باب جهر الإمام بالتأمين
حدثنا عبد الله بن يوسف قال : أخبرنا مالك ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن أنهما أخبراه عن أبي هريرة : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا أمن الإمام فأمنوا ، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه . وقال ابن شهاب : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : آمين مطابقته للترجمة ظاهرة لأنه صلى الله عليه وسلم أمر القوم بالتأمين عند تأمين الإمام . ورجاله قد ذكروه غير مرة ، وابن شهاب هو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري .
وفيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد والإخبار كذلك في موضع واحد وبصيغة التثنية من الماضي في موضع ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع . وأخرجه مسلم في الصلاة أيضا عن يحيى بن يحيى ، وأبو داود فيه عن القعنبي ، والترمذي فيه عن أبي كريب ، عن زيد بن الحباب ، والنسائي فيه وفي الملائكة ، عن قتيبة ، خمستهم عن مالك ، عن الزهري . ذكر معناه .
قوله : إذا أمن الإمام أي إذا قال الإمام آمين بعد قراءة الفاتحة فأمنوا ، أي فقولوا : آمين ، قوله فإنه أي فإن الشأن قوله : من وافق تأمينه تأمين الملائكة زاد يونس ، عن ابن شهاب عند مسلم فإن الملائكة تؤمن قبل قوله : فمن وافق وكذا في رواية ابن عيينة ، عن ابن شهاب عند البخاري في الدعوات ، وقال ابن حبان في صحيحه فإن الملائكة تقول آمين ثم قال : يريد أنه إذا أمن كتأمين الملائكة من غير إعجاب ولا سمعة ولا رياء خالصا لله تعالى فإنه حينئذ يغفر له ، قلت : هذا التفسير يندفع بما في الصحيحين ، عن مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا قال أحدكم آمين ، وقالت الملائكة في السماء ، ووافقت إحداهما الأخرى ، غفر له ما تقدم من ذنبه انتهى ، وزاد فيه مسلم إذا قال أحدكم في الصلاة ولم يقلها البخاري وغيره ، وهي زيادة حسنة نبه عليها عبد الحق في الجمع بين الصحيحين ، وفي هذا اللفظ فائدة أخرى وهي اندراج المنفرد فيه وغير هذا اللفظ إنما هو في الإمام وفي المأموم أو فيهما ، والله أعلم . واختلفوا في هؤلاء الملائكة فقيل : هم الحفظة ، وقيل : الملائكة المتعاقبون ، وقيل غير هؤلاء ؛ لما روى البيهقي بلفظ إذا قال القارئ غير المغضوب عليهم ولا الضالين ، وقال من خلفه آمين ، ووافق ذلك قول أهل السماء آمين ، غفر له ما تقدم من ذنبه ورواه الدارمي أيضا في مسنده ، وقيل هم جميع الملائكة بدليل عموم اللفظ ؛ لأن الجمع المحلى باللام يفيد الاستغراق بأن يقولها الحاضرون من الحفظة ومن فوقهم حتى ينتهي إلى الملأ الأعلى وأهل السماوات . قوله : غفر له ما تقدم من ذنبه ووقع في رواية بحر بن نصر ، عن ابن وهب ، عن يونس في آخر هذا الحديث ، وما تأخر ذكرها الجرجاني في أماليه ، قيل : إنها شاذة لأن ابن الجارود روى في المنتقى ، عن بحر بن نصر بدون هذه الزيادة ، وكذا في رواية مسلم ، عن حرملة ، وفي رواية ابن خزيمة ، عن يونس بن عبد الأعلى ، كلاهما عن ابن وهب بدون هذه الزيادة ، والذي وقع في نسخة لابن ماجه ، عن هشام بن عمار وأبي بكر بن أبي شيبة ، كلاهما عن ابن عيينة بإثبات هذه الزيادة غير صحيح ؛ لأن ابن أبي شيبة قد روى هذا الحديث في مسنده ومصنفه بدون هذه الزيادة ، وكذلك الحفاظ من أصحاب ابن عيينة مثل الحميدي وابن المديني وغيرهما رووا بدون هذه الزيادة ، ثم قوله : غفر ظاهره يعم غفران جميع الذنوب الماضية إلا ما يتعلق بحقوق الناس ، وذلك معلوم من الأدلة الخارجية المخصصة لعمومات مثله ، وأما الكبائر فإن عموم اللفظ يقتضي المغفرة ، ويستدل بالعام ما لم يظهر المخصص ، قوله وقال ابن شهاب : إلى آخره ، صورته صورة إرسال لكن متصل إليه برواية عنه وليس بتعليق ، ووصله الدارقطني في الغرائب من طريق حفص بن عمر العدني ، عن مالك ، وقال : تفرد به حفص بن عمر وهو ضعيف ، ويؤيد ما ذكره ابن شهاب في هذا الحديث من حيث المعنى ما أخرجه النسائي في سننه من حديث الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا قال الإمام غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا آمين ، فإن الملائكة تقول آمين ، وإن الإمام يقول آمين ، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه .
ذكر ما يستفاد منه : فيه أن الإمام يؤمن ، خلافا لمالك كما قال بعضهم عنه ، وفي المعارضة قال مالك : لا يؤمن الإمام في صلاة الجهر ، وقال ابن حبيب : يؤمن ، وقال ابن بكير : هو بالخيار ، وروى الحسن ، عن أبي حنيفة أن الإمام لا يأتي به ، فإن قلت : ما جوابه عن الحديث على هذه الرواية ، قلت : جوابه أنه إنما سمي الإمام مؤمنا باعتبار التسبب ، والمسبب يجوز أن يسمى باسم المباشر كما يقال بنى الأمير داره ، واستدل بعض المالكية لمالك أن الإمام لا يقولها بقوله صلى الله عليه وسلم إذا قال الإمام ولا الضالين فقولوا آمين لأنه صلى الله عليه وسلم قسم ذلك بينه وبين القوم ، والقسمة تنافي الشركة ، وحملوا قوله صلى الله عليه وسلم : إذا أمن الإمام على بلوغ موضع التأمين وقالوا سنة الدعاء تأمين السامع دون الداعي وآخر الفاتحة دعاء فلا يؤمن الإمام لأنه داع ، وقال القاضي أبو الطيب : هذا غلط بل الداعي أولى بالاستيجاب ، واستبعد أبو بكر بن العربي تأويلهم لغة وشرعا ، وقال : الإمام أحد الداعين وأولهم وأولاهم . وفيه أن المؤتم يقولها بلا خلاف ، وفيه رد على الإمامية في قولهم إن التأمين يبطل الصلاة لأنه لفظ ليس بقرآن ولا ذكر ، وقال السفاقسي : وزعمت طائفة من المبتدعة أن لا فضيلة فيها ، وعن بعضهم إنها تفسد الصلاة ، وقال ابن حزم : يقولها الإمام سنة والمأموم فرضا . وفيه أنه مما تمسك به الشافعي في الجهر بالتأمين ، وذكر المزني في مختصره ، وقال الشافعي : يجهر بها الإمام في الصلاة التي يجهر فيها بالقراءة والمأموم يخافت ، وفي الخلاصة للغزالي : ومن سنن الصلاة أن يجهر بالتأمين في الجهرية ، وفي التلويح : ويجهر فيها المأموم عند أحمد وإسحاق وداود ، وقال جماعة : يخفيها ، وهو قول أبي حنيفة والكوفيين وأحد قولي مالك والشافعي في الجديد ، وفي القديم يجهر ، وعن القاضي حسين عكسه ، قال النووي : وهو غلط ، ولعله من الناسخ ، واحتج أصحابنا بما رواه أحمد وأبو داود الطيالسي وأبو يعلى الموصلي في مسانيدهم والطبراني في معجمه والدارقطني في سننه والحاكم في مستدركه من حديث شعبة ، عن سلمة بن كهيل ، عن حجر بن العنبس عن علقمة بن وائل ، عن أبيه أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم فلما بلغ غير المغضوب عليهم ولا الضالين ، قال : آمين ، وأخفى بها صوته ولفظ الحاكم في كتاب القراءات وخفض بها صوته وقال : حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، فإن قلت : روى أبو داود والترمذي ، عن سفيان ، عن سلمة بن كهيل ، عن حجر بن العنبس ، عن وائل بن حجر ، واللفظ لأبي داود كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ ولا الضالين ، قال : آمين ، ورفع بها صوته ولفظ الترمذي ومد بها صوته وقال حديث حسن وروى أبو داود والترمذي من طريق آخر ، عن علي بن صالح ، ويقال العلاء بن صالح الأسدي ، عن سلمة بن كهيل ، عن حجر بن العنبس عن وائل بن حجر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى فجهر بآمين ، وسلم عن يمينه وشماله ، وسكتا عنه وروى النسائي ، أخبرنا قتيبة ، حدثنا أبو الأحوص ، عن أبي إسحاق ، عن عبد الجبار بن وائل عن أبيه قال : صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما افتتح الصلاة كبر الحديث ، وفيه فلما فرغ من الفاتحة قال آمين ، يرفع بها صوته وروى أبو داود وابن ماجه ، عن بشر بن رافع ، عن عبد الله ابن عم أبي هريرة قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تلا غير المغضوب عليهم ولا الضالين قال : آمين ، حتى يسمع من الصف الأول وزاد ابن ماجه فيرتج بها المسجد ورواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه ، وقال : على شرط الشيخين ، ورواه الدارقطني في سننه ، وقال : إسناده صحيح ، قلت : الذي رواه أبو داود والترمذي ، عن سفيان ، يعارضه ما رواه الترمذي أيضا عن شعبة ، عن سلمة بن كهيل ، عن حجر أبي العنبس ، عن علقمة بن وائل ، عن أبيه ، وقال فيه : وخفض بها صوته فإن قلت : قال الترمذي : سمعت محمد بن إسماعيل يقول : حديث سفيان أصح من حديث شعبة ، وأخطأ شعبة في مواضع فقال : حجر أبي العنبس ؛ وإنما هو حجر بن العنبس ، ويكنى أبا السكن ، وزاد فيه علقمة : وإنما هو حجر ، عن أبي وائل ، وقال : خفض بها صوته ، وإنما هو مد بها صوته ، قلت : تخطئة مثل شعبة خطأ ، وكيف وهو أمير المؤمنين في الحديث ، وقوله هو حجر بن العنبس وليس بأبي العنبس ، ليس كما قاله ؛ بل هو أبو العنبس حجر بن العنبس ، وجزم به ابن حبان في الثقات فقال : كنيته كاسم أبيه ، وقول محمد : يكنى أبا السكن ، لا ينافي أن تكون كنيته أيضا أبا العنبس لأنه لا مانع أن يكون لشخص كنيتان ، وقوله وزاد فيه علقمة لا يضر لأن الزيادة من الثقة مقبولة ولا سيما من مثل شعبة ، وقوله : وقال وخفض بها صوته ، وإنما هو ومد بها صوته ، يؤيده ما رواه الدارقطني عن وائل بن حجر قال : صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعته حين قال غير المغضوب عليهم ولا الضالين ، قال : آمين ، فأخفى بها صوته فإن قلت : قال الدارقطني : وهم شعبة فيه لأن سفيان الثوري ومحمد بن سلمة بن كهيل وغيرهما رووه عن سلمة بن كهيل فقالوا : ورفع بها صوته ، وهو الصواب ، وطعن صاحب التنقيح في حديث شعبة هذا بأنه قد روي عنه خلافه ، كما أخرجه البيهقي في سننه ، عن أبي الوليد الطيالسي ، حدثنا شعبة ، عن سلمة بن كهيل ، سمعت حجرا أبا العنبس يحدث عن وائل الحضرمي أنه صلى خلف النبي صلى الله عليه وسلم فلما قال ولا الضالين ، قال : آمين ، رافعا صوته قال : فهذه الرواية توافق رواية سفيان ، وقال البيهقي في المعرفة : إسناد هذه الرواية صحيح ، وكان شعبة يقول : سفيان أحفظ ، وقال يحيى القطان ويحيى بن معين : إذا خالف شعبة قول سفيان فالقول قول سفيان ، قال : وقد أجمع الحفاظ البخاري وغيره أن شعبة أخطأ ، قلت : قول الدارقطني وهم شعبة ، يدل على قلة اعتنائه بكلام هذا القائل وإثبات الوهم له لكونه غير معصوم موجود في سفيان ، فربما يكون هو وهم ، ويمكن أن يكون كلا الإسنادين صحيحا ، وقد قال بعض العلماء : والصواب أن الخبرين بالجهر بها وبالمخافتة صحيحان ، وعمل بكل منهما جماعة من العلماء ، فإن قلت : قال ابن القطان في كتابه : هذا الحديث فيه أربعة أمور : اختلاف سفيان وشعبة في اللفظ ، وفي الكنية ، وحجر لا يعرف حاله ، واختلافهما أيضا حيث جعل سفيان من رواية حجر ، عن علقمة بن وائل ، عن وائل ، قلت : الجواب عن الأول لا يضر اختلاف سفيان وشعبة ؛ لأن كلا منهما إمام عظيم الشأن فلا تسقط رواية أحدهما بروية الآخر ، وما يقال من الوهم في أحدهما يصدق في الآخر فلا ينتج من ذلك شيء ، وعن الثاني أيضا لا يضر الاختلاف المذكور في الاسم والكنية كما شرحناه الآن ، وعن الثالث أنه ممنوع ، وكيف لا يعرف حاله وقد ذكره البغوي وأبو الفرج وابن الأثير وغيرهم في جملة الصحابة ، ولئن نزلناه من رتبة الصحابة إلى رتبة التابعين فقد وجدنا جماعة أثنوا عليه ووثقوه ، منهم الخطيب أبو بكر البغدادي قال : صار مع علي رضي الله تعالى عنه إلى النهروان وورد المدائن في صحبته ، وهو ثقة احتج بحديثه غير واحد من الأئمة ، وذكره ابن حبان في الثقات ، وقال ابن معين : كوفي ثقة مشهور ، وعن الرابع أن دخول علقمة في الوسط ليس بعيب لأنه سمعه من علقمة أولا بنزول ثم رواه عن وائل بعلو ، بين ذلك الكجي في سننه الكبير ، وأما حديث أبي هريرة ففي إسناده بشر بن رافع الحارثي ، وقد ضعفه البخاري والترمذي والنسائي وأحمد وابن معين ، وقال ابن القطان في كتابه : بشر بن رافع أبو الأسباط الحارثي ضعيف ، وهو يروي هذا الحديث عن عبد الله ابن عم أبي هريرة ، وأبو عبد الله هذا لا يعرف له حال ولا روى عنه غير بشر ، والحديث لا يصح من أجله ، فسقط بذلك قول الحاكم على شرط الشيخين وتحسين الدارقطني إياه .
واحتج أصحابنا أيضا بما رواه محمد بن الحسن في كتاب الآثار ، حدثنا أبو حنيفة ، حدثنا حماد بن أبي سليمان ، عن إبراهيم النخعي قال : أربع يخفيهم الإمام : التعوذ ، و﴿بسم الله الرحمن الرحيم ﴾، وسبحانك اللهم ، وآمين ورواه عبد الرزاق في مصنفه ، أخبرنا معمر ، عن حماد به فذكره إلا أنه قال عوض قوله : سبحانك اللهم ، اللهم ربنا لك الحمد ثم قال : أخبرنا الثوري ، عن منصور ، عن إبراهيم قال : خمس يخفيهن الإمام فذكرها وزاد سبحانك اللهم وبحمدك وبما رواه الطبراني في تهذيب الآثار : حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن أبي سعيد ، عن أبي وائل قال : لم يكن عمر وعلي رضي الله تعالى عنهما يجهران ب﴿بسم الله الرحمن الرحيم ﴾، ولا بآمين وقالوا أيضا : آمين دعاء ، والأصل في الدعاء الإخفاء . وفيه من الفضائل تفضيل الإمامة لأن تأمين الإمام يوافق تأمين الملائكة ، ولهذا شرعت للإمام موافقته .