باب القراءة في الفجر
حدثنا مسدد قال : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم قال : أخبرنا ابن جريج قال : أخبرني عطاء أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول : في كل صلاة يقرأ ، فما أسمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أسمعناكم ، وما أخفى عنا أخفينا عنكم ، وإن لم تزد على أم القرآن أجزأت ، وإن زدت فهو خير مطابقته للترجمة تفهم من قوله : في كل صلاة يقرأ لأن الترجمة في باب القراءة في الفجر ، وهو داخل في قوله : كل صلاة وقال بعضهم : وكأن المصنف قصد بإيراد حديثي أم سلمة وأبي برزة في هذا الباب بيان حالتي السفر والحضر ، ثم ثلث بحديث أبي هريرة الدال على عدم اشتراط قدر معين ، قلت : ليس في حديث أبي برزة ما يدل على حكم القراءة في السفر أو الحضر ، وإنما هو مطلق ، ولم يكن إيراده حديث أبي هريرة ، إلا أن صلاة الفجر لا بد لها من القراءة لدخولها تحت قوله : في كل صلاة يقرأ وقد علم أن لفظة كل إذا أضيفت إلى النكرة تقتضي عموم الإفراد . ذكر رجاله : وهم خمسة : الأول : مسدد بن مسرهد ، الثاني : إسماعيل بن إبراهيم هو المعروف بابن علية ، الثالث : عبد الملك بن جريج ، الرابع : عطاء بن أبي رباح ، الخامس : أبو هريرة . ذكر لطائف إسناده : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، والإخبار كذلك في موضع ، وفي موضع بالإفراد ، وفيه السماع ، وفيه القول في ثلاثة مواضع ، وفيه إسماعيل المذكور ، وقد تكلم فيه يحيى بن معين في حديثه ، عن ابن جريج خاصة ؛ لكن تابعه عليه عبد الرزاق ومحمد بن بكر وغندر عند أحمد وحبيب بن الشهيد وحبيب المعلم عند مسلم وخالد بن الحارث ورقية عند النسائي وابن وهب عند ابن خزيمة ، ثمانيتهم عن ابن جريج ، منهم من ذكر الكلام الأخير ومنهم من لم يذكره ، أما متابعة عبد الرزاق فأخرجها أحمد في مسنده عنه ، عن ابن جريج ، عن عطاء قال : سمعت أبا هريرة يقول : في كل صلاة قراءة ، فما أسمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أسمعناكم ، وما أخفى عنا أخفينا عنكم ، فسمعته يقول : لا صلاة إلا بقراءة وأما متابعة حبيب المعلم فأخرجها مسلم ، حدثنا يحيى بن يحيى قال : أخبرنا يزيد بن زريع ، عن حبيب المعلم ، عن عطاء قال : قال أبو هريرة : في كل صلاة قراءة ، فما أسمعنا صلى الله عليه وسلم أسمعناكم ، وما أخفى منا أخفيناه منكم ، فمن قرأ بأم الكتاب فقد أجزأت منه ، ومن زاد فهو أفضل وأخرجه الطحاوي أيضا ، وأخرجه أبو داود أيضا ، عن حبيب ، عن عطاء إلى أخفينا عنكم .
وأما متابعة رقية فأخرجها النسائي قال : حدثنا محمد بن قدامة قال : حدثنا جرير ، عن رقية عن عطاء قال : قال أبو هريرة : كل صلاة يقرأ فيها ، فما أسمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أسمعناكم ، وما أخفاها أخفينا منكم . وأما متابعة ابن وهب فأخرجها الطحاوي ، حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال : حدثنا عبد الله بن وهب قال : أخبرني ابن جريج عن عطاء قال : «سمعت أبا هريرة يقول : في كل الصلاة قراءة ، فما أسمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أسمعناكم ، وما أخفاه علينا أخفيناه عليكم وروى الطحاوي أيضا ، عن محمد بن النعمان قال : حدثنا الحميد قال : حدثنا سفيان ، عن ابن جريج ، عن عطاء نحوه . ( قيل ) هذا الحديث موقوف ( وأجيب ) بأن قوله : ما أسمعنا و ما أخفى عنا يشعر بأن جميع ما ذكره متلقى من النبي صلى الله عليه وسلم فيكون للجميع حكم الرفع .
ذكر من أخرجه غيره : أخرجه مسلم في الصلاة ، عن عمرو الناقد وزهير بن حرب ، والنسائي عن محمد بن الأعلى ، وأخرجه أيضا عن محمد بن قدامة كما ذكرناه الآن . ذكر معناه . قوله : في كل صلاة يقرأ على صيغة المجهول ، والجار والمجرور يتعلق بقوله : يقرأ أي يجب أن يقرأ القرآن في كل الصلوات ؛ لكن بعضها بالجهر وبعضها بالسر ، فما جهر به رسول الله صلى الله عليه وسلم جهرنا به ، وما أسر أسررنا به ، ويروى يقرأ على صيغة المعلوم ، أي يقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كذا قاله الكرماني ، وقيل : ويروى نقرأ بالنون ، أي نحن نقرأ .
قوله : فما أسمعنا بفتح العين ، وهي جملة من الفعل والمفعول ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم فاعله . قوله : أسمعناكم بسكون العين ، جملة من الفعل والفاعل وهو النون والمفعول وهو كم . قوله : وما أخفى كلمة ما موصولة ، وكذلك في فما أسمعنا قوله : وإن لم تزد بتاء الخطاب ، وقد بينه ما في رواية مسلم ، عن أبي خيثمة وغيره ، عن إسماعيل فقال له رجل : إن لم أزد قوله : على أم القرآن أي الفاتحة ، وسميت بها لاشتمالها على المعاني التي في القرآن ، أو لأنها أول القرآن ، كما أن مكة سميت أم القرى لأنها أول الأرض وأصلها .
قوله : أجزأت بلفظ الغيبة ، أي أجزأت الصلاة من الإجزاء ، وهو الأداء الكافي لسقوط التعبد به ، وحكى ابن التين لغة أخرى وهي أجزت بلا ألف أي قضت ، وقال الخطابي : جزى وأجزى مثل وفى وأوفى ، وقال ابن قرقول : أجزت عنك عند القابسي وعند غيره أجزأت . قوله : فهو خير أي الزائد على أم القرآن خير ، وفي رواية حبيب المعلم فهو أفضل كما ذكرنا . ذكر ما يستفاد منه : فيه وجوب القراءة في كل الصلوات ، وفيه رد على من أنكر وجوب القراءة مطلقا ، وعلى من أنكر وجوبها في الظهر والعصر ، وفيه الجهر فيما يجهر والإخفاء فيما يخفى ، وفي رواية الطحاوي في هذا الحديث ، قال أبو هريرة : كان النبي صلى الله عليه وسلم يؤمنا فيجهر ويخافت ، وكان جهره في بعض الصلوات كالمغرب والعشاء والصبح والجمعة وصلاة العيدين ، وفي بعضها كان يسر كالظهر والعصر وفي ثالثة المغرب وآخرتي العشاء ، وفي الاستسقاء يجهر عند أبي يوسف ومحمد والشافعي وأحمد ، وفي الخسوف والكسوف لا يجهر عند أبي حنيفة ومحمد ، وقال أبو يوسف : فيهما الجهر ، وقال الشافعي : في الكسوف يسر وفي الخسوف يجهر ، وأما بقية النوافل ففي النهار لا جهر فيها وفي الليل يتخير ، وقال النووي : وفي نوافل الليل قيل يجهر وقيل يخير بين الجهر والإسرار ، وفيه ما استدل به الشافعية على استحباب ضم السورة إلى الفاتحة وهو ظاهر الحديث ، وعند أصحابنا يجب ذلك ، وبه قال ابن كنانة من المالكية ، وحكي عن أحمد ، وعندنا ضم السورة أو ثلاث آيات من أي سورة شاء من واجبات الصلاة ، وقد وردت فيه أحاديث كثيرة ، منها ما رواه أبو سعيد قال صلى الله عليه وسلم : لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وسورة معها رواه ابن عدي في الكامل ، وفي لفظ : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقرأ الفاتحة وما تيسر ، وفي لفظ : لا تجزئ صلاة إلا بفاتحة الكتاب ومعها غيرها وفي لفظ : وسورة في فريضة أو في غيرها ورواه الترمذي وابن ماجه من حديث أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مفتاح الصلاة الطهور ، وتحريمها التكبير ، وتحليلها التسليم ، ولا صلاة لمن لم يقرأ بالحمد وسورة في فريضة أو في غيرها وروى أبو داود من حديث أبي نضرة عنه قال : أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر ورواه ابن حبان في صحيحه ولفظه : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقرأ الفاتحة وما تيسر ورواه أحمد وأبو يعلى في مسنديهما ، وروى ابن عدي من حديث ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تجزئ المكتوبة إلا بفاتحة الكتاب وثلاث آيات فصاعدا وروى أبو نعيم في تاريخ أصبهان من حديث أبي مسعود الأنصاري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب وشيء معها وقد عمل أصحابنا بكل الحديث حيث أوجبوا قراءة الفاتحة وضم سورة أو ثلاث آيات معها ؛ لأن هذه الأخبار أخبار آحاد فلا تثبت بها الفرضية ، وليس الفرض عندنا إلا مطلق القراءة لقوله تعالى : فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ فأمر بقراءة ما تيسر من القرآن مطلقا ، وتقييده بالفاتحة زيادة على مطلق النص ، وذا لا يجوز فعملنا بالكل وأوجبنا قراءة الفاتحة وضم سورة أو ثلاث آيات معها ، وقلنا : إن قوله : لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب مثل معنى قوله : لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد وصح أيضا عن جماعة من الصحابة إيجاب ذلك ، وقال بعضهم : وفي الحديث أن من لم يقرأ الفاتحة لم تصح صلاته ، قلنا : لا تبطل صلاته ، فإن تركها عامدا فقد أساء وإن تركها ساهيا فعليه سجدة السهو ، فإن قلت : ليس في حديث الباب حد في الزيادة ، قلت : قد بينها في حديث ابن عمر المذكور آنفا .