ، وأبو حازم بالحاء المهملة سلمة بن دينار الأعرج ، وسهل بن سعد بن مالك الساعدي الأنصاري . وفيه التحديث بصيغة الجمع في موضع ، والعنعنة في ثلاثة مواضع ، وهو من أفراد البخاري .
قوله : " كان الناس يؤمرون " هذا حكمه الرفع ؛ لأنه محمول على أن الآمر لهم بذلك هو النبي - صلى الله عليه وسلم - قوله : " أن يضع " أي بأن يضع ؛ لأن الأمر يستعمل بالباء وكان القياس أن يقال يضعون ، لكن وضع المظهر موضع المضمر ، قوله : " لا أعلمه إلا ينمي ذلك " : أي لا أعلم الأمر إلا أن سهلا ينمي ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قوله : " ينمي " بفتح الياء ، وسكون النون ، وكسر الميم قال الجوهري : يقال : نميت الأمر ، أو الحديث إلى غيري : إذا أسندته ورفعته ، وقال ابن وهب : ينمي يرفع ، ومن اصطلاح أهل الحديث إذا قال الراوي ينميه ، فمراده يرفع ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ولو لم يقيد قوله : " على ذراعه اليسرى " لم يبين موضعه من الذراع ،
وفي حديث وائل عند أبي داود والنسائي : " ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرسغ من الساعد " ، وصححه ابن خزيمة وغيره، والرسغ بضم الراء ، وسكون السين المهملة ، وفي آخره عين معجمة هو المفصل بين الساعد والكف . ثم اعلم أن الكلام في وضع اليد على اليد في الصلاة على وجوه : ج٥ / ص٢٧٩( الوجه الأول ) : في أصل الوضع ، فعندنا يضع ، وبه قال الشافعي ، وأحمد ، وإسحاق وعامة أهل العلم ، وهو قول علي ، وأبي هريرة ، والنخعي ، والثوري ، وحكاه ابن المنذر عن مالك . وفي التوضيح وهو قول سعيد بن جبير ، وأبي مجلز ، وأبي ثور ، وأبي عبيد ، وابن جرير ، وداود ، وهو قول أبي بكر وعائشة وجمهور العلماء .
قال الترمذي : والعمل على هذا عند أهل العلم من الصحابة والتابعين ، ومن بعدهم ، وحكى ابن المنذر ، عن عبد الله بن الزبير ، والحسن البصري ، وابن سيرين أنه يرسلهما ، وكذلك عند مالك في المشهور يرسلهما ، وإن طال ذلك عليه وضع اليمنى على اليسرى للاستراحة ، قاله الليث بن سعد . وقال الأوزاعي : هو مخير بين الوضع والإرسال ، ومن جملة ما احتججنا به في الوضع حديث رواه ابن ماجه من حديث الأحوص ، عن سماك بن حرب ، عن قبيصة بن المهلب ، عن أبيه قال : " كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يؤمنا فيأخذ شماله بيمينه " . وحديث آخر أخرجه مسلم في صحيحه ، عن وائل بن حجر : " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رفع يديه " .. .
الحديث ، وفيه : " ثم وضع يده اليمنى على اليسرى " . وحديث آخر أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث الحجاج بن أبي زينب ، سمعت أبا عثمان يحدث عن عبد الله بن مسعود ، أنه كان يصلي ، فوضع يده اليسرى على اليمنى ، فرآه النبي - عليه الصلاة والسلام - فوضع يده اليمنى على اليسرى ،
وحديث آخر أخرجه الدارقطني من حديث ابن عباس ، عن النبي - عليه الصلاة والسلام - قال : " إنا معشر الأنبياء أمرنا بأن نمسك بأيماننا على شمالنا في الصلاة " ، وفي إسناده طلحة بن عمرو متروك ، وعن ابن معين ليس بشيء،
وحديث آخر أخرجه الدارقطني أيضا من ، نحو حديث ابن عباس ، وفي إسناده النضر بن إسماعيل ، قال ابن معين : ليس بشيء ، ضعيف. ( الوجه الثاني ) : في صفة الوضع ، وهي أن يضع بطن كفه اليمنى على رسغه اليسرى ، فيكون الرسغ وسط الكف ، وقال الإسبيجابي عند أبي يوسف : يقبض بيده اليمنى رسغ يده اليسرى ، وقال محمد : يضعها كذلك ، ويكون الرسغ وسط الكف ، وفي المفيد ، ويأخذ رسغها بالخنصر والإبهام وهو المختار ، وفي الدراية يأخذ كوعه الأيسر بكفه الأيمن ، وبه قال الشافعي وأحمد ، وقال أبو يوسف ومحمد في رواية يضع باطن أصابعه على الرسغ طولا ولا يقبض ، واستحسن كثير من مشايخنا الجمع بينهما بأن يضع باطن كفه اليمنى على كفه اليسرى ، ويحلق بالخنصر والإبهام على الرسغ .
( الوجه الثالث ) : في مكان الوضع ، فعندنا تحت السرة ، وعند الشافعي على الصدر ، ذكره في الحاوي ، وفي الوسيط تحت صدره ، واحتج الشافعي بحديث وائل بن حجر ، أخرجه ابن خزيمة في صحيحه قال : " صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره " ، ولم يذكر النووي غيره في الخلاصة ، وكذلك الشيخ تقي الدين في الإمام ، واحتج صاحب الهداية لأصحابنا في ذلك بقوله – صلى الله عليه وسلم - : إن من السنة وضع اليمنى على الشمال تحت السرة .
( قلت ) : هذا قول علي بن أبي طالب ، وإسناده إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - غير صحيح ، وإنما رواه أحمد في مسنده والدارقطني ، ثم البيهقي من جهته في سننيهما من حديث أبي جحيفة ، عن علي رضي الله تعالى عنه ، أنه قال : إن من السنة وضع الكف على الكف تحت السرة، وقول علي : إن من السنة هذا اللفظ يدخل في المرفوع عندهم . وقال أبو عمر في التفصي : واعلم أن الصحابي إذا أطلق اسم السنة ، فالمراد به سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وكذلك إذا أطلقها غيره ما لم تضف إلى صاحبها ، كقولهم سنة العمرين وما أشبه ذلك .
( فإن قلت ) : سلمنا هذا ولكن الذي روي عن علي فيه مقال ؛ لأن في سنده عبد الرحمن بن إسحاق الكوفي ، قال أحمد : ليس بشيء ، منكر الحديث . ( قلت ) :
روى أبو داود وسكت عليه، ويعضده ما رواه ابن حزم من حديث أنس من أخلاق النبوة : وضع اليمين على الشمال تحت السرة ، وقال الترمذي : العمل عند أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وضع اليمين على الشمال في الصلاة ، ورأى بعضهم أن يضعها فوق السرة ، ورأى بعضهم أن يضعها تحت السرة ، وكل ذلك واسع . ( الوجه الرابع ) : وقت وضع اليدين ، والأصل فيه أن كل قيام فيه ذكر مسنون يعتمد فيه ، أعني اعتماد يده اليمنى على اليسرى ، وما لا فلا فيعتمد في حالة القنوت ، وصلاة الجنازة ، ولا يعتمد في القومة عن الركوع ، وبين تكبيرات العيدين الزوائد ، وهذا هو الصحيح ، وعند أبي علي النسفي والإمام أبي عبد الله وغيرهما يعتمد في كل قيام ، سواء كان فيه ذكر مسنون أو لا .
( الوجه الخامس ) : في الحكمة في الوضع على الصدر أو السرة فقيل : الوضع على الصدر أبلغ في الخشوع ، وفيه حفظ نور الإيمان . ج٥ / ص٢٨٠في الصلاة ، فكان أولى من إشارته إلى العورة بالوضع تحت السرة ، وهذا قول من ذهب إلى أن السنة الوضع على الصدر ، ونحن نقول : الوضع تحت السرة أقرب إلى التعظيم ، وأبعد من التشبه بأهل الكتاب ، وأقرب إلى ستر العورة ، وحفظ الإزار عن السقوط ، وذلك كما يفعل بين يدي الملوك ، وفي الوضع على الصدر تشبه بالنساء فلا يسن . ( قال إسماعيل : ينمى ذلك ، ولم يقل : ينمي ) .
قال صاحب التلويح : إسماعيل هذا يشبه أن يكون إسماعيل بن إسحاق الراوي عن القعنبي هذا الحديث في سنن البيهقي ، وقال بعضهم : إسماعيل هذا هو إسماعيل بن أبي أويس شيخ البخاري ، كما جزم به الحميدي في الجمع ، وأنكر على صاحب التلويح فيما قاله ، فقال : ظن أنه المراد وليس كذلك ؛ لأن رواية إسماعيل بن إسحاق موافقة لرواية البخاري ، ولم يذكر أحد أن البخاري روى عنه وهو أحدث سنا من البخاري ، وأحدث سماعا . ( قلت ) : لا يتوجه الرد على صاحب التلويح ؛ لأنه لم يجزم بما قاله ، ولا يلزم - من كون إسماعيل بن إسحاق المذكور أحدث سنا من البخاري وأحدث سماعا - نفي رواية البخاري عنه ، قوله : " ينمى " بضم الياء ، وفتح الميم على صيغة المجهول ، ولم يقل : ينمي بفتح الياء على صيغة المعلوم ، فعلى صيغة المجهول يكون الحديث مرسلا ؛ لأن أبا حازم لم يعين من أنماه له ، وعلى صيغة المعلوم يكون الحديث متصلا ؛ لأن الضمير فيه يكون لسهل بن سعد ؛ لأن أبا حازم حينئذ قد يتعين له المسند ، وهو سهل بن سعد ، وقال بعضهم : فعلى الأول الهاء ضمير الشأن فيكون مرسلا . ( قلت ) : أراد بالأول صيغة المجهول ، وأراد بضمير الشأن الضمير المنصوب في لا أعلمه ، وليس هذا بضمير الشأن ، وإنما هو يرجع إلى ما ذكر من الحديث .