حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب الجهر بقراءة صلاة الصبح

حدثنا مسدد قال : حدثنا أبو عوانة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : انطلق النبي صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء ، وأرسلت عليهم الشهب ، فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا : ما لكم ؟ فقالوا : حيل بيننا وبين خبر السماء ، وأرسلت علينا الشهب ، قالوا : ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث ، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء ، فانصرف أولئك الذين توجهوا نحو تهامة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بنخلة عامدين إلى سوق عكاظ ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر ، فلما سمعوا القرآن استمعوا له فقالوا : هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء ، فهنالك حين رجعوا إلى قومهم وقالوا : يا قومنا إنا سمعنا قرآنا عجبا ﴿يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا ، فأنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم : قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ وإنما أوحي إليه قول الجن . مطابقته للترجمة في قوله : وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر ، فلما سمعوا القرآن استمعوا له . ذكر رجاله : وهم خمسة : الأول : مسدد ، الثاني : أبو عوانة الوضاح اليشكري ، الثالث : جعفر بن أبي وحشية ، وكنيته أبو بشر بكسر الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة ، واسم أبي وحشية إياس ، الرابع : سعيد بن جبير ، الخامس : عبد الله بن عباس .

ذكر لطائف إسناده : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه القول في موضعين ، وفيه أن رواته ما بين بصري وواسطي وكوفي . ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري أيضا في التفسير ، عن موسى بن إسماعيل ، وأخرجه مسلم في الصلاة ، عن شيبان بن فروخ ، وأخرجه الترمذي في التفسير ، عن عبد الله بن حميد ، وأخرجه النسائي فيه عن أبي داود الحراني ، عن أبي الوليد مقطعا ، وعن عمرو بن منصور . ذكر معناه .

قوله : في طائفة ذكره الجوهري في باب طوف ، وقال : الطائفة من الشيء قطعة منه ، وقوله تعالى : وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قال ابن عباس : الواحد فما فوقه ، وقال مجاهد : الطائفة الرجل الواحد إلى الألف ، وقال عطاء : أقلها رجلان . قوله : عامدين أي قاصدين ، منصوب على الحال ، وفي الفصيح في باب فعلت بفتح العين : عمدت للشيء أعمد إذا قصدت إليه ، وفي شرحه للزاهد عن ثعلب : أعمد عمدا إذا قصدت له خيرا كان أو شرا ، ومن العرب من يقول : عمدت أعمد عمدا وعمادا وعمدة بمعناه ، وفي الموعب لابن التياني ، عن الأصمعي : لا يقال عمدت بكسر الميم ، وفي شرح الزاهد وغيره : عمده وعمد إليه وعمد له عمودا ، وزعم ابن درستويه أنه لا يتعدى إلا بحرف جر . قوله : في سوق عكاظ قال ابن السكيت : السوق أنثى وربما ذكرت والتأنيث أغلب لأنهم يحقرونها سويقة ، وفي المحكم : والجمع أسواق والسوقة لغة فيه ، وفي الجامع اشتقاقها من سوق الناس إليها بضائعهم ، وقال السفاقسي : سميت بذلك لقيام الناس فيها على سوقهم .

قوله : وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر فإن قلت : هذه القضية كانت قبل الإسراء ، وصلاة الفجر فرضت مع بقية الصلوات ليلة الإسراء ، قلت : الراجح أن الإسراء كان قبل الهجرة بسنتين أو ثلاث ، فتكون القضية بعد الإسراء ، أو نقول : إنه عليه الصلاة والسلام كان يصلي قبل الإسراء قطعا ، وكذلك أصحابه ، ولكن اختلف هل افترض قبل الصلوات الخمس شيء من الصلوات أم لا فيصح على قول من قال إن الفرض أولا كان قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ، فيكون إطلاق صلاة الفجر بهذا الاعتبار لا لكونها إحدى الخمس المفروضة ليلة الإسراء . قوله : عكاظ بضم العين المهملة وتخفيف الكاف وفي آخره طاء معجمة ، قال الأزهري : هو اسم سوق من أسواق العرب وموسم من مواسم الجاهلية كانت العرب تجتمع به كل سنة يتفاخرون بها ، ويحضرها الشعراء فيتناشدون ما أحدثوا من الشعر ، وعن الليث سمي عكاظ عكاظا لأن العرب كانت تجتمع فيها فيعكظ بعضهم بعضا بالمفاخرة أي يدعك ، وقال غيره : عكظ الرجل دابته يعكظها عكظا إذا حبسها وتعكظ القوم تعكظا إذا تحبسوا ينظرون في أمرهم ، وبه سميت عكاظ ، وفي الموعب كانوا يجتمعون بها في كل سنة فيقيمون بها الأشهر الحرم ، وكان فيها وقائع مرة بعد أخرى ، وفي المحكم قال اللحياني : أهل الحجاز يجرونها وتميم لا يجرون بها ، وفي الصحاح : هي ناحية مكة ، كانوا يجتمعون بها في كل سنة فيقيمون شهرا ، وقال ابن حبيب : هي صحراء مستوية لا علم فيها ولا جبل إلا ما كان من النصب التي كانت بها في الجاهلية وبها من دماء البدن كالأرخام العظام ، وقيل هي ماء على نجد قريبة من عرفات ، وقيل وراء قرن المنازل بمرحلة من طريق صنعاء ، وهي من عمل الطائف على بريد منها ، وأرضها لبني نضر ، واتخذت سوقا بعد الفيل بخمس عشرة سنة ، وتركت عام الحرورية بمكة مع المختار بن عوف سنة تسع وعشرين ومائة إلى هلم جرا ، وقال أبو عبيدة : عكاظ فيما بين نخلة والطائف إلى موضع يقال له الفتق ، به أموال ونخيل لثقيف ، بينه وبين الطائف عشرة أميال ، فكان سوق عكاظ يقوم صبيح هلال ذي القعدة عشرين يوما ، وسوق مجنة يقوم بعده عشرة أيام ، وسوق ذي المجاز يقوم هلال ذي الحجة ، وزعم الرشاطي أنها كانت تقام نصف ذي القعدة إلى آخر الشهر ، فإذا أهل ذو الحجة أتوا ذا المجاز وهي قريب من عكاظ ، فيقوم سوقها إلى يوم التروية فيسيرون إلى منى ، وقال ابن الكلبي : لم يكن بعكاظ عشور ولا خفارة . قوله : وقد حيل بكسر الحاء المهملة وسكون الياء آخر الحروف ، يقال حال الشيء بيني وبينك أي حجز ، وأصل مصدره واوي ، يعني من الحول ، وأصل حيل حول ، نقلت كسرة الواو إلى ما قبلها بعد حذف الضمة منها فصار حيل .

قوله : بين الشياطين جمع شيطان ، قال الزمخشري : وقد جعل سيبويه نون الشيطان في موضع من كتابه أصلية وفي آخر زائدة ، والدليل على أصالتها قولهم شيطان ، واشتقاقه من شطن إذا بعد لبعده عن الصلاح والخير ، أو من شاط إذا بطل ، إذا جعلت نونه زائدة ، ومن أسمائه الباطل ، والشياطين العصاة من الجن ، وهم من ولد إبليس ، والمراد أعتاهم وأغواهم ، وهم أعوان إبليس ينفذون بين يديه في الإغواء ، وقال الجوهري : كل عات متمرد من الجن والإنس والدواب شيطان ، وقال القاضي أبو يعلى : الشياطين مردة الجن وأشرارهم ، ولذلك يقال للشرير مارد وشيطان ، وقال تعالى : شَيْطَانٍ مَرِيدٍ وقال أبو عمر بن عبد البر : الجن منزلون على مراتب فإذا ذكر الجن خالصا يقال جني ، وإن أريد به أنه ممن يسكن مع الناس يقال عامر والجمع عمار ، وإن كان مما يعرض للصبيان يقال أرواح ، فإن خبث فهو شيطان ، فإن زاد على ذلك فهو مارد ، فإن زاد على ذلك وقوي أمره فهو عفريت والجمع عفاريت ، انتهى ، وفي الحديث المذكور ذكر وجود الجن ووجود الشياطين ولكنهما نوع واحد غير أنهما صارا صنفين باعتبار أمر عرض لهما وهو الكفر والإيمان ، فالكافر منهم يسمى بالشيطان والمؤمن بالجن . قوله : وأرسلت عليهم الشهب بضم الهاء جمع الشهاب وهو شعلة نار ساطعة كأنها كوكب منقض ، واختلف في الشهب هل كانت يرمى بها قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم أم لا ، لقوله تعالى : ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا إلى قوله : رَصَدًا فذكر ابن إسحاق أن العرب أنكرت وقوع الشهب ، وأشدهم إنكارا ثقيف ، وأنهم جاؤوا إلى رئيسهم عمرو بن أمية بعدما عمي فسألوه فقال : انظروا إن كانت هي التي يهتدى بها في ظلمات البر والبحر فهو خراب الدنيا وزوالها ، وإن كان غيرها فهو لأمر حدث ، وإن الشياطين استنكرت ذلك وضربوا في الآفاق لينظروا ما موجبه ، ونفس الآية الكريمة تدل على وجود حراسها بما شاء الله تعالى إلا أنه قليل ، وإنما كثر عند أبان مبعث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قالوا : ملئت حرسا شديدا لأنهم عهدوا حرسا ولكنه غير شديد ، ولأن جماعة من العلماء منهم ابن عباس والزهري قالوا : ما زالت الشهب مذ كانت الدنيا يؤيده ما في صحيح مسلم من قوله صلى الله عليه وسلم : ورمي بنجم ، ما كنتم تقولون إن كان مثل هذا في الجاهلية ؟ قالوا : يموت عظيم أو يولد عظيم الحديث ، وذكر بعضهم أن السماء كانت محروسة قبل النبوة ، ولكن إنما كانت تقع الشهب عند حدوث أمر عظيم من عذاب ينزل أو إرسال رسول إليهم ، وعليه تأولوا قوله تعالى : ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا وقيل : كانت الشهب مرئية معلومة ، لكن رجم الشياطين وإحراقهم لم يكن إلا بعد نبوة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن قيل : كيف تتعرض الجن لإتلاف نفسها بسبب سماع خبر بعد أن صار ذلك معلوما لهم ، أجيب : قد ينسيهم الله تعالى ذلك لينفذ فيهم قضاؤه كما قيل في الهدهد إنه يرى الماء في تخوم الأرض ولا يرى الفخ على ظهر الأرض ، على أن السهيلي وغيره زعموا أن الشهاب تارة يصيبهم فيحرقهم ، وتارة لا يصيبهم ، فإن صح هذا فينبغي كأنهم غير متيقنين بالهلاك ولا جازمين به ، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : كانت الشياطين لا تحجب عن السماوات ، فلما ولد عيسى عليه الصلاة والسلام منعت من ثلاث سماوات ، فلما ولد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم منعت منها كلها ، وقال ابن الجوزي رحمه الله : الذي أميل إليه أن الشهب لم ترم إلا قبل مولد النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم استمر ذلك وكثر حين بعث ، وعن الزهري كانت الشهب قليلة فغلظ أمرها وكثرت حين البعثة ، وقال أبو الفرج : فإن قيل : أيزول الكوكب إذا رجم به ؟ قلنا : قد يحرك الإنسان يده أو حاجبه فتضاف تلك الحركة إلى جميعه ، وربما فصل شعاع من الكوكب فأحرق ، ويجوز أن يكون ذلك الكوكب يفنى ويتلاشى . قوله : فَاضْرِبُوا أي سيروا في الأرض كلها ، يقال فلان ضرب في الأرض إذا سار فيها ، وقال الله تعالى : وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ أي سرتم .

قوله : مَشَارِقَ منصوب على الظرفية أي في مشارق الأرض وفي مغاربها . قوله : فانصرف أولئك أي الشياطين الذين توجهوا ناحية تهامة وهي بكسر التاء ، وفي الموعب تهامة اسم مكة وطرف تهامة من قبل الحجاز مدارج العرج وأولها من قبل نجد مدارج عرق ، فإذا نسب إليها يقال : تهامي ، بفتح التاء ، قاله أبو حاتم ، وعن سيبويه بكسرها ، وفي أمالي الهجري : آخر تهامة أعلام الحرم الشامي ، وفي كتاب الرشاطي : تهامة ما ساير البحر من نجد ، ونجد ما بين الحجاز إلى الشام إلى العذيب ، والصحيح أن مكة من تهامة ، وقال المدائني : جزيرة العرب خمسة أقسام : تهامة ونجد وحجاز وعروض ويمن ، أما تهامة فهي الناحية الجنوبية من الحجاز ، وأما نجد فهي الناحية التي من الحجاز والعراق ، وأما الحجاز فهو جبل يقبل من اليمن حتى يتصل بالشام وفيه المدينة وعمان ، وأما العروض فهي اليمامة إلى البحرين ، قال : وإنما سمي الحجاز حجازا لأنه يحجز بين نجد وتهامة ، ومن المدينة إلى طريق مكة إلى أن يبلغ مهبط العرج حجازا أيضا ، وما وراء ذلك إلى مكة وجدة فهو تهامة ، وقال الواقدي : الحجاز من المدينة إلى تبوك ومن المدينة إلى طريق الكوفة ، ومن وراء ذلك إلى أن يشارف أرض البصرة فهو نجد وما بين العراق وبين وجرة وعمرة الطائف نجد ، وما كان من وراء وجرة إلى البحر فهو تهامة ، وما كان بين تهامة ونجد فهو حجاز ، وقال قطرب : تهامة من قولهم تهم البعير تهما دخله حر ، وتهم البعير إذا استنكر المرعى ولم يستمر به ، ولحم تهم خنز ، ويقال : تهامة وتهومة ، وقيل : سميت تهامة لأنها انخفضت عن نجد فتهم ريحها أي تغير ، وعن ابن دريد التهم شدة الحر وركود الريح وسميت بها تهامة . قوله : وهو بنخلة بفتح النون وسكون الخاء المعجمة ، وهو موضع معروف ثمة وبطن نخلة موضع بين مكة والطائف ، وقال البكري : نخلة على لفظ الواحدة من النخل موضع على ليلة من مكة ، وهي التي نسب إليها بطن نخلة ، وهي التي ورد الحديث فيها ليلة الجن ، وهو غير منصرف للعلمية والتأنيث .

قوله : عامدين حال ، وإنما جمع وإن كان ذو الحال واحدا باعتبار أن أصحابه معه كما يقال جاء السلطان والمراد هو وأتباعه ، أو جمع تعظيما له . قوله : استمعوا له أي أنصتوا ، والفرق بين السماع والاستماع أن باب الافتعال لا بد فيه من التصرف ، فالاستماع تصرف بالقصد والإصغاء إليه والسماع أعم منه . قوله : فهناك ظرف مكان والعامل فيه : قالوا ، ويروى فقالوا بالفاء ، فالعامل رجعوا مقدرا يفسره المذكور .

قوله : أوحي إلي وقرأ حيوة الأسدي : قل أوحي إلي ، وقال الزجاج في المعاني : الأكثر أوحيت ويقال وحيت فالأصل وحى ، إلى قوله : نفر من الجن ، قال الزجاج : هؤلاء النفر من الجن كانوا من نصيبين ، وقيل إنهم كانوا من اليمن ، وقيل إنهم كانوا يهودا ، وقيل إنهم كانوا مشركين ، وذكر ابن دريد أن أسماءهم شاصر وماصر والأحقب ومنشئ وناشئ ، لم يزد شيئا ، وفي تفسير الضحاك : كانوا تسعة من أهل نصيبين ، قرية باليمن غير التي بالعراق ، وفي رواية عاصم عن زر بن حبيش أنهم كانوا سبعة : ثلاثة من أهل حران ، وأربعة من نصيبين ، ذكره القرطبي في تفسيره ، وعند الحاكم عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه : هبطوا على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ببطن نخلة وكانوا تسعة ، أحدهم زوبعة ، وقال : صحيح الإسناد ، وعند القرطبي : كانوا اثني عشر ، وعن عكرمة : كانوا اثني عشر ألفا ، وفي تفسير النسفي : وقيل كانوا من بني الشيبان وهم أكثر الجن عددا وهم عامة جنود إبليس . قوله : قُرْآنًا عَجَبًا أي بديعا مبينا لسائر الكتب في حسن نظمه وصحة معانيه ، قائمة فيه دلائل الإعجاز ، وانتصاب عجبا على أنه مصدر وضع موضع التعجب ، وفيه مبالغة ، والعجب ما خرج عن حد إشكاله ، ونظائره قوله : يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ أي يدعو إلى الصواب ، وقيل يهدي إلى التوحيد والإيمان . قوله : فَآمَنَّا بِهِ أي بالقرآن .

قوله : وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا يعني لما كان الإيمان بالقرآن إيمانا بالله عز وجل وبوحدانيته وبراءة من الشرك قالوا : وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا قوله : فأنزل الله على نبيه : قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أي قل يا محمد أي أخبر قومك ما ليس لهم به علم ، ثم بين فقال : أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ وقال ابن إسحاق : لما أيس رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من خبر ثقيف انصرف عن الطائف راجعا إلى مكة حتى كان بنخلة قام من جوف الليل يصلي ، فمر به النفر من الجن الذين ذكرهم الله تعالى وهم فيما ذكر لي سبعة نفر من أهل جن نصيبين ، فاستمعوا له ، فلما فرغ من صلاته ولوا إلى قومهم منذرين قد آمنوا وأجابوا إلى ما سمعوا ، فقص خبرهم عليه ، فقال تعالى : وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ إلى قوله : أَلِيمٍ ثم قال تعالى : قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ إلى آخر القصة من خبرهم في هذه السورة ، وإلى هذا المعنى أشار البخاري بقوله : وإنما أوحي إليه قول الجن ، وأراد بقول الجن هم الذين قص خبرهم عليه . ذكر ما يستفاد منه وهو على وجوه : الأول في وقت صرف الجن إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكان ذلك قبل الهجرة بثلاث سنين وقبل الإسراء ، وذكر الواقدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الطائف لثلاث بقين من شوال وأقام خمسا وعشرين ليلة ، وقدم مكة لثلاث وعشرين خلت من ذي القعدة يوم الثلاثاء وأقام بمكة ثلاثة أشهر ، وقدم عليه جن الحجون في ربيع الأول سنة إحدى عشرة من النبوة . الثاني أن الجن كانت متعددة وتعددت وفادتهم على النبي صلى الله عليه وسلم بمكة والمدينة بعد الهجرة ، وفي كلام البيهقي أن ليلة الجن واحدة نظر .

الثالث في الحديث وجود الجن ، قال إمام الحرمين في كتابه الشامل : إن كثيرا من الفلاسفة وجماهير القدرية وكافة الزنادقة أنكروا الشياطين والجن رأسا ، وقال أبو القاسم الصفار في شرح الإرشاد : وقد أنكرهم معظم المعتزلة ، وقد دلت نصوص الكتاب والسنة على إثباتهم ، وقال أبو بكر الباقلاني : وكثير من القدرية يثبتون وجود الجن قديما وينفون وجودهم الآن ، ومنهم من يقر بوجودهم ويزعم أنهم لا يرون لرقة أجسادهم ونفوذ الشعاع ، ومنهم من قال إنهم لا يرون لأنهم لا ألوان لهم ، وقال الشيخ أبو العباس ابن تيمية : لم يخالف أحد من طوائف المسلمين في وجود الجن ، وجمهور طوائف الكفار على إثبات الجن وإن وجد من ينكر ذلك منهم كما يوجد في بعض طوائف المسلمين كالجهمية والمعتزلة من ينكر ذلك ، وإن كان جمهور الطائفة وأئمتها مقرين بذلك ، وهذا لأن وجود الجن تواترت به أخبار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تواترا معلوما بالاضطرار . الرابع : في ابتداء خلق الجن ، وفي كتاب المبتدأ ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : خلق الله الجن قبل آدم بألفي سنة ، وعن ابن عباس : كان الجن سكان الأرض والملائكة سكان السماء ، وقال بعضهم : عمروا الأرض ألفي سنة ، وقيل : أربعين سنة ، وقال إسحاق بن بشر في المبتدأ : قال أبو روق ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : لما خلق الله شوما أبا الجن ، وهو الذي خلق من مارج من نار ، فقال تبارك وتعالى : تمن ، قال : أتمنى أن نرى ولا نرى ، وأن نغيب في الثرى ، وأن يصير كهلنا شابا ، فأعطي ذلك ، فهم يرون ولا يرون ، وإذا ماتوا غيبوا في الثرى ، ولا يموت كهلهم حتى يعود شابا ، يعني مثل الصبي ثم يرد إلى أرذل العمر ، قال : وخلق الله آدم عليه السلام فقيل له تمن : فتمنى الحيل فأعطي الحيل ، وفي التلويح : وقد اختلف في أصلهم فعن الحسن أن الجن ولد إبليس ومنهم المؤمن والكافر ، والكافر يسمى شيطانا ، وعن ابن عباس : هم ولد الجان وليسوا شياطين ، منهم الكافر والمؤمن ، وهم يموتون ، والشياطين ولد إبليس ، لا يموتون إلا مع إبليس ، واختلفوا في مآل أمرهم على حسب اختلافهم في أصلهم ، فمن قال إنهم من ولد الجان قال : يدخلون الجنة بإيمانهم ، ومن قال إنهم من ذرية إبليس فعند الحسن يدخلونها ، وعن مجاهد لا يدخلونها ، وقال : ليس لمؤمني الجن غير نجاتهم من النار ، قال تعالى : وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ وبه قال أبو حنيفة ، ويقال لهم كالبهائم كونوا ترابا ، وفي رواية عن أبي حنيفة أنه تردد فيهم ولم يجزم ، وقال آخرون : يعاقبون في الإساءة ويجازون في الإحسان كالإنس ، وإليه ذهب مالك والشافعي وابن أبي ليلى لقوله تعالى : وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا بعد قوله : يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ الآيات . الخامس فيه دلالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم جهر بالقراءة في صلاة الفجر ، وعليه بوب البخاري .

السادس فيه دلالة على مشروعية الجماعة في الصلاة في السفر ، وأنها شرعت من أول النبوة . السابع أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل إلى الإنس والجن ، ولم يخالف أحد من طوائف المسلمين في أن الله تعالى أرسل محمدا صلى الله عليه وسلم إلى الجن والإنس ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام : بعثت إلى الناس عامة في حديث جابر في الصحيحين ، قال الجوهري : الناس قد يكون من الإنس ومن الجن ، وقد أخبر الله تعالى في القرآن أن الجن استمعوا القرآن وأنهم آمنوا به كما في قوله تعالى : وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ إلى قوله : أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ثم أمره الله أن يخبر الناس بذلك ليعلم الإنس بأحوالها وأنه مبعوث إلى الإنس والجن .

ورد في أحاديث1 حديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث